• 2 آب 2015
  • مقابلة خاصة

بقلم : لبروفيسور راسم محي الدين خماسي *

يعتبر البروفيسور راسم محي الدين خماسي  من المع الاسماء المتخصصة في مجال تخطيط المدن في البلاد، فلقد لمع نجمه في الساحة الدولية والمحلية من خلال الكتب وعشرات الدراسات  والمئات من المقالات والمحاضرات  والتي عرض فيها افكارا رائدة في مجال تخطيط المدن والجغرافيا، وبالرغم من ان بعض هذه الافكار قد تواجه بعضا من المعارضة من قبل المتخصصين في المجال، وهو امر طبيعي ومثري، الا طروحاته وافكاره  تعتبر كما يقول عنها المقربون بانها افكارا ثورية  عملية تنطلق من ايمانه بضرورة تحدي الواقع، مقاومته واستغلال الحيز على احسن وجه مع الحفاظ على مقوماته التراثية والبيئية  والحضارية.

 البروفيسور خماسي  اعد هذه الدراسة المطولة  والتي عرضها في سلسلة من المؤتمرات الدولية ونشر جزء منها في مقال علمي طويل في مجلة  قضايا اسرائيلية العدد 54 ، ونحن في " اخبار البلد" قمنا طبعا بموافقة صاحب الدراسة على اختصارها مع الحفاظ على روحها .

" ... بالرغم من ادعاء أبناء الحركة الصهيونية أنهم جاءوا إلى "بلاد بلا شعب"، ومنحت "لشعب كان بلا بلاد" ( Masalha, 1997)، أي أن الشعب العربي الفلسطيني الذي وَطِن البلاد، لم يُرَ من قبل أبناء الحركة الصهيونية، الا ان هذا الادعاء يضاده أبناء الحركة الصهيونية أنفسهم حيث يؤكدون على أن فلسطين كانت عامرة بمجتمع يعيش في مدن وقرى وضياع ولم تكن الأرض بدون مالك أو مستخدم، كما شأن بعض المواقع الكبيرة في أوروبا والتي كانت متوفرة لمن يريد أن يصلحها، يستخدمها ويستملكها ( Free Land)، ومن أوروبا وسياقها انطلقت الحركة الصهيونية Fieldhouse, 1996)). وفي هذا السياق كُتُب مناحيم اوسيشكين من قيادة حركة "أحباء صهيون" ورئيس الكيرن كييمت ليسرائيل (1922-1942): "من  أجل تأسيس حياة طائفة يهودية مستقلة، أو لأجل التدقيق دولة يهودية في أرض إسرائيل، من الواجب أولا أن تكون الأرض في أرض إسرائيل، أو على الأقل معظمها مُلك شعب إسرائيل ...ولكن وكما هو متعارف عليه وفي العالم كيف يعملون على تطبيق ملكية الأرض؟ فقط بواحد من ثلاث طرق: بالقوة – بواسطة الاحتلال بالحرب، لسان أخرى، اغتصاب الأرض من يد أصحابها؛ شراء بالغصب، يعني مصادرة الممتلكات بقوة الحكومة، وشراء برضى المالكين" (اوسيشكين، 1943: 105 مقتبس عند؛ شفير، 1993: 108).

عندما لم تكن الحركة الصهيونية تمتلك القوة، مالت إلى شراء الأرض بموجب ثلاث استراتيجيات: الأولى؛ شراء في أي موقع مُمكن، فيما تعرف باستراتيجية "غرس وتد"؛ وثانيا تقوم بشراء أراض حول "الوتد"، ما يعرف باستراتيجية او منهجية "نقطة الزيت" التي تتمدد وتتوسع (بورات، 2000)، والثالثة شراء الأرض بموجب مخطط لخلق امتداد إقليمي بين الأراضي المُستَملكة (غفيش، 1990، كارك، 1995؛ رايخمان 1979). لم تنته هذه العمليات والأساليب في سبيل امتلاك الأرض مع قيام دولة إسرائيل؛ بل ما زالت مُستًمرة حتى يومنا هذا، طبعا باستخدام وتحت ظل  قوة الدولة المستمرة باستملاك الأرض بالقسر التي تطبق بعدة وسائل؛ نوجزها فيما يلي:

المصادرة؛ والتي تعرف بالاستملاك بالإكراه أو بالفرض؛ أي أن الدولة تقوم بإعلان مصادرة أرض أو منطقة معينة بموجب احد القوانين التي تتناسب مع الظرفية، خاصة وأن هناك أكثر من 18 قانونا سنت وعُدلت لتُمكن الدولة من استخدام صلاحياتها من أجل المصادرة بشكل مباشر. استخدمت بعض هذه القوانين بشكل كبير في العقد الأول لقيام إسرائيل مثل قانون أراضي البوار؛ قانون ساعة الطوارئ، قانون حارس أملاك الغائبين، قانون الاستملاك للأغراض العامة 1943 (جريس، 1966، كايمن، 1984،  لوستك، 1985 )، وهذه القوانين تستخدم كذلك كأساس لأوامر عسكرية في منطقة الضفة الفلسطينية حاليا (زمير وبنفنستي 1993، بتسيلم، 2002).

