• 17 تموز 2012
  • نبض إيلياء

ان هذه الحكاية بدات مع بداية فترة الامل في حياة الفلسطينين ،  الفترة التي كان يعتقد فيها الفلسطينين انه اصبح قاب قوسين او ادنى من تحقيق حلمه باقامة دولته المستقلة بمؤسساتها ، انها فترة تسعينات القرن الماضي ، في تلك الفترة كانت امتدادا لفترة تحدي للصحافة الفلسطينية وللصحفين بشكل عام  والذين اثبتوا انهم مهنين وانه الاعلام المحلي كان محل ثقة القارئ والمستمع والمشاهد ، عندها قرر الصحفي الكبير ابن القدس  البار ، ان يحط برحالة وترحاله اخيرا في مدينته ، التي احبها اكثر من أي شئ اخر، وقرر ان يقدم شئيا ،يخدم المدينة والقضية والشعب ، عبر وسيلة اعلامية ليست بالجريدة اليومية وليست بالمجلة الشهرية، وليس اخبارية، هي بين هذا وذلك، وتميل اكثرالى طابع التحليل العميق لما بين السطور وحول الاحداث المتلاحقة، لاعتقاد الصحفي النشاشيبي ان المواطن يستطيع ان يحصل على المعلومة بكل تفاصليها ولكنه للاسف لن يحصل على تفاصيل هذه المعلومة ولا على ما بين  سطورها،  فقرر اصدار مجلة اسبوعية سياسية تحمل اسم " اخبار البلد" وتحت العنوان مجلة البحث والراي السياسي ،

 كما هو معروف فان الاستاذ النشانشيبي نجح  خلال سنوات عمله الطويلة وعبر العشرات من كتبه والالاف من مقالته،  من ايصال صوت القدس الى كل مكان في العالم ، من استراليا وحتى افريقيا مرورا بالصين وانتهاء باوروبا، ولكن هذه المرة وعبر مجله " اخبار البلد " قلب المعادلة واوصل  صوت الخارج الى القدس ، من خلال استكتاب كبار الكتاب والصحفيين والسياسين ، فلقد قال النشانشيبي في افتتاحيه العدد  الاول"  ... من هذه الزاوية وعلى ضوء الواقع شدني الشوق للكتابة عن ام الانبياء التي لا اريدها ان تصبح اندلسا اخرى ، ولا مقبرة في صورة مدينة ، ولا صرحا يزوره السياح ، وانما تبقى فكرة حية ملموسة في القلب وفي الوجدان ...."

 ويضيف في نهاية المقالة الطويلة " ولكني اليوم، اراني وفي خريف الحياة، وبعد رحلة طويلة من العمل الصحفي في كل عاصمة عربية ،من يافا في الاربعينات الى القدس القديمة، بعدها الى بيروت وبغداد والقاهرة  ..اراني اليوم، اقرر اصدار مجلة اسبوعية وحدي، وفي ظروف استثنائية اتولي بنفسي نشرها ، والانفاق عليها، والسهر على نجاحها من خلال رئاسة تحريرها والاشراف المباشر عليها !

 لا باس !

 اننى مع القارئ المقدسي، والعربي، على موعد مع الكلمة الصادقة والراي المثقف والتحليل الحر... وسيبقى الله معي ، ومع اخبار البلد" لاننا نخاف الله، ونحب البلد هذا البلد

 وهكذا كان!! وصدر العدد الاول يوم  الاحد 2 ايار مايو عام 1994 وكانت المقالة الاولى في تلك المجلة الفريدة  من نوعها تحمل عنوان " القدس عندي " بقلم المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال ملك المملكة الاردنية الهاشمية حيث كتب  استاذ ناصر الدين النشاشيبي في تقديمه المقالة "  تفضل جلالة الملك الحسين المعظم وخص مجلة "اخبار البلد" بهذا المقال التاريخي عن المدينة التى اسرى الله بعبده الرسول المعظم اليها بيت المقدس ، اننا ننشرها كما وردت الينا من الديوان الملكي العامر فخورون شاكرين

 اما المقالة نفسها فهي كما يلي :

" القدس عندي من اعز المدن ، واغلى المواقع، وهي درة في جبين التاريخ الانساني، وجوهرة السلام ورمزه، ومهوى افئدة المؤمنين بالله وهي للهاشمين والعرب والمسلمين اولى القبلتين ، وثالث الحرمين ، ومسرى النبي العربي الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي عندي امانة ووديعة حملها الهاشميون :عهدة عمرية،ونضالا لا يهدأ، فكانت مثوى لجدهم قائد ثورة العرب الكبرى الحسين بن علي الذي جعلها ، وفلسطين اعز  من كل ملك وجاه وعرض، وهي التي  نثر عبد الله بن الحسين طيب الله ثراها جنده على اسوارها مقاتلين وشهداء وجرحى فحماها وصان مقدساتها، وهي  التي  اختار الله سبحانه وتعالى بوابة اقصاها في لحظة تاريخية نادرة مسرى لدم شهيدها عبد الله بن الحسين الذي ما يزال حاضرا في صفحات تاريخها،  يعطر صمودنا وثباتنا على الحق ، ويعلمنا ان علاقتنا بالقدس التي روي ثري اقصاها بدمه علاقة  تستند الى النبوة والتاريخ والدين، وان التزامنا بها كتاب عهد، شهوده الدين والشهادة والصمود، وسوف تظل  على العهد نفسه ندافع عن حق الامة فيها ،  ونذود عن مقدساتها، ونلتزم باعمارها واصلاحها ،ونبذل في سبيل ذلك كل طاقاتنا وامكاناتنا، لا نعترف بسيادة عليها الا لله سبحانه وتعالي

 هذه هي القدس عندي،  الامانة المصون والوديعة الغالية، والتذكر الذي لا ينقطع تدفقه لخطى جيوش الامة في زمن الفتح الاول، ولحداء جندنا على اسوارها ولقتالهم العنيد يوم  الكرامة حتى تظل عمان- شقيقة القدس- حرة ،وتظل القدس نفسها على مدى البصر منا وهي التي تعيش في القلوب والعقول، رمزا للصمود، والطهر والايمان والسلام

 وباسم الامة العربية الواحدة، وباسم الاسلام الصحيح وباسم فلسطين الجريح، وباسم القدس ،ومن اجل تحريرها وحماية مقدساتها نهضنا بالمسؤولية منذ ان ارتفعت لااية ثورة العرب الكبرى على هذه الارض المباركة،  وتوحدت الضفتان الغاليتان، وبعد ان فرضت خيارات العرب والمسلمين والفلسطينين فك الارتباط ظلت القدس هاجسنا، وظل خطابنا السياسي حولها واضح الرؤية،ثابت الغايات ،وكم امضنا جرحها وجراح ابنائها وهم يتصدون لقوات الاحتلال ويضحون بالغالي والنفيس حتى تظل عربية اسلامية حرة، وكم ناشدنا الامة ان تخرج من ضعفها وهوانها على نفسها، وان تمنح شعوبها حقوقهم وحرياتهم ومشاركتهم في بناء نهضة شاملة حتى تكون قادرة على التصدي لكل  غزو واستلاب ،وصلبة عندما تذهب للدفاع عن الحق حربا كان هذا الذهاب او سلما

 انها القدس ،  لا رداء يليق بها غير ؤداء التسامح العربي الاسلامي ومهما المت العوادي وطال ليلها فلا بد للحق ان يدمغ الباطل، وينتهى زمن ظلت فيه القدس تعاني حتى صار تاريحها مزيجا من المجد  والمعاناة ومن الصفاءوالقتام ،وهي التي اختارها الله معرجا وقبلة ومقصدا، وشرفها بالنبوات وشوف المسلميبن بحمل امانة حمايتها وصيانة مقدساتها، وحفظ حقوق المؤمنين بالله في مقدساتهم القائمة على ارضها الطهور

 وختاما فان أي حل للقضية الفلسطينية لا بد ان تكون القدس جوهره ولا بد من ان يكون عادلا وشاملا ودائما، تقبل به الاجيال التي تاتي من بعدنا وتصونه ،  هذه الاجيال المؤمنة بالله الواحد الاحد التي تمتلئ حنينا الى القدس الخالده ، القدس التي يسودها العدل والسلام والمحبة ...."

 ولكن

 للاسف لم يصدر من هذه المجلة سوى بضعه اعداد لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة ، بعد ان تعرضت المجلة،  وصاحبها لهجوم غير مهني يتنافى مع روح الامل التي كانت تسود تلك الفترة، فبدل ان يتسع الوطن لالوان مختلفة من الصحافة، كما كمان عليه الوضع قبل تسعينات القرن الماضي ، نجد سماء الصحافة في الوطن ضاقت بما رحبت على الصحافة، واصبحت ذات لون واحد، ووصل الهجوم على صاحب المجلة  الى حد التهديد بالتعرض لحياته، بعد ان تم القاء زجاجات حارقة على منزله وتعرض للعاملين في المجلة  للتهديد والضرب،  ومصادرة الاعداد التي وصلت الى الضفة الغربية، عندها قرر الاستاذ النشاشيبي اغلاق المجلة ومغادرة القدس مقهورا مكرها حفاظا على حياته، وفي نفس الفترة اغلقت صحيفة يومية مقدسية ايضا هي ابوابها لنفس السبب ... لينتهى حلم وجود مجلة ذات لون اخر وطابع تحليلي

 وبعد سنوات كان حلم انشاء مطبوعة ذات نفس المحتوى حلما يراود  عدد من الصحفيين المقدسين ، ايفاء للاستاذ النشاشيبي،  وثانيا تقديم نوع من الخدمة للام الحنون ، لام الانبياء للقدس الغالية ..!
 وهكذا خرجت من دفاتر الذكريات حكاية مجلة  لتتحول الى واقع عبر الانترنت على امل ان تكون هي المراة وهي الصون وهي الصورة للقدس والمقدسيين