• 27 شباط 2026
  • مقدسيات

القدس - أخبار البلد - نافذ عسيلة: 

تغدو مدينة القدس في شهر رمضان المبارك فضاء يفيض بالعاطفة والسكينة، حيث تتعانق الروحانية مع نداء المآذن، وتنتشر في الحارات رائحة الخبز الساخن كأنها ذاكرة حية تتحرك بين الناس. في هذا الشهر لا يكون الخبز مجرد صنف على المائدة، بل يصير رمزا للدفء والحنين، وشاهدا على تعقيد الحياة وبساطتها معا. يتحول الرغيف الى حكاية صامتة تروي مسارات الهجرة والتنوع والتوارث، وتحمل في تفاصيلها تعبا قديما ومودة متجددة.

وبفضل المكانة الدينية للمدينة، تستقبل القدس صائمين وزوارا من جهات متعددة، يحملون معهم لهجاتهم وأذواقهم وطرق خبزهم، فتلتقي عاداتهم وعادات أهلها. لذلك تتسع المائدة الرمضانية لتجمع خبز الشراك وخبز الطابون المحلي، الى جانب الطابون العراقي والخبز المجدل، وحتى الباغيت الفرنسي خبز الفينو. ولا يعكس هذا الثراء اختلاف الاذواق واحتياجات الإفطار والسحور فحسب، بل يكشف عن نسيج اجتماعي نابض، واقتصاد منزلي دؤوب، وعادات مشاركة يومية تجعل من الرغيف مرآة لهوية القدس المتعددة.

الخبز هنا ليس مجرد طعام يؤكل، بل هو تعبير ملموس عن الهوية والانتماء. فخبز الطابون الذي تعده النساء في القرى يحمل نكهة الأرض ورائحة الحطب، ويثير في النفس شعورا عميقا بالاطمئنان. أما الطابون العراقي او الخبز المجدل فيعبران عن حضور جماعات استقرت في المدينة عبر السنوات، فيتحول الافطار الى مساحة تلاق رقيق بين الوافد والمقيم، وبين الذاكرة والواقع.

وتؤدي الأفران دورا أساسيا في تشكيل المشهد الرمضاني. ففي القرى، تتحول البيوت قبيل المغرب الى مخابز صغيرة، توقد فيها النار وتعجن الأيدي الخبيرة التي تناقلت جيلا بعد جيل. ولا يقتصر الامر على تلبية حاجة الاسرة، بل يمتد الى توزيع الخبز على الجيران والأقارب، فيسري دفء الرغيف بين البيوت، وتتعمق معاني التكافل.

وفي المقابل، تشهد المخابز التجارية حركة دؤوبة، إذ يعمل فيها الرجال لساعات طويلة لإنتاج أنواع متعددة من الخبز، منها ما يضاف إليه بذور دوار الشمس او حبة البركة او السمسم او خبز الشعير، الى جانب الفينو والباجيت وخبز البرجر. ويعكس هذا التوزيع في الأدوار صورة اجتماعية متوازنة، تلتقي فيها التقاليد مع متطلبات السوق، ويتكامل الجميع تهيؤا لحظة الافطار التي يترقبها الصائمون بشوق.

وقبيل أذان المغرب بقليل، تتحول بعض المخابز في البلدة القديمة ومحيطها الى مراكز تجمع نابضة بالحياة. تطول الصفوف، وتتبادل الوجوه التحيات والدعوات، وتدور أحاديث سريعة بين أشخاص يجمعهم انتظار الرغيف الساخن. وفي الوقت نفسه تتواصل عادة إرسال خبز المنزل الى الجيران، في لفتة ود تؤكد أن رمضان يزدهر بروح المشاركة.

ومع تعدد أصناف الخبز تتباين أساليب تناوله؛ فالشراك الرقيق يقدم مع المنسف و لفائف المسخن واللحوم، بينما يتجه آخرون الى خبز مدعم بالبذور سعيا الى توازن غذائي وطعم مختلف. وبهذا يصوغ المقدسيون من رغيف بسيط وجبة متكاملة تغذي الجسد وتمنح النفس سكينة.

في الخلاصة، تحكي حكاية الخبز في رمضان سيرة مدينة تمضي بين عراقة الماضي ونبض الحاضر. من خبز الشراك الى الطابون العراقي والباغيت الفرنسي، لا يقتصر الامر على اشباع الجوع، بل يتعداه الى صون الذاكرة وتجديد الهوية. ومع كل رغيف يخرج ساخنا عند المغيب، يتجدد ايقاع القدس، وتتواصل قدرتها على احتواء تنوعها ضمن طقس رمضاني يعيد نسج الروابط وتعزيز روح الانتماء عاما بعد عام.