• 22 تشرين الثاني 2025
  • أقلام مقدسية

بقلم: د. حسين الديك

 

أن مخطط التهجير القسري لسكان قطاع غزة لم يغب عن الاجندة السياسية للحكومة الاسرائيلية بل ما زال حاضرًا بقوة في التفكير السياسي الإسرائيلي، رغم الإعلان عن اتفاق شرم الشيخ ضمن ما يُعرف بـ"خطة ترمب"، وكانت تصريحات بنيامين نتنياهو بالأمس حول معبر رفح  بأنه سيفتح فقط للمغادرة هو خير دليل على تلك السياسية التهجيرية للاحتلال ، علما بان  أن المرحلة الأولى من الاتفاق لم تُنفّذ كما وُعد؛ فقد أقر الاتفاق بان معبر رفح سيفتح للمغادرين والقادمين بعد الاسبوع الاول من توقيع الاتفاق إلا أن ذلك لم يحدث ، اضافة الى ادخال المساعدات الانسانية لم تدخل الى القطاع حسب ما تم الاتفاق عليه،  فعدد الشاحنات التي تدخل غزة لا يتجاوز 170–200 شاحنة يوميًا، وهو أقل بكثير من الحد المتفق عليه البالغ 600 شاحنة، ، ما يعمق الأزمة الإنسانية ويعطل أي تقدم سياسي.

لقد جاءت مبادرة الرئيس الامريكي دونالد  ترمب لوقف الحرب في قطاع غزة  بهدف إنقاذ رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو من ثلاثة ضغوط مركزية: الضغط الداخلي الإسرائيلي المتصاعد نتيجة الفشل السياسي والأمني، وملف المحتجزين والجثث الإسرائيليين لدى حركة حماس، ووقف المظاهرات العالمية التي هزّت العواصم الغربية وأضعفت وحدة الموقف الدولي المؤيد لإسرائيل،  اضافة الى تخلخل المواقف الأوروبية بشكل واضح،  إذ ابتعدت بروكسل ولندن وباريس عن الاصطفاف التقليدي خلف تل أبيب، تاركة واشنطن وحيدة في الدعم المطلق، ما دفع ترامب التدخل لاحتواء هذا التحول.

ومن هنا فإن وقف الحرب قد شكّل إنجازًا مهمًا من حيث تقليل عدد الضحايا المدنيين، رغم استمرار الاحتلال بتنفيذ عمليات عسكرية محدودة،  وتبع ذلك إصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 والذي وضع آليات تنفيذية لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق في خطة ترامب، ورغم ما جاء في هذا القرار فانه يعبر بكل وضوح عن موازين القوى على الأرض ويكشف عن رؤية الولايات المتحدة الأمريكية والتي تتماهى مع  نوايا إسرائيل الحقيقية، وتمضي نحو تحقيق أهدافها بعيدة المدى، وفي مقدمتها التهجير بصوره المختلفة؛ قسري، أو طوعي، أو مغطّى بمبررات إنسانية مثل العلاج ومرافقة المرضى.

ان الواقع الصعب  في قطاع  غزة اليوم يمكن تشخيصه  بأنه بيئة طاردة للحياة: خيامٌ لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، وأمطار تُغرق الخيام، وحصارٌ خانق، وانعدام مطلق لمقومات العيش، فقد أصبحت غزة اليوم "رمال وخيام فقط"، ما يدفع المواطنين إلى البحث عن أي منفذ للخروج، سواء عبر معبر كرم أبو سالم أو معبر رفح أو رحلات غير نظامية إلى دول مختلفة، وكانت رحلات ما عرف بمؤسسة "المجد الانسانية " برحلات التهجير الى جنوب افريقيا وماليزيا وإندونيسيا وغيرها أحد تجليات هذه المأساة الفلسطينية التي يعيشها المواطن الفلسطيني في قطاع غزة.

فالحقيقة تقول  بان  التهجير لا يحتاج دائمًا إلى سلاح؛ فالمجاعة والإغلاق وغياب الإعمار تشكل أدوات تهجير قسري بصيغة جديدة، فطالما بقيت غزة بلا إعمار وبلا أفق سياسي ، ستظل مرشحة لموجات تهجير متتابعة، وربما أكبر مما ظهر حتى الآن، التهجير الصامت أصبح العنوان في هذه المرحلة في ظل استمرار الحصار وتلاشي الاستقرار السياسي والاقتصادي في قطاع غزة.