- 26 تشرين الثاني 2012
- مقابلة خاصة
القدس- خليل العسلي - ان الكثير من المقدسين سمعوا لاول مرة عن امام الغزالي عندما قام احد الاشخاص بمحاولة تحطيم لوحة نصبت في المسجد الاقصى كتب عليها اسم الامام الغزالي ، هذا العمل لاقى استهجانا واسعة في حينه ، كما لم يسمع المقدسيون من قبل بشئ اسمه الكرسي المكمل لمنهج الامام الغزالي في المسجد الاقصى ، بل ان بعضهم لم يعرف ان الامام الغزالي كتب اعظم كتبه ( احياء علوم الدين ) في المسجد الاقصى في الغرف الواقعه فوق باب الرحمه ، قبل مئات السنين، وعندما تم الاعلا ن رسميا عن تعين الدكتور مصطفى ابو صوي استاذا لهذا الكرسي في المسجد الاقصى وفي جامعة القدس تسال الكثيرون عن مغزى واهمية هذه الخطوة للمدينة وللمسجد الاقصى بصورة خاصة ، ومن اجل الحصول على اجابات وافي على هذه الاسئلة وغيرها أجرت "اخبار البلد" هذه المقابلة الصريحة والمطولة والاولى من نوعها مع د , مصطفى ابو صوي والذي يعتبر وبحق من اشهر من تخصص في منهج الامام الغزالي في العالم وله في ذلك العديد من الكتب وعشرات المقالات.
د . مصطفى ما معنى منصب الكرسي المكمل لمنهج الامام الغزالي في المسجد الاقصى؟!
ان الكرسى المكتمل لدراسة منهج الامام الغزالي في المسجد الاقصى وجامعة القدس انشأ في وقفية الملك عبد الله الثاني وفلسفة الكرسي هي من باب احياء هذا المنهج وخدمة للمسجد الاقصى ورواده، وخدمة لاهل بيت المقدس ومن لم يستطيع ان يصل الى المسجد الاقصى نحن نصل اليه اينما تواجد ،
لعل مشروع الاحياء في كتاب احياء علوم الدين هو الذي يتبادر الى الذهن، ولهذا سنقوم بتدريس هذا الكتاب او مختصر له ، والفكرة هي ان الامام الغزالي وهو الفقيه والمجتهد في زمانه، ادرك ان ان هناك بعدا قد غاب عن الفقهاء وهو الفقيه، وهو البعد الروحي والاخلاقي ، أي انه غاب عن الناس بعد الصلاة ، فالحديث عن اركان الصلاة شئ والحديث عن المعنى شئ اخر، فحينما نقول اليوم على سبيل المثال الفقة يتبادر الى الذهن اقسام المياة والوضوء والطهارة والصلاة، وما الى ذلك ، ومن خلال قصة يذكرها الامام الغزالي في بداية كتابه احياء علوم الدين عن حوار بين اثنين فلان يقول انه يرى فقيها والاخر يقول له ويحك، وهل رايت فقيها بعينه، فالناس يعرفون الفقهاء ومن هم ، ولكن تعريف الفقيه بمعناه الروحي ليس معروف، وقال الامام في تعريفه الفقيه : ان الفقيه هو الزاهد في الدنيا والراغب في الاخرة، أي انه لم يقول مثلا الفقيه العالم فاقسام المياة والطهارة والوضوء والصلاة والزكاة والحج، رغم ان هذا مطلوب ولكن البعد الذي غاب يجب ان يعود ، ويمكن ان يستطرد الانسان فيقول هناك ازمات في كل المجتمع في كل زمان وهناك امور تطغى على حياة الناس، فاسترداد المنظومة الاخلاقية مسالة مهمة جدا ، استرداد البعد الروحي مهمة جدا ايضا ، المدارس عادة لا تعلم البعد الروحي ولعل ذلك ان البعد الروحي لا يقاس فيمكن ان تقيس معرفة الطالب في مسالة من مسائل معنية هو لا يعرفها ، فلما لا يكون هناك تدريس يركز على قضايا تعلم الناس الذكر،
ما علاقة الغزالي بالمسجد الاقصى ؟! وما علاقة احياء منهجه في المسجد الاقصى؟!
