• 15 تموز 2013
  • مقابلة خاصة

بالنسبة له هي نهج حياة ، هي طريقه تفكير،هي اسلوب العيش ، فهو يتحدث هكذا ويتصرف هكذا ويدعو اليها بصوته الهادئة وشخصيته التي تدعو الى الارتياح وتجبرك على الاستماع لكل كلمة يقولها حتى لو لم توافقه الراي  ، انه ابن القدس فعائلته من عائلات القدس القديمة والتي لها تاريخ عريق بعراقة المدينة المقدسة 

انه د محمد الدجاني  الداودي مدير برنامج الدراسات الامريكية استاذ جامعة القدس اضافة الى انه مؤسس حركة الوسطية و"اخبار البلد" اجرت معه مقابلة خاصة القى فيها الضوء على الوسطية في الاسلام وفي الحياة وفي الصراع العربي الاسرائيلي، وفي المجتمع الفلسطيني .

كان السؤال الاول في المقابلة المتعة مع د محمد الدجاني عن معنى الوسطية ؟!

  وقال د.الدجاني: إن لفظ "الوسطية" إصطلاح مأخوذ من كلمة (وسط) ووسط الدائرة مركزها.ومنطق الامان والتوازن  والقوة فيها. وهي تستعمل في معان عدة، فتأتي بمعنى: الخير والعدل والرحمة والتوازن والتكامل والانسجام والاعتدال والاستقامة والسماحة. ويقال: شيء وسط أي بين الواقعية والمثالية والإفراط والتفريط او الجبن والتهور أو التسرع والتباطؤ أو الغلو والتفريط أو البُخْل والاسراف. فالاسراف حرام كما أن التقتير حرام والاعتدال هو الحلال.. حسب ما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. ﴾ ومفهوم الوسطية في الفكر العالمي يقوم على مبادئ الاعتدال ومجافاة التطرف والرديكالية. ويرى العديد من المفكرين أن الاعتدال والطريق الوسط هو الافضل في جميع الأمور وبانها أنبل هدية سماوية. وقلعة منيعة تعطي ديمومة لكافة الأمور. واعتبر افلاطون الاعتدال والتروي والحصافة من القيم السياسية العليا وثبتها على رأس الفضائل السياسية. ونقل عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) أنه فسر الوسط في الآية في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاًً.﴾ بمعنى «العدل». أي أن الامة الاسلامية أم عدل واعتدال، والعدل من شروط الشهادة في القضاء، ولذا فان الامة الاسلامية ستكون شاهد عدل على انها أمة وسط وسوف يكون الرسول الكريم شاهدا على انها أمة وسطاوعلى انها اتبعت السراط القويم وهو سراط الوسطية ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.﴾

-         د محمد، من اين جاءتك فكرة تبنى الوسطية كنهج حياة ؟ 

في الواقع، انني عندما كنت ادرس في جامعة العلوم التطبيقية في عمان ما بين 1990-1995، اتيحت لي الفرصة للاطلاع على فكر الوسطية كما طرحه بعض المفكرين المسلمين والعرب وخاصة سمو الامير الحسن بن طلال، وكتبنا عن ذلك في كتابنا "المدخل للنظام السياسي الاردني" (1993). وفي اواخر عام 2006 في صباح يوم الجمعة من ايام رمضان، كنت اراقب من شرفة مكتبي في بيت حنينا قرب ضاحية البريد جموع المواطنين من ابناء الضفة الغربية المتجمعين امام حاجز عسكري اسرائيلي يتدافعون لاختراق الحاجز كونهم لم يكن لديهم اية تصاريح دخول لمدينة القدس. وكان الجنود الاسرائيليون يحاولون ابعادهم عن الحاجز باستخدام الاحصنة والقاء قنابل الغاز وتوقعت اطلاق نار وتصعيد للعنف، وبعد فترة لاحظت ان الامور هدأت. ولدى الاستفسار تبين لي ان اتفاقا شفويا قد عقد ما بين جموع المواطنين الفلسطينيين والضباط الاسرائيايين على الحاجز، إذ احضر الجيش الاسرائيلي باصات لنقل المواطنين الى المسجد الأقصى بعد احتجاز هوياتهم، ثم اعادتهم الباصات بعد الصلاة واستردوا هوياتهم وعادوا لبيوتهم. تساءلت حينذاك، "هؤلاء مواطنون مسلمون معتدلي الاتجاه الديني، غير متطرفين، تمكنوا من التفاهم مع الجنود الاسرائيليين ليتوصل الطرفان الى حل "ربح / ربح" بدا من "ربح / خسارة" أو "خسارة / خسارة". وتساءلت من يمثلهم؟ طبعا ليس حماس اذ انها لم تكن لتقبل مثل هذا الحل. ومن هنا جاءت فكرة انشاء تيار وسطي ينادي بالعدل والاعتدال ويسعى لنشر ثقافة الوسطية في فلسطين والعالم.    