تعويض على أراض مصادرة؛ بعد مصادرة الأراضي تفرض السلطات تعويضا رمزيا لأصحابها، والذين غالبا ما يرفضون استلامه. ولكن مع مرور الوقت هناك بعض من المالكين أو أصحاب الحق في الملكية الأصلية يتواصلون بشكل مباشر أو من خلال وسطاء وسماسرة، بما في ذلك بعض محامين، لأجل أخذ تعويضات على الأراضي التي صودرت سابقا. دافع دولة إسرائيل لدفع تعويضات على أراض صودرت هو سياسي وليس بالضرورة أخلاقي، الهدف هو تطبيق الادعاء أن أهل الأرض باعوا الأرض واستلموا تعويضات عليها، ولذلك لا يوجد لديهم أي مبرر للمطالبة بإعادة الأراضي المصادرة. ونظرا لأن أصحاب الأرض يتبدلون بحكم التوريث، ولكن الأرض تبقى ثابتة بيد وبسيطرة دولة إسرائيل أو من ينوب عنها من أجهزة ومؤسسات أسست وتعمل بموجب نظم وقوانين، لذلك لديها النَفَس الطويل مقابل النفس القصير لمالكي الأراضي، الذين أصبحوا بلا حول ولا قوة لاستعادة أراضيهم المصادرة وتلك التي أقيمت عليها مشاريع قطرية أو مستوطنات يهودية.

التبديل؛ تجري عملية التبديل بين المالك الأصلي ومؤسسات الدولة وبين أجهزة الدولة فيما بينها، وبينها وبين مؤسسات الحركة الصهيونية. تجري عملية التبديل بين المالكين الأصليين أو أولئك الذين يرغبون بتملك أو حكر قطعة أرض للعمار في مسطح البلدة المسموح البناء به بموجب مخطط هيكلي مصدق. حيث تقوم أجهزة الدولة التي تدير الأراضي – دائرة أراضي إسرائيل، أو من ينوب عنها من وسطاء وسماسرة، أو في بعض الحالات يتوجه الفرد إلى هذه الدوائر مطالبا حكر أو شراء قطعة أرض مخصصة للسكن في مسطح البلدة. ولكن دائرة أراضي إسرائيل لا تعقد معه صفقة بيع أو حكر بل تُطالبه بتوفير أرض بديلة يقوم بعملية تبديل عليها. هذه الأراضي غالبا ما تكون خارج مسطح البلدة، أي أراض زراعية أو وعرية غير مستغلة؛ ويكون بعضها داخل مستوطنات يهودية ترغب الدولة بتصفية الملكية  الخاصة عليها. تتم عملية التبديل بموجب نظام غير متناظر، بل في غالب الأحيان مقابل قسيمة أرض سكن بمساحة نصف دونم يمتلكها أو يحكرها الفرد العربي من دائرة أراضي إسرائيل يدفع مقابلها أكثر من عشرة دونمات. جزء من الأراضي التي يتم التبديل عليها هي بالأصل أراضي مُهَجرين داخليين، أو من يعرفون بنعت "حاضر غائب"، طردوا وهجروا من بلدتهم الأصلية خلال النكبة/الحرب وبعدها بقليل، أو أراض تعرف بأملاك فلسطينيين غائبين هُجروا والآن هم لاجئون خارج الوطن. تجري عملية التبديل هذه غالبا بالإكراه اللين والقاسي، وفي بعض الأحيان بواسطة سماسرة محميين من السلطة الإسرائيلية يسعون إلى الربح المالي من الصفقات العقارية.

أما التبديلات بين المؤسسات الإسرائيلية فتجري بين دائرة أراضي إسرائيل التي تمثل الدولة الرسمية وبين الصندوق القومي اليهودي الذي يمثل الوكالة الصهيونية بشأن الأراضي. حيث تقوم دائرة أراضي إسرائيل بتبديل أراض تابعة للصندوق القومي اليهودي في منطقة مركز البلاد لدوافع عقارية بأراض في مناطق بالأطراف مثل الجليل، المثلث والنقب، وخاصة داخل وحول البلدات العربية (دائرة أراضي إسرائيل 2012: 54-57). يؤدي هذا التبديل إلى تحويل ملكية أرض دولة يطالب المواطنون العرب لإحقاق حقهم بها للاستفادة منها، ولكن تحويل ملكيتها إلى الصندوق القومي اليهودي يقطع الطريق أمام هذه المطالبة. ويتم في بعض الأحيان التبديل مع أفراد يهود أو جمعيات يهودية يسعون إلى إقامة مشاريع تخدم الأهداف الصهيونية وأهداف الدولة وذلك يتم على حساب أراض عربية فلسطينية صودرت أو تم احتلالها والسيطرة عليها خلال الحرب وبعد ذلك.