صاحب السمو الملكي الامير غازي فكر بقضية الاحياء هذه اصلا بصورة عامة وفكر بايجاد مثل هذه الكراسي في العالم الاسلامي ولتكون البداية في المسجد الاقصى ومسجد الحسين ، يعنى الربط بين عمان والقدس اولا وان شاء الله سيتم الانطلاق الى اماكن اخرى ،
اما بالنسبة لعلاقة الامام الغزالي بالمسجدى فالامام اقام في المسجد الاقصى وفي بيت المقدس ، بعد الازمة الروحية التي حصلت له في بغداد ، ويجب ان نعرف ان الامام الغزالي في زمانه كان عالما، لعله كان الاشهر بين اقرانه وكان استاذ النظامية كانك تتحدث اليوم عن استاذ اكبر كلية ، وكان من طلابه القاضي ابو بكر ابن العربي ، والذي وصف بعض مجالس الامام الغزالي وقال : انه كانت ثلاثمائة عمامة تحضر مجلس العلم ، أي ثلاثمائة عالم، بل ما لم يكن في ذلك الزمان متوفرا لدى اقرانه، فبعض علماء المدارس الفقهية الاخرى كابو الوفاء بن عقيل الخطابي كان يحضر وهو من علماء الحنابلة مجلس الامام الغزالي في بغداد ، فحاشية الامام الغزالي ومكانة الامام الغزالي كانت كبيرة، لدرجة ان البعض قال لعلها اصبحت لديه حشمة اعلى من حشمة السلطان في ذلك الزمان ، مكانة عالية جدا ، لكن حين تفكر الامام الغزالي في حاله ، وتفكر في مقصده ونيته، وجد انه لم تكن هجرته لله ، يعنى العمل الذي كان يعمله لم يكن لله وهذه من اصعب المسائل على النفس ان تواجهها، وان تقر بها ، فهو اراد ان يصحح النيه ولذلك قرر انه لا يستطيع ان يصحح طالما انه موجود على راس عمله، فترك التدريس في نظاميه بغداد وؤكل الامر الى اخيه احمد وكان رحمه الله من العلماء ، ومن ارباب القلوب كما يقال ووزع ماله وانطلق باتجاه دمشق ، واقام فيها زمنا ثم جاء الى بيت المقدس واقام والرواية التاريخية تقول انه اقام فوق باب الرحمة في هذه الغرف الموجوده اليوم هناك وهو المكان الذي سيتم ان شاء الله فيه تدريس احياء علوم الدين فيه، والذي لا يعرف باب الرحمة او باب التوبه هو من ابواب البلدة القديمة ومن ابواب المسجد الاقصى في المنطقة الشرقية المطلة على المقبرة الاسلامية ، وهناك اقام الامام الغزالي وكتب الرسالة القدسية
ما مغزى ان يتم تدريس منهج الغزالي في هذا الوقت بالذات الذي تواجه فيه القدس اصعب الاوقات؟!
