• 31 آب 2016
  • مقابلة خاصة

 

 

 

بقلم : أ.د محمد هاشم غوشه

فصلت أربعة عشر عامًا بين إصدار كتاب القدس المملوكية الذي أعده المستشرق المعماري مايكل بورغوين وبين الدراسة التي نشرها الباحث يوسف النتشة في كتاب القدس العثمانية الذي حرّره المستشرق روبرت هلننبراد في سنة 2000م ، إلاّ أن تلك السنوات لم يجر استثمارها من أجل تطوير منظور جديد حول تاريخ القدس وآثارها، فخرج المجلد الثاني من كتاب القدس العثمانية والذي يشتمل في معظمه على مقال كتبه الباحث يوسف النتشة على نحوٍ متعجل من غير تحقيق أكاديمي أو تحليل علمي لنصوص الوثائق العثمانية التي جاءت لتؤكد حقائق تاريخية لا تتفق في بعض الأحيان مع ما ورد في عنوان الكتاب المذكور.

وبالرغم من أنّ الكتاب يشتمل على معلومات مهمة ومفيدة عن العمارة العثمانية في القدس، وبالرغم من أننا نشجع وندعم كل جهد يأتي في إطار خدمة تراث القدس وتاريخها، إلاّ أن الأمانة العلمية تستوجب تصويب ما فات الباحث من معلومات قد تكون مفيدة له عند إعادة نشر المقال المطول حول الآثار العثمانية في القدس، أو لغيره من الدارسين لتاريخ القدس سيما وأنّ عددًا مهمًا من المعالم المملوكية في القدس جرى إدراجها في الكتاب على أنها من مآثر العثمانيين ما يجعل المقال يفقد مصداقية التحقق من تاريخ ومكان الأثر، داعيًا كل من يكتب عن تاريخ العثمانيين في القدس أن يجعل من المصادر التاريخية التي ترقى إلى أواخر العهد المملوكي رافدًا له لفهم بدايات الحكم العثماني وتطور المدينة المقدسة عمرانيًا حتى لا نخلط بين الأثر المملوكي والأثر العثماني، فالنمط المعماري والشكل العام للبناء لا يمكن لهما أن يكونا مصدرًا أكيدًا للتوثيق بقدر أهمية الوثائق التاريخية المعاصرة للحدث.

1: المدرسة الرصاصية وقبر الشيخ محمد رصاص

 اعتبر الباحث يوسف النتشة أن القبر (المقام) الكائن بداخل المدرسة الرصاصية – بالقرب من ساحة مبنى دار الأيتام الإسلامية في القدس – هو من مرافق العمارة العامرة التي وقفتها خاصكي سلطان، والصواب أنّ هذا القبر يقع بداخل المدرسة أو التربة الرصاصية وأنه يعود للشيخ سعد الدين محمد الرصاص جد عائلة رصاص المقدسية المعروفة، ثم نقل الباحث النتشة ما أورده الرحالة الشيخ عبد الغني النابلسي الذي زار هذا المقام في سنة 1101هـ/1689م في رحلته الموسومة بالحضرة الأنسية في الرحلة القدسية وعلّق على ما ذكره النابلسي بالقول: إنّ صاحب هذا القبر هو الشيخ سعد الدين الرصافي(بالفاء) صاحب المنهل الصافي والمشرف الوافي، ظنًّا منه أن المنهل الصافي والمشرب الوافي هو كتاب من تأليف الشيخ عبد الغني النابلسي، لكن الحقيقة أن المنهل الصافي والمشرف الوافي الذي ورد في مخطوط الحضرة الأنسية هي إحدى ألقاب الصوفية وليست مؤلًّفًا أو كتابًا للشيخ النابلسي، فضلاً عن أن اسم عائلة صاحب القبر هي الرصاصي وليست الرصافي ! 