إعلان عن أراض موات؛ تتم عبره عملية إجراء تسوية الأراضي لتغيير واقع ملكها من ملك واستخدام بموجب نظام الأعراف التقليدي(Customary Law) إلى نظام الدولة القسري(State Law). نموذج حي يعاني منه العرب الفلسطينيون هو الإعلان عن النقب كأراض موات (يفتحئيل، كيدار وامارة، 2012). بموجب قانون الأراضي الإسرائيلي عام 1969 وكجزء من عملية تسوية الأرض، يتم تحديد موقع الأرض والمالك (غفيش، 1990)، أعلنت الدولة عن ملكيتها لكل أراضي النقب، وتوجهت لكل شخص يدعي أن له ملكية على الأرض أن يقدم طلب ادعاء بذلك إلى سلطات الدولة. قدم حوالى 3200 مالك عربي مطالبة بتثبيت ملكيتهم على الأرض في النقب بمساحة حوالي مليون دونم؛ ولكن الدولة ما زالت تماطل في دراسة هذه الطلبات وما زالت تفرض ادعائها بأن الأرض هي أراضي دولة، ودعمت المحاكم الإسرائيلية، المستمرة في غالب الأحيان، ادعاء الدولة بشرعية تهويد الأرض (بن دافيد، 1996). وتقوم الدولة حاليا بواسطة اذرعها المختلفة بالاعتراف بحق ملكية الشخص العربي على الأراضي فقط في حالة اضطر إلى بيعها للدولة. وبادرت الدولة باقتراح قانون خاص "قانون تسوية الاستيطان البدوي في النقب-2013" ، والذي يعرف بقانون برافر، ليقلص امكانية إعادة الأرض لأصحابها من ناحية، ويلزم طرد وتركيز السكان الذي يسكنون على أرضهم، ولكن الدولة  لا تعترف بذلك من ناحية أخرى.

تسوية الأراضي؛ معظم الأراضي لم تجر بها تسوية كاملة، أي تحديد حدود الأرض بموجب الموقع حسب نظام منح "بطاقة" هوية للأرض بتعريفها حسب البلدة، الحوض، القطعة، المساحة، والمالك وهو ما يعرف بنظام تورينس (1858 ,Torrens) (غفيش، 1990). خلال علمية تسوية الأرض، أي إجراء المساحة عليها، ووضع جدول ادعاء ملكية لتحويله إلى جدول حقوق، وتسجيل الأرض على اسم  المالك المستخدم بالسجل العقاري/الطابو. تظهر خلافات بين المالكين المستخدمين، أو أن بعض الأراضي لا يقدم أصحابها إثباتات ملكية عليها. كل هذه الأراضي التي لا يوجد إثبات ملكيه رسمي  يُقبَل على سلطات الدولة، تُسجل الارض على اسم الدولة وتصبح هي مالكتها بموجب قانون التسوية وتسجيل الأراضي الانتدابي لعام 1928، والتعديلات التي جرت عليه حسب نظام الأراضي الإسرائيلي. بموجب قانون التسوية تحولت أراض كثيرة داخل وخارج البلدات العربية إلى أراضي دولة بما في ذلك أراض أميرية متروكة وموات.

الشراء؛ كما أشرنا سابقا فان دولة إسرائيل ما زالت ترصد أموالا كثيرة من أجل شراء الأرض حتى بعد بسط سيطرتها عليها. تكون عملية الشراء هذه  بين أفراد مالكين أو وُرَثاء لهم اضطروا إلى أو يرغبون ببيع أراضيهم لأسباب عقارية أو أسباب ضائقة مادية أو لمُناكفة بين أقرباء. وما زالت الدولة أو الوكالة الصهيونية توظف وُسَطاء وسماسرة لأجل اقتناص الفرص وشراء أراض لتهويدها وتحقيق أيديولوجيتها للسيطرة على الأرض وتحقيق أهدافها الاستيطانية.      

 وبناء على ذلك فان أيديولوجية إدارة الأرض، والتي توجه السياسات والأدوات التي تمارس في عملية إدارة الأرض تنطلق من مبدأين: الأول: تأمين الملكية والسيطرة الجماعية اليهودية على الأرض. والثاني : إن الأرض لا تباع للأفراد ولا تنقل إليهم للمنفعة إلا بواسطة الحكر (كاتس، 2012). هذان المبدآن هما تطبيق أيديولوجية "خلاص الأرض"، وتحقيق "وعد رباني" كما يعتقد اليهود والذي طُبِقَ بعد "وعد بريطاني"، بإصدار وعد بلفور عام 1917 لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. هذا الدمج بين المركب الديني أولا والقومي ثانيا، وبعد ذلك المدني المُمَيِز بين المواطنين ثالثا، هو المحرك لممارسات الحركة الصهيونية وأجهزة الحكومة الإسرائيلية لإدارة الأرض. لإحكام سيطرة يهودية صهيونية على الأرض تقوم المؤسسة الحكومية بوضع نظام مفروض يخدم المبدأين، حتى بعد إقامة الدولة التي تعرض نفسها على أنها دولة مؤسسات مدنية ديمقراطية. ولكن فحصا بسيطا يظهر أن هذه المؤسسات الحكومية الرسمية وتلك التي ما زالت تخضع للوكالة الصهيونية يوجد بينهما تآزر وتوافق شبه كامل بشأن استملاك وإدارة الأرض لتحقيق المبدأين آنفيّ الذكر. أما الأدوات لتحقيق الأيديولوجية فتتلخص بالنقاط التالية:

شبكة قوانين ومراسيم مركزية: ورثت إسرائيل منظومة قوانين ومراسيم إدارية حكومية صَدَرَها الانتداب البريطاني إلى فلسطين. صدرت هذه المنظومة وتطورت في بيئة غربية عصرية مختلفة عن تلك التي كانت تسود المجتمع الفلسطيني المحلي الشرقي التقليدي، كما أنها جاءت لإحكام سيطرة الحكم العسكري الانتدابي على الأرض.  وأن الحركة الصهيونية غالبا ما كانت متماثلة ومتطابقة مع هذه المنظومة من القوانين، وحتى يمكن القول إنها كانت جزءا منها وجاءت لخدمتها خلال مرحلة ما قبل إقامة الدولة. بعد إقامة دولة اسرائيل  استمرت هذه المنظومة المركزية من القوانين، وأضيفت إليها قوانين أو عدلت لتحقيق أهداف مشروع الدولة الحديثة. تخدم هذه المنظومة من القوانين التي تهدف إلى تحويل الأرض من أرض عربية فلسطينية إلى يهودية صهيونية،  عملية التحويل. وحتى في حالة التوجه إلى المحاكم للتقاضي بين الدولة والمواطنين أو بين المواطنين أنفسهم يجد الحكام أنفسهم- حتى لو فرضنا جدلا أنهم ينوون الإنصاف- مضطرين إلى الحكم بموجب قوانين أصلها جائر وغير منصف. وبذلك فإن توجه العرب الفلسطينيين إلى المحاكم ضد مؤسسات الدولة لإنصافهم وإعادة حقوقهم أو ردع الاعتداء عليهم في مسألة الاراضي، فإنه غالبا ما تكون النتيجة  في غير صالحة، لأن منظومة المحاكم تحكم بموجب قوانين وليس لتحقيق العدل والإنصاف. صدرت هذه القوانين وشرعت في الأصل لتحقيق أهداف مجموعة إثنية قومية والدولة جاءت لخدمتها وهي جزء منها، لذلك فإن أجهزة المحاكم تصبح مُسَخرة بشكل مباشر وغير مباشر لتحقيق تهويد الأرض بموجب قوانين سنت وشرعت من قبل الأغلبية في نظام اثنوقراطي (يفتحئيل ، 1998 ، 2000)  .

إقامة مؤسسات حكومية وغير حكومية مركزية لإدارة الأرض: شكلت الدولة لإحكام السيطرة على الأرض مؤسسات مركزية لإدارة الأرض، تسويتها، تسجيلها، حكرها كما يحدث في دولة عصرية. ولكن الفرق في الحالة الإسرائيلية أن المؤسسات تعمل على أساس تفضيلي حسب الانتماء العرقي. وأن منظومة الدولة كلها جاءت كجزء من مشروع ديني قومي وإثني. عمل جزء من هذه المؤسسات  بشكل مباشر في إدارة الأرض، بشكل ناعم أو بشكل قاس، وأخرى كانت ذراع إنجاز عملية السيطرة على الأرض، مثل تطبيق الحكم العسكري  على بقية العرب الفلسطينيين خلال الفترة بين عام 1949-1966، حيث جرت معظم عملية مصادرات الأراضي وشكلت خارطة السيطرة على الأرض من قبل الدولة (جريس، 1966، كايمن، 1984، بويمل، 2007). بالموازاة، قامت الدولة بتشكيل سلطة التطوير بموجب قانون سلطة التطوير 1950 والتي منحت الصلاحية كممثلة للحكومة من أجل السيطرة على الأراضي التي كانت مملوكة للعرب الفلسطينيين الذين طردوا خلال النكبة، وإدارة هذه الأرض لخدمة أهداف الدولة الجديدة، بما في ذلك بيع هذه الأراضي للصندوق القومي اليهودي كما حدث بين عام 1950-1953؛ حيث قامت سلطة التطوير هذه "ببيع" وتحويل أراض عربية فلسطينية أخضعت بعد الحرب إلى سلطة التطوير بصفقتين منفصلتين متكاملتين. الأولى بمساحة 1،101،942 دونما، والثانية بمساحة 1،271،734 دونما. بموجب هاتين الصفقتين أصبح الصندوق القومي اليهودي التابع للوكالة الصهيونية يملك ويتصرف بـ 3،396،333 دونما (كيرن كييمت ليسرائيل، 2014). بعد أن كان يملك عام 1947 حوالي 925،657 دونما، أي 27،2% عما أصبح يملك بموجب اتفاقية تحويل الأراضي من سلطة "الدولة" بواسطة سلطة التطوير إلى سلطة الصندوق القومي اليهودي.  وأن الدافع وراء هذا الصفقة هو تحويل الأرض إلى ملكية يهودية وليس فقط لسيادة الدولة التي يمكن أن يتقاسمها المواطنون؛ وكذلك منع إمكانية إعادتها إلى أصحابها الذين أصبحوا مهجرين وغائبين بعضهم خارج وطنهم وآخرون داخلة. يجدر الذكر ان كلا الصفقتين لم تُنجزا بشكل كامل رسميا ونهائيا (زندبرغ، 2007). كما حولت سلطة التطوير العقارات في المدن العربية الفلسطينية مثل يافا، حيفا، عكا إلى شركات حكومية لإدارتها بما في ذلك توطين يهود قدموا إلى البلاد خلال العقد الأول لإقامة إسرائيل محل العرب الذين هجروا منها.

"حارس" أملاك الغائبين، الذي أسس بموجب قانون أملاك الغائبين لعام 1950. أكمل هذا القانون السيطرة على الأراضي التي رأت حكومة إسرائيل فصلها عن إدارة سلطة التطوير. سيطرت هذه المؤسسة التي تخضع لوزير المالية  وتدير الأرضي التي حاز معظم أصحابها على مكانة مواطنة في إسرائيل، ولكن الدولة التي منحتهم المواطنة لم تُعِد لهم الأرض التي كانوا يملكونها، كذلك تسيطر هذه المؤسسات على أملاك الأوقاف الإسلامية التي كانت تدار من قبل المجلس الإسلامي الأعلى، والذي عرف بموجب هذا القانون على أنه غائب وأملاكه انتقلت بموجب هذا القانون إلى سلطة الدولة وتدار من قبل ما يعرف "حارس" أملاك الغائبين. رغم أن أبناء الطائفة الإسلامية ما زالوا موجودون في وطنهم ويطالبون بإعادة أملاك الوقف لإدارتهم (اقتراح قانون إقامة سلطة لتطوير الأماكن المقدسة للمسلمين -2014)، وتوفير منافعهم، إلا أن السلطات الإسرائيلية ترفض ذلك، وحتى أنها ترفض أن تُبَين حجم هذه الأملاك وما جرى بها من حيث نقل الملكية. ففي جواب الدولة لمطالبة ممثلي أهالي يافا كشف معلومات عن حجم أملاك الوقف في يافا بموجب قانون حرية المعلومات، 1998 وما آلت إليه خلال عَمَل لجنة الأمناء التي عُيِنَت من الدولة بموجب قانون أملاك الغائبين 1950، قيل: "المدعى عليهم يدعون بعدم تسليم أي معلومات نظرا للخوف من الضرر بعلاقات الدولة الخارجية، وفي المحادثات السياسية التي عقدت سابقا مع الفلسطينيين طرحت، بما في ذلك مسألة اللاجئين وأملاكهم. موقف المدعى عليهم (الدولة)، أن من شبه المؤكد أن كشف المعلومات المطلوبة تضر بشكل ملموس بالعلاقات الخارجية لدولة إسرائيل". قرار المحكمة المركزية للشؤون الإدارية تل أبيب-يافا (ملف إداري رقم 70-1201 الصادر يوم 2 حزيران، 2010).

مركزية مؤسساتية، ركزت إدارة الأراضي في "دائرة أراضي إسرائيل"، والتي أسست بموجب قانون أساس؛ أراضي إسرائيل لعام 1960. بموجب هذا القانون - الذي شمل عقد ميثاق بين دولة إسرائيل والوكالة اليهودية- على أن تقوم دائرة أراضي إسرائيل بإدارة كل الأراضي غير الخاصة في إسرائيل والتي وصلت مساحتها حوالي 91% من مساحة الدولة  حسب تعريفها لحدودها عام2011.  بموجب تقارير دائرة أراضي إسرائيل لعام 2011: 52: مساحة إسرائيل هي 21،956،646 دونما، منها مدارا من قبل دائرة أراضي إسرائيل، حوالي 19،980،000 دونم، منها بملكية الصندوق القومي اليهودي حوالى 2،574،000 دونم (12.9%)، وبملكية سلطة التطوير 2،521،000 دونم (12.6%) والباقي معرف كأراضي دولة (74.5%). أما من حيث الملكية فإن حوالي 2.2% (494،157 دونما) من مساحة إسرائيل ما زالت متنازعا عليها أو ملكيتها غير مُسَوِيَة، والباقي 1،428،490 دونما (6.5%) مُلك خاص عربي ويهودي ولآخرين (شركات........الخ)( دائرة أراضي إسرائيل، 2012؛ 52). وتَجاوُبا مع التحولات في نظام الحكم والاحتياجات المدنية في إسرائيل تحولت دائرة أراضي إسرائيل بموجب إصلاحيات إدارية عام 2009 إلى "سلطة أراضي إسرائيل" بموجب قانون دائرة أراضي إسرائيل (تعديل رقم 7) لعام 2009. شملت هذه الإصلاحات تحويل بعض أهداف سلطة أراضي إسرائيل، وكذلك تركيبة مجلس السلطة المُشَكل من 14 عضوا بما في ذلك الوزير الذي يرأس المجلس المكون من سبعة أعضاء مندوبين عن الحكومة الإسرائيلية وستة مندوبين عن الصندوق القومي اليهودي. لا أريد أن أدخل في تفصيل الفروقات التي أدخلتها هذه الإصلاحات على نظام إدارة الأراضي العامة\الحكومية والتي أتركها إلى مناسبة أخرى. بل ما أريد أن أقوله أن إدارة الأرض بشكل مركزي بيد سلطة يخضع لها كَم كبير من الأراضي وتمتلك موارد مالية لشرائها، ومرجعيات قانونية تمكنها من السيطرة على الأرض بواسطة المحاكم أو مراسيم ناعمة تصدر من ممثلي الحكومة وحتى استخدام القوة بواسطة الشرطة والجيش، كل ذلك في سبيل تحقيق هندسة وصياغة الحيز بإقامة مشاريع استيطانية وتهويد الأرض (حسون، 2012).

مناطق النفوذ البلدية: جهاز آخر متعلق بالسيطرة على إدارة الأرض هو نظام تحديد مناطق نفوذ البلديات والمجالس المحلية (رازين وحزان، 2000). حيث أن تحديد حدود السلطات البلدية، المحلية والاقليمية يشكل أداة طيعة بيد الحكومة من خلال وزارة الداخلية لتوزيع موارد الأرض بين هذه السلطات المحلية. وحاليا فإن حوالى 82% من مساحة الأراضي في إسرائيل خاضعة لمجالس إقليمية يهودية. وإن مساحة منطقة نفوذ 78 سلطة محلية عربية هو : 617،011 دونما أي حوالي 2.8% من مساحة إسرائيل، منها 310،672 دونما حوالي (50،4%) فقط ملك خاص لعرب، 104،315 دونما (16.9%) خاضعة لإدارة دائرة أرض إسرائيل، 130،839 دونما (21.2%) خاضعة لإدارة أراضي إسرائيل وآخرين مثل الصندوق القومي اليهودي؛ 5،520 دونما خاضعة للسلطات المحلية، وحوالي   65،574 دونما (10،6%) ما زالت متنازعا عليها من حيث الملكية. وهذا يعني أن مجمل الأراضي التي يملكها عرب داخل مناطق نفوذ السلطات المحلية العربية عام 2005 لا تتجاوز حوالي 1.4% من مساحة إسرائيل (خمايسي، 2008). وهذا يعني أن ليس كل الأراضي داخل مناطق نفوذ السلطات المحلية العربية وداخل مخططاتها الهيكلية هي ملك خاص للعرب. وأن مطالبة السلطات المحلية العربية توسيع نفوذها لتشمل أراضي بملك عربي  وتمكينها من فتح فرص تطوير لمواطنيها مستمرة. ولكن وزير الداخلية صاحب الصلاحية المطلقة في رسم وتعديل  حدود مناطق النفوذ البلدية، يعارض او يعيق توسيع مناطق نفوذ البلدات العربية لإبقاء معظم الأرض خاضعة لسلطات محلية يهودية، وعلى وجه الخصوص مجالس اقليمية. خاصة وأن رسم حدود وتحديد مناطق النفوذ أداة مُرَكَزة بيد وزير الداخلية ليوزع موارد الأرض ويديرها بموجب اعتبارات قومية وسياسية (خمايسي، 2003، 2008،   Razin, And Hasson, 1994 ).

أجهزة أخرى متعلقة بإدارة الأراضي مثل عملية تسجيل الأراضي، تحديد الضرائب المفروضة عليها/ تسوية وتحديد حدودها، الرقابة على الأراضي الزراعية والمباني، تأجير الأراضي....الخ (دائرة أراضي إسرائيل، 2013). كل هذه الأجهزة التي تدير الأرض تضع نبراسا لها المبدأين اللذين تقدمنا بعرضهما، وتحاول تحقيقهما آخذة بعين الاعتبار السياقات التخطيطية التي تسعى إلى تأمين المركزية في إدارة وإعاقة عملية تسجيل الأراضي وتمكين المواطنين العرب الفلسطينيين من إثبات ملكيتهم وحقهم على الأرض.

أن العرب يؤخذون بعين الاعتبار كعامل معيق في عملية رسم الخارطة السكانية والاستيطانية، وليسوا هم هدف التطوير (خمايسي، 2014). وهذا يعني أن مسألة التخطيط الحيزي التي يعاني منها العرب بعدم توفير مخططات هيكلية مناسبة تمكن التطوير، ومعاناتهم من واقع لا يوجد به عدل ولا إنصاف تخطيطي أو بيئي، وأن موارد الأرض وفرص التطوير لا توزع بشكل عادل أو منصف بموجب مخططات هيكلية، هو أمر لا يأتي بالصدفة. بل هو جزء من مصفوفة سياسات منطلقة من أيديولوجيا مسخرة لها أدوات التخطيط ومؤسسات إدارة الأرض تؤمن الهيمنة  اليهودية الصهيونية على الأرض ومع ذلك تبعية العرب الاقتصادية لليهود والدولة. وتقطيع التوصل الحيزي لإبقائهم أشلاء مجتمع، موزع من ناحية اقليمية، ومجزأ طائفيا واجتماعيا (لوستيك، 1985)، يعيق تكوين هوية وطنية أو اقليمية متجانسة، رغم معاناتهم من نفس ممارسات وسياسات التخطيط والأراضي المجحفة بحقهم.