طبعا القدس عاشت وتعيش ازمانا غابت فيها السيادة الحقيقية التي تعنى بجميع ابناء القدس وتنشر العدل، ففي الفترات السابقة هنالك حقبة الاحتلال الفرنجي والمعروفة ايضا باسم الاحتلال الصليبي ونحن نتحدث هناك عن اكثر من تسعين عاما من غياب السيادة الاسلامية ، في الاصل ان نقول ان العرب كانوا اول من تواجد في المنطقة فوجود الناس في هذه الارض ابعد بكثير من وجود العبرانين ، واقول عبرانين لان الحديث عن اليهود شئ مختلف والصهيونية مسالة معاصرة ، فكان هناك سكان حتى عندما قالوا ان سيدنا داود عليه السلام جاء من الخليل الى القدس ، هذه القدس التي نتحدث عنها كانت نوع من الحصن موجود جتوب البلدة القديمة ، وهو منطقة وادي حلوة في سلوان ، وهذه التلة الموجود عليها مدينة داود هي ايضا يبوس وقد لا تتسع في ذلك الزمان الى ستين او سبعين بيتا بالكاد فهو حصن اكثر من كونه مدينة، وابقى على الناس ولم يعمل عملية تظهير عرقي عليه السلام كما يعملون اليوم في اخراج اهل القدس من مدينتهم وسحب هوياتهم ، ويتم ذلك عن طريق وزارة الداخلية ،فالناس موجود في هذه الارض المباركة منذ زمن بعيد جدا ، فاريحا هي اول ارض زراعية فاول ما استقر الانسان وزرع كان في اريحا منذ اكثر من عشر الاف سنة ،
اذن الارض كانت موجوده وكانت مزروعه ، والصهاينة عندما قالوا انهم هم الذين جعلوا الارض تخضر ، هذا ليس صحيح حتى لو نظرت في كتبهم ستجد ان الارض لم تكن قاحلة ، وفي هذا الزمن تعانى القدس من الصهيونية فيتم تهويد واسرلة المدينة ونشر ثقافة الابتعاد عن الدين والكثير من الشباب بل من الشياب ابتعد عن جاده الصواب ، فتاتي مثل هذه الهبات العلمية لنصرة الناس في الجانب الذي نعرفه الجانب العلمي ، الجانب الاكاديمي والثقافي ، كان د عبد الحميد ابو سليمان تحدث عن ازمة العقل المسلم وهذا حقا ، فان هناك ازمة تفكير هناك ازمة قضية التعليم ،وازمة اخلاق يعنى يمكن بيان منهج علمي في نفس الوقت لا بد من منهج يرفع رايه الاخلاق راية الروحانيات ويرفع راية العودة الى الله عز وجل ، نحن نريد علما ونريد منهجا صحيحا في نفس الوقت لا بد من توجيه الناس في اتجاه العودة الى الله سبحانه وتعالى،
كيف سيتمكن الكرسي من معالجة الازمة الاخلاقية ؟!وهل سيكون فقط للاكاديمين ؟!
الوقفية او الكرسي ليس حكرا على الاكاديمين فالمحاضرات ستكون بمستويات مختلفة والناس مستويات ، وخطاب الغزالي يمكن القول انه على عدة مستويات يمكن في بعض المحاضرات تبسيط الامور لعامة الناس ولرواد الاقصى العاديين ، وسيكون هناك لقاء يعنى بالجانب الاكاديمي ، حقيقية سيكون هناك توجيه لطالب على مستوى الماجستير المتخصصه باعمال الامام الغزالي ، ايضا توجيه طالب على مستوى الدكتوراه في نفس الوقفيه، وطبعا يمكن ان يكون هناك تسجيل لمساق اكاديمي في نفس الحلقة العلمية وان كان سيكون التدريس من خلال الكتاب كما كان سابقا ، وهنالك تفكير بان تكون حلقة باللغة الانجليزية للاجانب المهتمين بالامام الغزالي والدراسات الاسلامية ، كما قلت سابقا من لم يستطيع من اهل في الضفة الغربية بسبب الحواجز سوف نذهب اليهم
كيف سيتم ربط منهاج الامام الغزالي بالوضع الحالي في القدس ، ام سيتم الاكتفاء بالجانب النظري الاكاديمي؟!
ربط الامام الغزالي بالوضع الحالي بالقدس صعب، فمثلا دراسة منهاج الامامي الغزالي لن تغطى عدد الهويات المسحوبة من المقدسين ، فالمنظمات الاهلية تعنى بهذه الامور، وهذه الدراسة لا تعنى بمعضلة الاسكان في القدس ، ولن تعنى هذه الدراسات بازمة الصفوف ، وصفتى انا ادرس الامام الغزالي والناس تختص بقضايا كثيرة جدا ، فلما لا يكون هناك اختصاص بالامام الغزالي دون ان نتوسع حتى لا نفقد التعمق بالتدريس ؟!، فليس مطلوب من كل شخص ان يتوسع بكل شئ ، ومن توسع في كل الابواب لعله لن يفتح أي من هذه الابواب !
هل يمكن وصف منهاج الامامي الغزالي بانه صوفي، واحياء الان يعنى احياء للصوفية في القدس ؟!