 

- هل هناك امكانية لان تكون هناك وسطيه في هذا العالم المتغير من حولنا في المجتمع الفلسطيني؟

 

نعم، هناك امكانية لان تكون هناك وسطيه في هذا العالم المتغير من حولنا في المجتمع الفلسطيني لأن الوسطية مفهوم ينادي بخلق عالم يسوده السلام والتسامح والامان والخير والمحبة والحرية والعدالة ، يعيش الناس فيه في ظل التعارف والوئام والحوار البناء والاحترام المتبادل والتعايش الإيجابي بعيدا عن التطرف والحقد والكراهية والعنف والتشنج والمبالغة. وفي نظرة تفاؤلية نقول : "ان اشتداد الأزمات قي فلسطين لهو بشير بقرب انفراجها. وكما قيل:أحلك الساعات تلك التي تسبق انبلاج الفجر ." 

- هناك من يقول د, الدجاني  ان المجتمع الفلسطيني لا يمكن ان تعيش فيه الوسطية بسبب الصراع مع اسرائيل، هل هذا صحيح؟

الوسطية مفهوم قرآني لم يأت كحصاد للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فهو مصطلح ديني سبق ذلك الصراع مأخوذ من القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.﴾ و أُمَّةً وَسَطاً تعني: ( متوسطين معتدلين). .ونجد الدليل على ذلك خياره في الموقع الوسطي لهذه الآية في سورة البقرة فهي الآية 143 في حين يبلغ مجموع عدد الآيات في هذه السورة 286 آية وبذلك يأتي موقعها في وسط السورة تماما. وقد مهدت الآية 142 للآية التي تلتها رقم 143 حيث جاء فيها: ﴿ يهدي من يشاء الى صراط مستقيم. ﴾  والمراد بالصراط المستقيم هو سراط الوسط. وقد أكد سبحانه تعالىِ ذلك في الآَيَةَ 153 من سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. ﴾ [ سورة الأنعام: آية 153]  . فالوسطٌ هو الصراط المستقيم الذي أُمرنا أن نسأل الله تعالى أن يهدينا إليه كلَّ يومٍ في صلواتنا بالدعاء: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ.﴾ [ سورة الفاتحة: آية 5-7]. إن الوسطية هي ثقافة في الخلق والسلوك، صفاتها الرأفة والرحمة والرقة والاحسان مقابل الكره والبغض والقسوة والجور والطغيان.وفصل الربيع، موسم الدفء والأزدهار والمحبة،  وهو فصل يقع ما  بين فصل الصيف الحار وفصل الشتاء القارص. فصل الربيع هو فصل التجديد من كان نائما في سبات عميقة طيلة فصل الشتاء أو أنتظر في سكون حتى يتتسنى له التقدم بأغنية تهليل للحياة العارمة لينادي من اجل تجديد الحياة ونمو سنابل السلام والمحبة المدفونة في روح الأنسان. وهذه مفاهيم نحن بأشد الحاجة اليها في مجتمعنا الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال الاسرائيلي والتشرد والضياع والظلم كي لا نبتعد عن الصراط المستقيم الذي اختاره لنا ربنا سبحانه وتعالى بتبني صفات الغلو والتطرف والتشدد.

جاء الإسلام لترسيخ القيم الإنسانية بعيداً عن أي غلو أو تشدد. عملا بقوله تعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم.﴾ ]سورة ال عمران: آية 159[.  والوسطية الاسلامية هي موعظة إيمانية  في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. ﴾ ]سورة يونس: آية 57 ،58[

- بصراحة  دكتور محمد ، هل انت على قناعه ان الوسطية يمكن ان تكون المخرج الثقافي والاجتماعي والاخلاقي والسياسي للمازق الذي يعيشه الفلسطيني البسيط؟

 

- بصراحة، لو لم أكن على قناعة تامة ان الوسطية هي المخرج الثقافي والاجتماعي والديني والاخلاقي والسياسي للمازق الذي يعيشه الفلسطيني البسيط لما ناديت بها وصرفت كافة جهودي لنشرها وتعميمها.

لقد تحدد دورنا في هذه الحياة بالوسطية، التي هي من أبرز خصائص الإسلام كونها تكليف من الله سبحانه وتعالى لنا، وعلينا أن نهتدي بها ونحدد دورنا على هديها. وهي وسطية لا تجمد الإنسان ومواقفه الواقعية ولا تفترض شيئا. وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "خير الأمور أوسطها". وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ( َإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ُأن الرسول الكريم  قَالَ: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا ). وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَخَطَّ خَطًّا وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الأَوْسَطِ وَقَالَ: " هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ."  ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآَيَةَ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [ الأنعام153] ". فدين الله تعالى الوسطٌ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أُمرنا أن نسأل الله تعالى أن يهدينا إليه كلَّ يومٍ في صلواتنا بالدعاء: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ). ولا تعني الوسطية التنازل او الخضوع أو انعدام الشخصية، فذلك هو المقابل لمفهوم الغلو والتسدد والتطرف، وإنما هي أنظومة متكاملة لها شخصيتها المحددة في ما بين النقيضين، تنادي بالتعاون والوفاق والإنسجام السياسي الوطني والإقليمي والدولي دون الإفراط في رسم الأهداف أو في إختيار الوسائل والأساليب لتحقيقها.

;كيف نواجه تحديات الواقع الفلسطيني؟

عند طرح السؤال: كيف نواجه تحديات الواقع الفلسطيني؟ يكون الجواب الشافي على السؤال بأننا نواجهه بتبني النهج الوسطي الذي يقوم على ثوابت الدين الإسلامي الراسخة الذي تميز منذ فجر دعوته في العهد النبوي بالوسطية والاعتدال والسماحة واليسر، والمنسجمة مع الفكر والمنطق والعدل والتوازن والحكمة.  إن التحديات التي نواجهها اليوم تحديات كثيرة ومتنوعة، ويتجلى أول هذه التحديات في أزمة الإحتلال التي تسببت في التخلف الذي نعاني منه في المجالات المتعددة. والى انتشار الجهل وتفشي الفقر والجوع والظلم والاستبداد والقهر والى تشويش الحياة اليومية لكافة قطاعات السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة.  وهناك الأزمة الناجمة عن تجزءة ما تبقى من فلسطين ما بين قطاع غزة والضفة الغربية ومدينة القدس لا امتداد بينها ولا ترايط. وتتعرض الضفة الغربية الى تقطيع أوصالها وتحويلها الى كانتونات. كما تعيش مدينة القدس حصارا خانقا واوضاعا اقتصادية واجتماعية وصحية مؤلمة وإجراءات تهجير وتهويد وتغيير معالم وعمليات استيطانية مكثفة وبناء الجدار لفصلها وعزلها بشكل نهائي عن باقي الأراضي الفلسطينية. وما تزال اسرائيل تعيق حق التجمع والنشاط السلمي للمؤسسات والأفراد. كما تواصل السلطات الإسرائيلية انتهاك حقوق المواطنين الفلسطينيين المقدسيين في مخالفة صريحة لاحكام القانون الدولي وقواعد القانون الدولي الانساني والشرعة الدولية لحقوق الانسان.

وهنالك أزمة قيادة فالشعب فقد ثقته بقادته السياسيين وذلك بسب استمرار الكذب والخداع والفساد والتعلق بالسلطة والتشبث بالكراسي وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. وهنالك أيضا أزمة الديمقراطية وغياب المساءلة والشفافية والتعددية السياسية والعدالة وسيادة القانون وتجاهل إشراك مؤسسات المجتمع المدني في صنع القرار السياسي. وهنالك ايضا أزمة القيم والاخلاق والسلوك التي تتجلى في حياتنا اليومية في عدم احترام الاخرين والانحراف السلوكي وروح التعصب وظاهرة تفشي تيارات التعصب الديني والسياسي وما نجم عن ذلك من أعمال عنف وتطرف وقتل وتخريب واقتتال وإحتكام الى منطق السلاح وارهاب التي ليست من الدين في شيء. ان الدين الاسلامي هو دين التسامح والرحمة يقول الله تعالى: }وما ارسلناك الا رحمة للعالمين {فلا حقد ولا ضغينة ولا عنصرية ولا تمايز في الاسلام.

وهناك الأزمة الإقتصادية التي بعاني منها مجتمعنا الفلسطيني إما بسبب الإجراءات والقيود الإسرائيلية المفروضة على الشعب الفلسطيني ومنها الحصار المحكم والتقسيم والحواجز وحجز حرية التنقل وإغلاق الأبواب أمام الأيدي العاملة والحجر على عائدات الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية وفقا لبروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994 وإغلاق المطار والميناء وقطع المساعدات الدولية عن الموازنة من الدول المانحة، وإما بسبب تردي الإداء الحكومي وتفشي الفساد وغياب الديمقراطيةوالتوانيعنالاصلاحالسياسيمما قادالىمعظمصورالمعاناةالاقتصاديةوالاجتماعيةلشعبنا والى فقدان الثقة بالاقتصاد الوطني وارتفاع نسبة البطالة ونسبة الفقر بين الأسر الفلسطينية. ويتوقع أن يستمر تدهور الإقتصاد الوطني الى مستويات متدنية وانخفاض الدخل الشخصي للفرد وانكماش النشاطات الإقتصادية بشكل مساو لكساد عميق.

ومن التحديات الاخرى أزمة التعليم والثقافة التي تتجلى في ندرة مراكز الأبحاث والعلوم، وغياب الفكر الحر الخلاق، وتدني جودة التعليم وعدم ملائمته للواقع المحيط وظاهرتي عدم الالتحاق بالمدارس وعدم اكمال صفوف المرحلة الاساسية وندرة الكتب والمؤلفات وقلة القارئين. وذلك على الرغم من أن  الايات القرأنية الخاصة بالعلم، بالتفكير وبالملاحظة وبالثقافة كثيرة، وصل عددها الى ما يقارب 750 آية. واول سورة نزلت كانت تحث على القراءة: }اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم. {وحث الله تعالى على طلب العلم بقوله : } وقل رب زدني علماً{  لانه:  }قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون{ . وقوله تعالى:  }وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ{ (النساء: من الآية113). وتساهم السلطات الإسرائيلية على تصعيد هذه الأزمة من خلال منع حرية التنقل وعدم السماح للفلسطينيين من أساتذة ومحاضرين وطلاب حاملي الجنسية الأجنبية من التواجد في الأراضي الفلسطينية أو الدخول والخروج منها والترحيل القسري للعاملين منهم في القطاع التعليمي على الرغم من ان الشرائع الدولية تكفل لهم الحق في العيش في كنف عائلاتهم في وطنهم الأم.   

وهناك أزمة صحية، فعلى الرغم من أن الصلاحيات الصحية في الأراضي الفلسطينية قد إنتقلت الى أيدي السلطة الوطنية الفلسطينية في اطار إتفاق غزة اريحا عام 1994، الا ان السلطة لا تلبي الاحتياجات الطبية للمواطنين فعليا وتأمين الرعاية الصحية الضرورية لهم. وبدلا من العمل على بناء المستشفيات وتطوير ما لدينا من مستشفيات ومراكز صحية نجدها تقوم بتوجيه عدد كبير من المرضى الفلسطينيين من المستفيدين الى إسرائيل والدول العربية والغربية بتكلفة عالية جدا.

وهناك ايضا أزمة ناجمة عن ظاهرة الارهاب بدل الحوار مع الآخر وبناء جسور المعرفة والتعاون وخاصة مع الغرب، على الرغم من أن  تعدد الشعوب وتنوعها ظاهرة أشار اليها القران الكريم حين قال الله تعالى: } يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير{ .(سورة الحجرات 13). وتشير هذه الآية الكريمة إلى حكمة الله البالغة في خلق التنوع البشري وتعدد التقاليد والعادات واختلاف المفاهيم والثقافات. وأمر الله سبحانه عباده بلغة الحوار والخطاب لتكون وسيلة التعارف والتفاهم فيما بينهم.

وهناك أزمة في العلاقات الاسلامية - المسيحية الفلسطينية تتمثل في التحريض الطائفي من على المنابر والتطرف الديني الذي تمثل في الإعتداء على الكنائس المسيحية في فلسطين، وذلك على الرغم من قوله تعالى : }لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ { [ النساء : 171 ، المائدة : 77 ] . وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : }إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ {. ان المسيحيون الفلسطينيون هم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني كما وانهم من المقومات الأساسية للنسيج الإجتماعي الفلسطيني والمساهمة المسيحية في الحقل الوطني وفي العمل على إنهاء الإحتلال وإقامة الدولة المستقلة ضررورة لا غنى عنها.

وهناك ازمة ناجمةعن تدني مشاركة المرأة في القوى العاملة وفي صنع القرار السياسي بالرغم من ان الإناث يشكلن ما يقرب من 50% من معدلات الالتحاق في التعليم العالي.

وقد تخطى الوضع الخطوط الحمراء باللجوء للعنف والإقتتال الفلسطيني والانقسام، وتجسد ثقافة التسلط والضبابية والغشاوة الفكرية وانعدام الوعي وانتشار التخلف وظاهرة القفز عن الواقع وتغليب العاطفة على العقل.

كيف الخروج من الأزمة؟ ما الطريق للوصول الى مناخ سياسي وأمني مستقر يمكن أن يسمح باستئناف النشاطات الاقتصادية والإجتماعية والتعليمية والصحية الإعتيادية؟  ما المنهج الذي يتوجب علينا تبنيه للخروج من الأزمة؟ كيف من الممكن لنا القضاء على أفكار التعصب الإجتماعي والتطرف السياسي والغلوّ الديني والحد من شيوع الأفكار الملوثة التي تسبب الإنحرافات الخطيرة في مجتمعنا؟

إن العوامل التي تؤدي إلى التطرف في المجتمع متداخلة أهمها غياب ثقافة الوسطية وغياب ثقافة الحوار والاختلاف في الرأي والمعتقد، على الرغم من أن القرآن الكريم قد أكد على حتمية الاختلاف في قوله تعالى: }ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم{.} ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف السنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين.{)سورة الروم آية 22( وعلى الرغم من أن الكتب السماوية جميعها تحث على المحبة والاحترام والتسامح والوسطية في الفكر والسلوك. ولذا علينا مناهضة الأجواء الاجتماعية والسلوكية التي يمكن من خلالها إن ينشأ الفكر المتطرف.

وبناء على ما تقدم يتطلب معالجة الأزمة الراهنة أن نشيع في المجتمع الفلسطيني ثقافة "الوسطية". لأن الوسطية هي المنهج الوحيد الذي يصلح لان يكون البديل عن منزلق الإفراط واعتماد الوسطية في الرؤية والفكر أمر ينبغي إن يتداعى له أهل العلم والفكر والرأي.

إن الشعب الفلسطيني يمر بوقت عصيب ومرحلة استثنائية غير مسبوقة في تاريخنا، والأزمة الراهنة تقتضي تفكيرا خلاقا وعملا دؤبا وإستراتيجية بعيدة المدى تمكننا من تجاوز الصعوبات والعقبات التي تواجهنا والصمود في وجه الإحتلال والتكاتف والنضال السلمي وكسب الرأي العام العالمي لقضيتنا.

ومن هنا تقع علينا مسؤولية قيادة شعبنا المناضل لمواجهة تحديات المرحلة، بفكر متنور يقوده إلى عالم جديد من السلام والأخوة والتعاون والتضامن ووحدة الصف والكلمة.

ولابد لنا من منهج وخطة وأن يكون لدينا قيم وموازين، للعمل على تقويم الإعوجاج ، فلن يستقيم الظل والعود أعوج. وفاقد الشيء لا يعطيه. ولابد لنا أن نصبح كما اراد لنا خالقنا سبحانه وتعالى، أمة وسطا،  أي أمة عادلة في كل أمورها. أمة تستجيب وتهتدي وتستقيم بالعمل الصالح والإيمان والخير، والأمر بعد ذلك لله يفعل ما يشاء ويختار.

مما لا شك فيه أننا بأمسِّ الحاجة إلى منهج الوسطيَّة نورا لنا في الظلام الذي نعيش فيه وهديا لنا في مواجهة المصائب والمشكلات. وقد رسم لنا القرآن الكريم منهجا واضحا في شتَّى جوانبه، ديناً وعبادةً، خُلقًا وسلوكًا، تصوُّرًا وعملا.