• 29 كانون الثاني 2016
  • مقابلة خاصة

  القدس- اخبار البلد - كتب الأب د. بيتر مدروس كلمة رثاء  صادقه  على رحيل الطبيب المقدسي  المعروف  سيزار رعد  جاء فيها  : “  قبيل أيّام غادر هذه الدّنيا طبيب مقدسيّ مخضرم فاضل كان من أوّل الشبّان الفلسطينيين الذين توجّهوا، بطريق البحر، إلى إيطاليا لدراسة الطّبّ. وكانت في أسرته جذور إيطاليّة، فجمع الاجتهاد والفنّ والتّقوى والفضيلة وحسن المعاملة والإلمام العلميّ. كان طبيب الأديرة في البلدة القديمة، معروفًا في زهرة المدائن! وقدرته أسر كثيرة كطبيب العائلة.

منذ العهد الإغريقيّ، مع هيبوقراط وسواه ، كان الطبيب أيضًا فيلسوفًا حكيمًا، ولا عجب فالطّبّ مثل الفلسفة وعلى مثالها يسعى لصحّة التفكير الذي تنتج عنه صحّة العلاج، منطلقًا مثل الفلسفة من “معرفة الأمور بأسبابها”. وهكذا، عندما “يُعرَف الداء يُقدّم الدواء” و “عندما يُعرَف السبب يبطل العجب”. وفي العالم العربيّ أيضًا كان الفيلسوف غالبًا طبيبًا. لذا، تعوّدنا في لهجتنا الفلسطينية وسواها من بلاد آرام وكنعان وغيرها أن ندعوه “يا حكيم” وإذا قصدناه ذهبنا “حتّى نتحكّم”. وما أجمل “الحكمة” التي تحافظ على الحياة وتعالج المرض وتعيد بإذن الله العافية!

أمّا رحيل الطّبيب المقدسي د. سيزار رعد فيذكّرنا بزملائه الأفاضل وزميلاته الفاضلات الذين سبقوه على طريق الأبديّة وكانوا نخبة شعبنا الفلسطيني والعربيّ، مع زملائهم في الأقطار الشّقيقة! ولا يتسع المقام لذكرهم جميعًا، وهم والحمد لله، كثر. ونذكر منذ الطفولة، تارة بخوف وطورًا بوقار، الدكتورة زينب أو الدكتور محمود، أو الدكتور عبد الله وسواهم! وصحيح أنّ أهلنا، كانوا أحيانًا يخيفوننا ب “الدكتور” فترتعد فرائصنا و “نقعد عاقلين”، “نمشي على العجين من غير أن نلخبطه”! وكان نفر من الوالدين المسيحيين يرهبوننا بالكاهن، فأصبحت للراهب رهبة وللكهنوت هيبة ورعبة بقيت في نفوس بعض البالغين بلا دواء!

بخلاف ما يتوهّم بعض القوم، عندما “يشيخ” الدماغ يزيد عمقًا وحدّة: هذا ما نقرأ في دراسة مستفيضة عن “التقدّم في الأبحاث عن الدماغ”، مع مكتشفات الدكتورة شيلي كارسون وسواها. ولكن يكفينا هنا أن نعي تراكم المعلومات والخبرات مع الزمن وخصوصًا عند أولي الألباب وأهل العلم. وأشير إلى “كنز المعلومات” في عقل الطبيب الراحل الذي كان يخبرنا عن “أيام الثمانية والأربعين” وكيف انطلقت القلاقل. وكان يذكر “فندق سميراميس” ويوم “رأس سنة” كان مفروضًا أن يكون بهيجًا!  وعندما كانت الأجيال الصاعدة أو أبناء الثلاثين والأربعين والخمسين يسألونه عن بيتهم في القدس الغربية أو في إحدى ضواحي المدينة المقدسة كان بطيب خاطر يقودهم إلى منزلهم العتيق إمّا في “القطمون”وهي كلمة يونانية مركّبة “كاتا موني” وتعني “المكان المنعزل” في مناطق “الجالية اليونانية” جنوب غربي القدس أو “الطّالبيّة”… حينها، نعم، كانت أماكن منعزلة عن القدس القديمة مركز المدينة التاريخي والحياتي والسياحيّ، مناطق ريفيّة فكّرت بعض الأديرة أن تحييها بإسكان مقدسيين يريدون راحة البال والهواء الطلق. وفي “البقعة” أو “تل بيوت” في الطريق بين القدس وبيت لحم والخليل، رغب بعض أهالي بيت لحم وبيت جالا – على سبيل المثال- أن يستثمروا في شقق سكنيّة هادئة “فاخرة” يراها المرء حتّى اليوم. ولم ينعموا بتلك الفيلل طويلاً.

نعمة الله ورحمته مع أطبائنا وطبيباتينا وكبارنا وكبيراتنا!