الامام الغزالي انتهى امره الى التصوف ، كان شافعيا وكان اشعريا ، درس الفلاسفة وطبعا كتب مقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة وبدعهم في سبعة عشر نقطة واقرهم في ثلاث ، هو لم يكن لديه مشكلة في بعض جوانب الفلسفة فكان قبول للرياضات قوبل للطبيعيات ، وكانت لديه مشكلة ورفض لقضية الالهيات أي الميتافزقيا ، ورفض الميتافرقيا اليونانية حتى اعتبار ما يقوم به في كتابه " تهافت الفلاسفة " بانه يفعل ما يفعل نيابة عن المسلمين وليس انتصارا لمذهب بعينه، هذه رؤية جميلة جدا ، اليوم هناك رؤيا وفلسفات وافده وعلى الانسان المسلم ان يتصدى لها ليس انتصار لمذهب بعينه ولكن دفاعا عن الاسلام ككل ، في النهاية حينما درس الفلاسفة ودرس منهج المتكلمين فقال عن المتكلمين أي عن علم الكلام، وافى بمقصوده غير وافي بمقصوده ، هو يذهب الى ما هو ابعد من هذا طبعا ، هو ارد ان يصل الى علم اليقين وارد ان يذهب باتجاه الروح ، فالعقل اشبع وكل شئ اشبع الا الر وح ودرس الباطنية وواضح ان منهج الباطينية يعتمد على ان الامام معصوم غائب وكيف تتعلم من الغائب وكتب كثيرا ضد الباطينية ولم ينكر على المتكلمين بل اعتبر ان هناك قصور في المنهج ، كما ان الفلسفة اليونانية قسمها الى اقسام جزء مقبول ، جزء مرفوض ، وانتهى الامر لديه الى التصوف ، فوجد عن التصوف ما يشبع حاجته ورغبته ويضعه على الطريق الصحيح،
اذا فهمنا التصوف فهما صحيحا فهنالك طرق في التصوف لا تصح ، واذا كانت قضية التصوف هي تخليه القلب والعودة الى الله عز وجل ، واذا كان التصوف هو الحث على ذكر الله عز وجل ،واذا كان التصوف هو استحضار عظمة الله ، واذا كان التصوف وضع الدنيا في خانتها الحقيقية وان لا تتملك على قلب الانسان ، فهناك معاني جميلة جدا ممكن ان تحيا عبر هذا الطريق
وهل هذا يعنى د . مصطفى انها دعوة الى المقدسيين الى التصوف ؟!
هي ليست دعوة للتصوف ولكن هي دعوة الى الله هي ليست دعوة ضد القضية ، فالقضية ما المسمى، واذا كان المسمى صحيحا فلما لا ، فهي ليست دعوة الى التصوف بل هي دعوة لدراسة الامام الغزالي وكتبه، وبهذه الكتب هناك احياء للبعد الروحي ، ومن يدرس هذا المنهج عليه ان يكون واعيا الى معاني مختلفة ، فالاصل هو القران والسنة ثم محاولة لبيان اثر القران والسنة على حياة الناس ، والامام الغزالي وغيره استفاد من هذه المعاني وهناك خبره متراكمة في دائرة القلب في دائرة الروح ، فلا بد من احياء هذا وبيان ذلك للناس
اذن انت متفائل بان هذا العمل من شانه ان يزيد الوعي لدى الناس ؟!
يعنى التفاؤل موجود باذن الله عز وجل يجب ان نتفائل ، والامل دائما في الله ان ينير قلوب الناس وتستغرب بالخبرة في سلك التعليم ، مرات نلتقى بعض الناس بعد فترة طويلة فيقول انت قلت في محاضرتك كذا وكذا بعد سنوات طويلة تذكر الناس محاضراتك وبعض خطب الجمعه ،فالانسان يبذر بذور الخير ان شاء الله ،ان تكبر هذه البذار وان يكون لها ظل ، فالامل والمامول كله العلاقة الصحيحه مع الله
د . مصطفى ابو صوي هل هذا المشروع من شانه ان يعيد الى القدس مكانتها العلمية والى الاقصى مكانته ؟!
والله ان يقوم كرسي واحد متواضع بان يعيد للاقصى مكانته ، هو جهد في الاتجاه الصحيح وخطوة مباركة ونسال الله سبحانه وتعالى ان يجزى من كان فيها سببا خير جزاء
