• 6 آذار 2013
  • مقابلة خاصة

في البداية لا بد من توجيه رسالة شكر وتقدير للروائية الرائعة التي قررت ان تكون اول مقابلة صحفية لها مع شبكة " اخبار البلد" من القدس الى العالم العربي والدولي ، ونحن نتمنى للزميلة ناديا مزيدا من التقدم  ومزيدا من النجاح وغزارة في الانتاج الادبي الهادف .

 

ناديا بو فياض كاتبة لبنانية، شقت طريقها الى العالمية مع دخول روايتيها "وكان الحب شهيدا"، و"ابناء القدر"، الى صرحين عالميين هما جامعتا ستانفورد وتورنتو.

قالت ان هذا الخبر لم يفاجئها، لانها كانت تتوقع  ان يكون لرواية "ابناء القدر" صدى في العالم الغربي، وان ما تتوقعه بعد هذا الحدث، هو ان تُترجم احدى الروايتين الى اللغة الانجليزية، وان تتحول الى فيلم سينمائي.

هذه الكاتبة تتسم بجرأة عالية، وتتميز بالدفاع عن القضايا الانسانية، بنصوص شفافة عميقة، ممزوجة بالفلسفة والشعر. تمسك بناصية نصها واللغة، باسلوب متألق يشد القارئ، حتى في السرد. 

"لا ابداع من غير حرية.... أجل  كنت جريئة، فالكاتب الذي يخاف لا يستحق نعمة القلم... اعترف بانني لست من النوع الذي يرضى بأن يحدد له الاخرون كيف يجب ان يفكر...".

هذا ما قالته الروائية اللبنانية ناديا بو فياض ، في اول مقابلة صحافية لها، وخصصتها لشبكة "اخبار البلد" المقدسية

وكشفت ان رواية "وكان الحب شهيدا" جاءت بعد قرار اتخذته ب "تحويل الالم الى عمل ادبي"، وان رواية "ابناء القدر" جاءت بعدما شعرت انها تنتمي الى الانسانية ككل، وليس الى وطن محدد جغرافيا.

وبعثت بتحية الى القدس " العالقة دمعة بين الاهداب".

 

-  اذا اردنا ان نعرف القارئ العربي اينما كان في فلسطين والقارئ المقدسي بالكاتبة ناديا ماذا سنقول له؟؟؟

 

ناديا بو فياض روائية واعلامية لبنانية، عملت في لبنان وبعض الدول العربية، في الحقل الاعلامي، وانا ان اعمل حاليا في قطر، في نفس الحقل. ولدت في بلدة صغيرة جدا، اسمها الكينسة في منطقة الشوف في  جبل لبنان، قرب جبال الثلج، وبين اماكن، يتنافس فيها  الريحان وزهر اللوز والرمان، وازهار البنفسج والاقحوان، في حقول ناعسة. عندما فتحت عيني كانت الحرب مستعرة في لبنان، فخربت نشأتي الهادئة بين البساتين والازهار، وبدأت مشاهد الحزن والموت تدخل الى ذاكرتي، لكنها لم تخرب طبيعتي التي تطغى عليها المشاعر الانسانية. كان قدري ان انتقل الى بيروت، بسبب الحرب، التي اضُطرتنا، عائلتي وانا، الى ترك منزلنا في منطقة جبل لبنان، في العام 1983. في بيروت، اصبحت من دون ان يكون امامي اي خيار اخر، وسط دوامة الحرب التي كانت مستمرة. فبدأت المعاناة تكبر في داخلي، وبدأت الاعتمالات تتراكم. كنت  في ذلك الوقت ما زلت اكمل دراستي الجامعية، والحرب مستمرة. بدأت اعمل في عالم الصحافة، والحرب استمرت. تدرّجت في المهنة، والحرب تدرجت ايضا، لتتخذ اوجه الصراع الداخلي المقيت الفظ. بدأت اشعر ان مشاكل وطني ارهقت روحي، فلم تعد تحلق على سجيتها كما في مراحل نشأتي في الجبل. في بداية عملي في الاعلام، كنت اجد في المقالات التي اكتبها  متنفسا للتعبير عما في داخلي. لكن مع الوقت، لم تعد صفحة الصحيفة تتسع للتعبيرعما اريد، خصوصا وان فهمي لمشكلة الانسان تخطى حدود الوطن، ليتسع الى حدود العالم العربي، وبتُّ اشعر بعمق معاناة الانسان العربي، وجروحه، وبأسباب غياب ابتسامته وابداعه... وكنت أتألم.