إن تغييب، وعدم إشراك العرب الفلسطينيين في إعداد المخططات الهيكلية بشكل مناسب، وإقصائهم من إدارة الحيز العام نجده في تمثيلهم المحدود في غالب الأحيان في مؤسسات التخطيط وفي العملية التخطيطية (خمايسي، 2010). من ناحية أخرى فإن المواطنين العرب الفلسطينيين ينظرون إلى التخطيط بعين الريبة ولا يبادرون بشكل مناسب لتحدي هذه السياسات، وخاصة على المستوى المحلي، هذا بالإضافة للمعيقات الثقافية والادارية داخل المجتمع. وأن أساليب الاحتجاج اللفظي التي نسمعها وتمارس من قبل بعض ممثلي العرب الفلسطينيين لا تكفي لتغيير واقع سياسات التخطيط وأداء مؤسسات التخطيط، ما يؤدي إلى استمرار معاناة العرب الكبيرة من التخطيط، وهو ما يحدث ونسمعه يوميا عن هدم مبان بحجة عدم الترخيص، وجود قرى غير معترف بها، ارتفاع سعر الأراضي والسكن في البلدات العربية، هجرة سلبية منها، تعميق التبعية الاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها البلدات العربية (بلديات ومجالس محلية، عاملون ومستثمرون) على الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة أو المستثمرين اليهود المدعومون من الدولة.

يتضح مما تقدم أن استخدام مصفوفة الضبط الحيزي المكون من أجهزة الاستملاك، إدارة الحيز والتخطيط الحيزي المنطلقة من أيديولوجية تهويد الأرض والمكان أدت إلى سيطرة مركزية لمؤسسات الدولة على الأرض وتقليص الحيز العربي وتهويده. رغم ثبات المنطلق الديني والأيديولوجي للسيطرة على الأرض وتهويدها لتشكل وعاء لبناء الأمة والدولة اليهودية الصهيونية في فلسطين، إلا أنه خلال الفترات المختلفة كانت هناك تحولات في نظام شراء، استملاك، إدارة وتخطيط الأرض (نيف، 2012، فايتلسون، 2012). وكما أشرنا إلى بعضها سابقا هناك تياران مركزيان يتحاوران بشأن سياسات التعامل مع الأراضي والسيطرة عليها بما في ذلك إدارتها وتخطيطها. ما زال الأول يؤكد أن المشروع الصهيوني لم يكتمل وأن الدولة ما زالت بمرحلة البناء والتطور وحماية حدودها التي ما زالت غير ثابتة وغير مشرعنة من قبل أطراف متعددة خاصة العرب الفلسطينيين أبناء الوطن الاصلانيين. ما زال هذا التيار يركز على استمرار شراء الأرض، استملاكها وتوسيع الاستيطان اليهودي الصهيوني داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة عام 1967. هذا التيار منطلقاته وأيديولوجيته اللفظية والمعلنة هي بالأساس قومية دينية، رغم أنها لا تخلو من منطلقات عقارية، اجتماعية وسياسية. أما التيار الثاني فإنه يميل إلى التركيز أكثر على جوانب بناء الدولة والمجتمع وتأمين جودة الحياة للسكان والوفرة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، ويحاول المناداة بتوفير بعض الإنصاف والعدل بين المواطنين اليهود ولاحقا ربما مع المواطنين العرب، كجزء من فكر وممارسة تطبيق ما بعد الصهيونية. ينادي هذا التيار بخلق إصلاحات في نظام الأراضي، خصخصة بعض منها دون إلغاء أو إنكار المبادئ الرئيسة للسيطرة على الأرض.