2: المدرسة الماوردية:

أرجع النتشة المدرسة الماوردية (عُرفت أيضًا بالباوردية) إلى أواخر العصر المملوكي وسمّاها بالمدرسة الرصاصية، علمًا أن المدرسة الماوردية هي غير المدرسة الرصاصية، ولا علاقة لها بها، لأن المدرسة الماوردية أو الباوردية هي أثر مملوكي وليس عثماني، وهي التي ذكرها مجير الدين العليمي في كتابه الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل في سنة 900هـ/1494م بالقول: (تقع في عقبة الست؛ اوقفتها الحاجة سفري خاتون ابنة شرف الدين أبي بكر محمود الباوردي. تاريخ وقفها في يوم الأحد خامس شهر رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة) (768هـ/1366م)، وهذا هو الخطأ نفسه الذي وقع به قسم الآثار الإسلامية التابع لدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس عندما علّق يافطة باسم المدرسة الرصاصية على مبنى المدرسة الماوردية (الباوردية).

3. الزاوية المحمدية:

يقول الباحث النتشة إنّ الزاوية المحمدية ترجع إمّا إلى أواخر العصر المملوكي، أو ربما أوائل العهد العثماني، وهذا حقيقةً غير دقيق، كونها تعود أصلاً إلى فترة المماليك البحرية في عهد الملك الأشرف شعبان بن حسن في سنة 751هـ/1350م، فالزاوية المحمدية تقع تجاه المدرسة الباوردية الكائنة في أسفل عقبة التكية (عقبة الست) وهي الأثر نفسه الذي ذكره مجير الدين العليمي في أواخر العهد المملوكي بالقول: (الزاوية المحمدية بجوار الباوردية من جهة الغرب واقفها محمد بك زكريا الناصري، تاريخ وقفها في العاشر من شهر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة) (751هـ/1350م).

4: المدرسة التشتمرية:

أطلق الباحث على نحوٍ غير دقيق على المدرسة التشتمرية اسم دار بيرام جاويش اعتمادًا منه على نقشٍ تأسيسيٍ قرأه في الجدار الغربي للمكان اختفت بعض حروفه، فقام الباحث المذكور بإكمال ما سقط من حروف النقش بشكلٍ صحيحٍ مرجعًا النقش إلى بيرام جاويش بن مصطفى.

لكن الباحث لم يتحقق من أنّ أصل هذا الأثر هو المدرسة التشتمرية نفسها، وهي أيضًا من جديد أثر مملوكي وليس عثماني، لأنّ دار بيرام جاويش بن مصطفى السباهي كانت تقع فوق المدرسة التشتمرية وليس بداخلها، فقد اشترى بيرام جاويش سطح المدرسة التشتمرية في أواخر سنة 958هـ/1551م استنادًا إلى ما ورد في الوثيقة: (جميع المكان الخرب الداثر) والذي كان يقع فوق المدرسة التشتمرية.

وقد كتب مجير الدين العليمي في أواخر العهد المملوكي عن المدرسة التشتمرية قائلاً: (المدرسة التشتمرية بباب الناظر بالقرب من الحسنية، واقفها الأمير تشتمر السيفي الملك الناصري حسن بن محمد بن قلاوون. تاريخ وقفها في الثاني عشر من ذي القعدة سنة تسع وخمسين وسبعمائة) (759هـ/1357م)، وقد أصبحت هذه المدرسة فيما بعد من أملاك سليمان جلبي بن محمد قطينه الذي وقفها في سنة 1225هـ/1810م ثم أعاد عمارتها من جديد.

5: الخلوة الجنبلاطية:

رجّح النتشة تاريخ إنشاء الخلوة الجنبلاطية الكائنة في صحن قبة الصخرة المشرفة إلى أواخر القرن السادس عشر الميلادي وقال إن ترميمها تم في سنة 1010هـ/1601م، في حين أنّ وثيقة عثمانية شرعية تعود إلى شهر ذي القعدة سنة 964هـ/1556م تؤكد أن بناء الخلوة الجنبلاطية تم بعد أن اتفق الأمير جان بلاط (جان بولاد) مع معلّم البناء عبيد بن نمر (أحد أجداد عائلة النمري في القدس) على بناء خلوة (حجرة) تحمل اسم الأمير جان بلاط في صحن قبة الصخرة المشرفة بكلفة 18 قطعة ذهبية.

6: المدرسة الشركسية (الجركسية):

تطرق الباحث إلى القنطرة الراكبة على طريق الواد الملاصقة لدار العز، وقال إنها تعرف بدار الشرف وأن تاريخ إنشائها يعود إلى ما بعد سنة 1205هـ/1790م، في حين أن هذه الدار تعرف حقيقةً باسم دار عائلة شرف المقدسية وليست دار الشرف، وأن هذه القنطرة التي تعرف بدار شرف هي المدرسة الشركسية أو الجركسية التي أنشأها الأمير جهاركس الخليلي أمير أخور الملك الظاهر برقوق المتوفى في سنة 791هـ/1388م والتي أهمل الباحث ذكرها في هذا السياق.

7: محراب ومسطبة تعرف بالصنوبر:

يقول الباحث النتشة إن هذه المسطبة والمحراب يقعان شرقي باب المغاربة في ساحة الحرم القدسي الشريف، وهذا صحيح، وذكر كذلك أن تاريخها ووقفها غير معروف، وأنها غير مذكورة في المصادر التاريخية التي تعود إلى الفترة المملوكية، ما يعني أنها عثمانية البناء.

تجدر الإشارة بهذا الصدد أن مجير الدين العليمي صاحب كتاب الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل الذي صنّفه في سنة 900هـ/1494م وهو أشهر كتاب عن تاريخ القدس يرجع إلى العهد المملوكي، كان قد ذكر هذه المسطبة في سياق الإشارة إلى أحداثٍ جرت في سنة 879هـ/1474م عندما تحدث عن عقد مجلس شرعي بالمسجد الأقصى (على المسطبة الكائنة عند باب جامع المغاربة)، كما أن القاضي محي الدين بن عبد القادر الحريري الحنفي أوقف عليها نقودًا ذهبيةً سليمية (نسبةً للسلطان سليم) في شهر شعبان سنة 980هـ/1572م بعد أن قام بترميمها.

8: سبيل صنع الله الديري الخالدي

تطرق الباحث إلى سبيل الشيخ صنع الله الديري الخالدي الذي وقفه في سنة 1125هـ/1713م في رأس درج العين بطريق باب السلسلة، لكنه لم يعرّج على ذكر أصل السبيل ذاته الذي أنشأه الأمير تنكز الناصري نائب الشام في سنة 773هـ/1371م، ويقول الباحث النتشة إنه يوجد نقش تاريخي لم يعد مقروءًا في الواجهة الجنوبية للسبيل، ويبدو أنّ هذا النقش هو نفسه الذي تحدث عنه مجير الدين العليمي في كتابه في أحداث سنة 874هـ/1469م عندما أعاد الأمير ناصر الدين النشاشيبي في شهر جمادى الثانية توصيل الماء إلى العين القريبة من التربة الجالقية (.. نُقشت رخامة بذلك وأُلصقت بالحائط الكائن عند درج العين بجوار التربة الجالقية).

كما فات الباحث المذكور أن أبو السعود أفندي بن الشيخ سليمان أفندي الداوودي إمام المسجد الأقصى المبارك كان قد وقف دكانًا في حارة باب السلسلة على مصالح هذا السبيل في سنة 1097هـ/1782م، أي قبل وقف الشيخ صنع الله الديري الذي اعتمد عليه النتشة في بحثه.

9: سبيل قاسم بك الترجمان

تناول الباحث سبيل باب السلسلة وذكر أن قاسم بك بن رجب ترجمان محكمة القدس خصّص في كتاب وقفه المؤرخ في أواسط ربيع الثاني سنة 1018هـ/1609م قطعة فضية واحدة في كل يوم لقاء إيصال الماء إلى المسقاة المقابلة للمدرسة التنكزية.

إنّ هذه المسقاة هي نفسها التي وقفها قاسم بك الترجمان جد عائلة الترجمان المقدسية ولكن في سنة 1113هـ/1701م وليس في التاريخ أو الزمان الذي ذكره الباحث قبل قرن من ذلك الوقت.