قررت ان احول الالم الى عمل ادبي، كي لا يقتلني هذا الالم. فالانسان، يشبه الارض، صعب عليه ان يحتفظ بانفعالاته من غير ان تقلته او يقتلها. فكانت روايتي الاولى "وكان الحب شهيدا"، التي جاءت كما اردت... وبعدما تخلصت من مشاعر الغضب الذي كان ينتابني، هدأت، وتذكرت ان في داخلي شعورا، بانني انسان، انتمي الى الانسانية ككل، وليس فقط الى وطن، محدَّد جغرافيا. فقررت ان اكتب رواية تهم كل انسان في كل مكان، فكانت رواية "أبناء القدر"، التي القيت فيها الضوء على جوانب مظلمة من حياة المجتمعات، التي تعاني من التعصب والتطرف، والمغالاة في رفض الاخر.

 

-    بم شعرت عندما سمعتِ خبر دخول روايتيك الى  مكتبتي جامعة ستانفورد وتورنتو؟

في الحقيقة، كان شعور صعب الوصف، لكنني لم افاجأ. فأنا كنت اتوقع، وعلى ثقة تامة، ان رواية "ابناء القدر" سيكون لها صدى في المجتمع الغربي، التواق لمعرفة تفاصيل عن العالم العربي. كنت اتوقع مثلا ان تُترجم الى الانجليزية ، ومن ثم تتحول الى فيلم سينمائي. لكن ان تدخل الى جامعة ستانفورد وجامعة تورنتو، هذا ما لم اضعه في حسابي ابدا. المفاجأة كانت ان روايتين وليست رواية واحدة دخلت الى ستانفورد. فروايتي الاولى "وكان الحب شهيدا اصبحت ايضا في هذه الجامعة.

 

-     ما دمت قد توقعت سابقا، واصبح التوقع حقيقة، وان كان ليس بالشكل الذي تصورته. ماذا تتوقعين الان؟؟

اتوقع، واتمنى الا يخيب حلمي، في ان تتحول رواية "ابناء القدر" الى فيلم ناطق باللغة الانجليزية. ما يعزز توقعي هذا، ان هذه الرواية، هي الرواية العربية الاولى، وربما الرواية الاولى في كل العالم، حتى تاريخ نشرها، التي تطرقت الى الجانب النفسي من حياة الجندي الاميركي في العراق. وكانت "ابناء القدر" ستلقى صدى اكبر بكثير في الولايات المتحدة، لو انها وصلتها قبل الانسحاب الاميركي في العراق. لو تم ذلك، لكان صداها مدو. فمن المعروف، ان الاميركيين ما زالوا يعيشون عقدة حرب فيتنام. فأن يأتي كتاب ليصور الاعتمالات النفسية للجندي الاميركي في العراق، في وقت ما زال الجيش الاميركي في هذا البلد المشتعل بالعنف، فتلك كانت مسالة مهمة جدا بالنسبة اليهم. 

 

-   هل الكتابة بالنسبة اليك عملا فرديا، ام يهدف الى تأثير جماعي ما؟؟؟ا

الكتابة بالنسبة الي، هي  تعبير عن ذاتنا بأدواتنا، وعن روحنا، بغـِبطتها وأوجاعها. والتعبير عن الذات ، يشمل الدفاع عن قضايا نؤمن بها، او مبادئ نناضل من اجلها.

الكتابةُ هي، ايضا، محاولةٌ لمشاركة الاخرين جماليات الحياة، وهي مساحة ُ تعبيرٍ عن الانسان، بروحه وجسده وعقله، والدرجةِ القصوى من أفراحه وأحزانه، وبعضٍ من تجاربه، بنجاحاتها وخيباتها. هي مساحة نعبّر فيها عن حريتنا، ومواقفنا من الحياة ومفاهيمها، ومساراتِها. والتعبير عن المواقف، يهدف بدرجة اولى الى ممارسة حريتنا بالمطلق، وبدرجة ثانية، التأثير في الاخرين، وفي قناعاتهم، ومحاولة لفتح قناة تفاعل بيننا وبينهم. من هنا جاءت رواية "ابناء القدر" ترجمة لبعض مفاهيمي وقناعاتي في الحياة وعن الحياة، توصلت اليها من خلال تجارب قاسية، تحولت الى ادب، يشق طريقه الى العالمية. ربما هي ايجابية الاحزان والالام والاقدار.

ان البعض يرى في الرواية مساحة تحمل القارئ الى عالم المتعة الانية. اما انا فألتقي مع الناقد الادبي الاميركي Wayne claython Booth، الذي يقول إن الرواية هي نوعٌ من أنواع البلاغة الادبية، وطريقة ُ تواصلