• 9 تشرين الثاني 2025
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : المطران عطا الله حنا *

تبدأ بعد أيام الاستعدادات في مشارق الأرض ومغاربها لاستقبال عيد الميلاد المجيد فباتت الزينات منتشرة في كل مكان والشوارع سوف تضاء في كافة العواصم والمدن العالمية ، ويتباهى الكثيرون في هذا العالم بأشجارهم المضاءة والمزدانة بالألوان الجميلة لا بل هناك سباق بين بعض العواصم على اكبر شجرة عيد ميلاد .

ومن ارض الميلاد ومن رحاب مدينة بيت لحم حيث المغارة التي احتضنت هذا الحدث الخلاصي لا بد لنا كمسيحيين فلسطينيين ان نبعث برسالتنا الى كل المسيحيين في العالم والى كل الكنائس المسيحية في العالم بضرورة ألا ينسوا صاحب العيد في ميلاده ولا يجوز ان يتحول العيد الى مهرجانات وأضواء وزينات وان يكون الغائب في العيد هو السيد المسيح الذي نحتفي بميلاده وهو صاحب العيد الحقيقي فما طعم عيد الميلاد بدون صاحب العيد وكل الزينات والأنوار والأشجار إنما هي تعبير عن الابتهاج والفرح بميلاد من اتى الى هذا العالم لكي يغير وجه هذا العالم .

رسالتنا كمسيحيين فلسطينيين ومن قلب هذه الأرض المباركة التي تنزف دما هي اننا نذكر المسيحيين في كل مكان بضرورة ان يلتفتوا الى فلسطين حيث مكان الميلاد فلا يجوز ان يتناسى او ان يتجاهل المسيحيون في العالم بأن مغارة الميلاد في بيت لحم ومدينة بيت لحم تحيط بها الأسوار والحواجز والبوابات العسكرية من كل حدب وصوب.

مدينة الميلاد محاصرة وكأنها سجن كبير فمن يتوجه الى بيت لحم او يخرج منها لا بد له ان يرى الحواجز والأسوار العسكرية التي تفصل الانسان عن اخيه الانسان وهنا وجب ان نقول للعالم المسيحي الذي يصلي من اجل السلام وينادي بتحقيق السلام في ارض السلام بأن السلام لا يحتاج الى اسوار والى حواجز والى بوابات حديدية بل يحتاج الى جسور المحبة والتي نسفها الاحتلال بسياساته وممارساته ومظالمه الممارسة بحق شعبنا الفلسطيني .

ننادي الكنائس المسيحية في العالم بأن تطالب بأن تزول هذه الاسوار والحواجز والبوابات العسكرية والتي جعلت الفلسطيني يشعر وكأنه في سجن كبير فهنالك السجون التي يسجن فيها الاسرى الفلسطينيون ويتم التنكيل بهم ولكن في فلسطين هنالك أيضا سجون من نوع اخر حيث غزة تحولت الى سجن كبير والضفة الغربية كذلك ويحرم الفلسطينيون من ابسط حقوقهم ومن حقهم المشروع في ان ينتقلوا من مكان الى مكان .

يا أيها المسيحيون في كل مكان تذكروا بأن من تحتفلون بميلاده ولد في هذه الأرض المعذبة والمصلوبة كسيدها والتي تنزف دما والتي يعاني أهلها من المظالم ومنذ زمن بعيد، فمنذ وعد بلفور وحتى اليوم والمعاناة مستمرة ومتواصلة وما أكثر النكسات والنكبات التي تعرض لها هذا الشعب المظلوم .

المسيحيون الفلسطينيون هم مسيحيون ينتمون للمسيحية النقية القويمة التي انطلقت رسالتها من هذه الديار وهم ينتمون لـ فلسطين ارضا وشعبا وقضية ومعاناة ولذلك فإن رسالتنا الى كل المسيحيين في العالم بان طالبوا بأن ترفع المظالم عن شعبنا ، طالبوا بأن ينتهي الاحتلال لكي ينعم الفلسطينيون بالعدالة والحرية والكرامة والأمن والأمان والسلام الحقيقي الذي يبنى على العدالة وعلى صون حرية وكرامة الانسان.

لا نريد حروبا جديدة ولا نريد للفلسطينيين ان يكونوا في حالة الخوف والترقب والالم والحزن الدائم والمستمر وكأنه محكوم عليهم ان يعيشوا في ظل الام واحزان مزمنة لا يمكن ان تعالج الا من خلال حل جذري للقضية الفلسطينية وحل القضية الفلسطينية لا يكون من خلال تصفيتها وانهاءها وشطب وجود فلسطين من على الخارطة كما يريدون المستوطنون المتطرفون بل يكون من خلال احترام حق الشعب الفلسطيني وكرامته وحريته وحقه في ان يعيش حرا ابيا في ارضه المقدسة.

ما نتمناه منكم في عيد الميلاد بأن تصلوا من اجلنا فنحن بحاجة الى صلاتكم ودعاءكم وارفعوا اصواتكم عاليا دون ان تخافوا من احد لان كلمة الحق يجب ان تقال ولا يجوز ان يخاف احد من كلمة الحق .

قبل أيام انزعج وفد اجنبي من كلمة حق صدرت عن مطران مقدسي الذي قال في كنيسته بأن ما حدث في غزة إنما هي حرب إبادة فقام الوفد معبرا عن انزعاجه وغادر الكنيسة .

ما أود أن أقوله بأنه من ينزعج من كلمة الحق ويغادر الكنيسة إنما هو ليس مسيحيا على الاطلاق وان ادعى الانتماء للمسيحية.

انا استغرب واعيش صدمة كيف يمكن لوفد يدعي انه مسيحي ان ينزعج من كلمة صادرة من قلب مطران يعيش الم هذا الشعب واراد ان يعبر بكلمات بسيطة عن معاناة شعبنا المظلوم.

أن خروجكم من الكنيسة هذا يعني أنكم خرجتم من إيمانكم ومن عقيدتكم ومن انتماءكم المسيحي لأنكم تعيشون في عالم آخر وهو عالم العنصرية والانحياز للظالم على حساب المظلوم .

فعودوا الى رشدكم فهذا ما نقوله للمسيحيين في كل مكان وخاصة أولئك الذين انحرفت بوصلتهم وهم يترددون ويخافون من قول كلمة الحق فلا تخافوا من ان تعبروا من الموقف المسيحي والموقف الإنساني السليم .

لا تخافوا من ان تقولوا ان القاتل هو قاتل والمجرم هو مجرم ويجب ان يتوقف عن قلته واجرامه واستهدافه للابرياء ، أما الصمت أمام الجرائم فهو اشتراك في الجريمة.

نتمنى من العالم المسيحي ان يكون عالما مسيحيا بالفعل والمسيحية الحقة يعبر من خلالها عن الانحياز لقضايا العدالة والحرية الإنسانية وفي المقدمة منها قضية شعبنا الفلسطيني المظلوم .

لا حيادية أمام المظالم المرتكبة بحق انساننا الفلسطيني ولا للصمت أمام الجرائم المرتكبة بحق شعبنا الفلسطيني فالصمت في هذه الحالة هو اشتراك وان كان بشكل غير مباشر في الجرائم المرتكبة بحق شعبنا .

يا أيها المسيحيون في كل مكان ارفعوا صوتكم عاليا من اجل فلسطين وشعبها المظلوم ومن أجل القدس وبيت لحم وكل فلسطين  ولكي تزول عنها الأسوار والحواجز العسكرية ولكي ينعم انسان هذه الديار بحرية طال انتظارها

*رئيس أساقفة سبسطية للروم الارثوذكس