- 27 نيسان 2016
- مقابلة خاصة
اسطنبول : اخبار البلد- المكان اسطنبول ، الزمان بداية شهر ابريل نيسان ، شهر زهرة التوليب الاقحوان التي تعطى المدينة لمسة سحرية قلما تجدها في مدينة اخرى، فهناك شعور غامض يجذب الكثيرين الى اسطنبول ، فهي المدنية التي يذوب فيها الانسان الفرد من اجل المجموع لتشكيل فسيسفياء بشرية متصالحه مع الحيز العام والخاص .
واحد الذين شكلوا ويشكلوا هذه الفسيفساء البشرية ، التي يطلق عليه مصطلح المجتمع الاسطنبولي ،الذي هو بمجمله عدة مجتمعات تعيش جنبا الى جنب محافظة على خصوصياتها مكونة في المجموع اسطنبول اليت نراها ونعيشها جزءا منها .
انه فلسطيني تركي اسطنبولي اصيل، جاء الى هذه البلاد بحثا عن العلم ، عندما كانت روح المغامرة هي عنوان الروح الجامحة التي تملك الشباب في تلك الفترة في ستينات القرن الماضي ، قصته تصلح لان تكون فيلما سينمائيا راقيا، يحكى حكاية الفلسطيني الباحث عن الذات مهما كانت الصعاب،
اوليس القدوم الى بلاد لم تطآها قدمه يوما ولا تعرف لغتها وفي جيبتك بعض عشرات من الدنانير صعوبة ما بعدها صعوبة ؟! اليس الوصول الى دولة تعيش قلاقل سياسية واقتصادية صعوبة كبيرة ؟ او ليست الصعوبة هي ان تجد نفسك مغضوب عليك من قبل غالبية الحركات السياسية( باستثناء بعض الاحزاب اليسارية) هناك ، لانك تمثل الهزيمة العربية ، هزيمة لم تجد الاحزاب السياسية التركية اي تفسيرا لها!! ، فكيف لجيوش عربية جرارة ان تخسر الحرب بسته ايام امام جيش صغير من مقاتلين يهود ؟!!!
انه الدكتور محمد التميمي الذي عرفناه خبيرا، يشار له بالبنان في انحاء العالم العربي ، بكل ما يخص الوثائق العثمانية ، وسمعنا خطاباته الاكاديمية الداعية الى التمسك بالبحث في اعماق الارشيف العثماني لنفهم تاريخنا ولاستيعاب حاضرنا، استعدادا لمستقبلنا !!
هذه المرة التقيناه انا والدكتور المؤرخ محمد غوشة في اسطنبول كشخص يخطو خطواته الاولى في حياة التقاعد ، فبعد ان امضى عشرات السنين خبيرا في “ ارسيكا “ مركز الابحاث للتاريخ والفنون والثقافة الاسلامية، كخبير من الدرجة الاولى حان وقت التقاعد ، وهذا يعنى اعادة ترتيب اوراق حياتك من البداية ، فانت بالتقاعد تبدآ فصل اخر من حياتك ، والارباك هو خير صفات هذه الفترة ، وهذا ما كان باديا على الدكتور التميمي عندما سالناه عن خططه المستقبلية ؟ وبالتحديد اذا ما كان ينوى كتابة تجربة حياته ، فهو شاهد على عصر مرت به تركيا ، وكان جزءا منه ، كما ان تجربته كفلسطيني مغامر كالحال الغالبية من هدا الشعب الجوال تستحق ان تنقل الى الاجيال القادمة ؟! فكان رده : انا الان بمرحلة انتقالية حتى انني غيرت منزلي مما يعنى انه يجب اولا التعود على المنزل الجديد، وترتيب اوراق العمر المبعثره هنا وهناك، في صنادق وادراج وملفات !!! واغلاق ما تبقى من ملفات عالقة قبل التقاعد ، يعني يا عزيزي ، يجب ان ازيح عن اكتافي الكثير من الاثقال التي حملتها في السنوات الماضي ، حتى اكون جاهزا للمرحلة القادمة !!
كان لقائنا بالدكتور محمد التميمي على الغدا في مطعم حمدي في منطقة امينونو تعتبر نقطة التقاء وافتراق الجموع البشرية المتحركة كموج خليج البوفيسور الهادئ .
حتى قصة صاحب هذا المطعم فيها الكثير من الرمزية والعبر التي تشابه قصة صديقنا د التميمي، فصاحب المطعم قدم من منطقة اورفا الحدودية الى اسطنبول باحثا عن مكان له في هذه المدينة الكبيرة ، والتي هي العالم كله بالنسبة لهؤلاء الناس ، وصل الى المدينة ولا يعرف شئ سوى عمل الطعام ، ولكن بروح مدينته ذات الطابع الريفي ، واختار مكان شعبيا وهكذا كان حتى اصبح معلما ليس للسياح اولا بل للاتراك والباحثين عن الطعام الجيد ،
هناك على شرفة المطعم التي تطل على ساحة ايمونون حيث البسفور وبرج غلطا والسليمانية معالم تراها، وتعرف كم كان القوم السابق عظيم ، هناك جرى حوار نكهة اكاديمية رفيعة المستوى بين مؤرخين يشهد لهم في الساحة البحثية بين د محمد التميمي ود محمد غوشه ، وكان التميمي بمثابة الناصح الصديق المخلص
اما اللقاء الثاني فكان في اعالي حي اسكودار الشهير في اسطنبول في غابة فتحي باشا وهي غاية في الجمال تصل على الجسور المعلقه فوق البسفور ، هنا كان الحوار اكثر حوار ذكريات واشواق بدون اي طابع رسمي ، هناك سمعنا قصة هذا الرجل الدي دفعه اصراره على تحقيق شيئ في حياته وان يصل الى ما وصل اليه ، تحدث عن الغربة وعن الاردن وعن فلسطين وعن الاهل ، وعن المعاناة ،. تحدث عن كل شى على امل يتمكن ذات يوم من نشر غالبية ما تحدث عنه في كتاب او كتب طبعا بعد ان يزيل عن كاهله تبعات مرحلة ما قبل التقاعد
ان الاستماع الى د محمد التميمي وهو يتحدث بلهفة عن تلك البلاد يجعلك تفتخر انك فلسطني، وحديثه بشغف عن هذه البلاد ومعاركه وحياته فيها يجعلك تحسده على انه جزء من تركيا ، فهو تركي بكل ما في الكلمة من معني ، حتى ولو لم يولد فيها ، وحديثه الاكاديمي عن البحث العلمي وعن التاريخ يجعلك تتاكد انك محظوظ لانك قابلت شخصية هامة ترغب بان تكون بعيده عن الاضواء رغم ان الاضواء مسلطة عليها دائما
وفي هذه العجالة لن نتمكن من نشر كل حديث د محمد التميمي فلقد وعدناه ان نبقى له شيئ في كتبه القادمه ، فهذه امانة بعنقه من اجل اطلاع الاجيال الحاضرة والقادمة عن تجربته بكل اطيافها
وعلى هذا افتراقنا على امل اللقاء قريبا