الدوافع التي تنطلق وراء هذا النقاش الدائر حاليا بين أطياف الأحزاب السياسية والفئات العقائدية الصهيونية بشأن سياسات الأراضي وإجراء إصلاحات مؤسساتية بها (فيتكون، 2000)، مثل تحويلها من "دائرة أراضي إسرائيل" إلى "سلطة أراضي إسرائيل" والمطالبة بإلغاء الكيرن كييمت ليسرئيل أو على الأقل فرض رقابة الدولة عليه، والرقابة على الأراضي المخصصة لاستخدام الجيش والتي تشكل حوالي 50% من مساحة إسرائيل (اورن ورغب، 2008، تسفادية، 2010 ) ليست أمرا رمزيا، بل يعبر عن تحولات جيوسياسية، إدارة دولة، تأثر من المناخ العالمي السياسي والاقتصادي. فمثلا رغم أن المنطلق العقائدي اليهودي الدافع للسيطرة الجماعية على الأرض هو أن "الأرض لا تباع إلى الابد". ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن صفقات عقارية خاصة. حاليا يمتلك اليهود ويسيطرون على حوالي 96.2% من مساحة البلاد منها حوالي 3.4% أملاك يهودية خاصة. وأن التفريق يجب أن يكون بين دائرة أراضي إسرائيل التي تمثل الدولة التي يجب أن تعمل بموجب قوانين مدنية وبين الصندوق القومي اليهودي الذي يعمل بموجب نظم وقوانين داخلية دينية قومية إثنية. لذلك فإن بيع أو تأجير الأراضي يمنَع منعا باتا حسب نظام الصندوق القومي اليهودي. أما الدولة فقد أجازت أراضي حسب سقف محدد بموجب القانون. فمثلا قانون سلطة التطوير 1950 أجاز لها بيع أراضي حتى 100 ألف دونم مع أنها باعت أكثر من مليوني دونم من الأراضي العربية التي خضعت لسيطرتها للصندوق القومي اليهودي. أما قانون أساس دائرة أراضي إسرائيل 1960، فسمح بإمكانية بيع أراض حتى 100 ألف دونم بالإضافة إلى تأجير أو تحكير الأراضي، هذه المساحة ارتفعت عام 2006 بموجب عملية الإصلاحات وقانون التسويات الذي أجاز بيع حتى 200 ألف دونم. أما الإصلاحات في نظام ومؤسسات الأراضي التي جرت عام 2009، وبموجبها أسست سلطة أراضي إسرائيل، فقد أجاز بيع حتى 800 ألف دونم.

 يمكن مما تقدم أن نقول أن التحول الاجتماعي السياسي في إسرائيل وتبني سياسات الاقتصاد الحرّ يوجد له أثر على سياسات الأراضي وكيفية التعامل بها. حاليا زاد الحديث عن الأرض كقيمة عقارية وليس فقط قيمة دينية قومية. وأن أصواتا كثيرة بدأت تعارض نظام تخصيص الأراضي وتوزيعها بين المجموعات المصلحية المختلفة، فمثلا هناك صراع بين جمعية "ادمتي- أرضي" التي تمثل المستوطنات الزراعية والكيبوتسات وبين جمعية –كيشت مزحيت التي تمثل أبناء مدن التطوير الذين ينتمي معظمهم إلى اليهود السفارديم. كما أن مؤسسات التخطيط بدأت تمر بعملية توزيع وتفويض صلاحيات كجزء من عملية دمقرطة العملية التخطيطية. تخلق هذه التحولات تحديات لكيفية التعامل معها من قبل المجموعات السكانية، بما في ذلك العرب الفلسطينيون. فمثلا بدأت ترتفع مطالبة العرب الفلسطينيين باستعادة أراض صودرت أو هُجر أهلها منها، او مطالبة بتوسيع مناطق النفوذ لبلداتهم وتعديل المخططات الهيكلية لمدنهم وقراهم ومشاركتهم بإعداد هذه المخططات والاعتراف بقرى غير معترف بها.

انطلقت أيديولوجية السيطرة على الأرض وتهويدها من فهم يربط بين الديني والقومي والمكاني. حددت هذه الأيديولوجية لها أهدافا لإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين وكانت واعية أن الشرط الأساسي لإنجازه يتمثل بتوفر أرض تحت سيطرتها. وفي سبيل إحقاق هذا الشرط عمل الذراع السياسي مع الاجتماعي مع الاقتصادي والمؤسساتي بشكل متناغم ومتآزر لتحقيقه ولتطبيق رواية/سردية الوعد الرباني إلى وعد بريطاني سياسي من قبل قوى دولية تمثلت ببريطانيا التي بسطت انتدابها على البلاد وشاركت الحركة الصهيونية بناء ذاتها وبناء الدولة لاحقا. وبعد قيامها، مارست الدولة سلطتها ونشرت أذرعها التي ما زالت تواصل العمل بها من أجل تطبيق مصفوفة  السيطرة على الأرض من خلال تكوين أجهزة تستغل النظام الاثنوقراطي للسيطرة على الجغرافيا لصالح هندسة ديمغرافية تعتمد الانتماء العرقي كأساس لوجهتها ومُمارَساتِها.

لا شك أن فهم جدلية وتآزر عمل أجهزة الدولة والحركة الصهيونية للسيطرة على الأرض هو أمر مهم لمواجهته ومقاومته أو حتى الاستفادة منه لحالات أخرى، ومع ذلك فإن الدولة رغم بسط سيادتها والتحولات الجيوسياسية والأيديولوجية التي تُوجه الحكم ما زالت تتعامل مع مسألة الأرض وكأنها في مرحلة إنشاء الدولة، لذلك لا تقوم بأي تفريط بها. لا شك أن هذا المقال لا يكفي لتناول موضوع مصفوف الضبط والسيطرة على الأرض في وطننا التي تنتج وتستخدم مرجعيات ايديولوجية وسائل ذكيه، ولكن نأمل أن نكون أضأنا بعض الجوانب التي ما زالت بحاجة إلى فحص ودراسة.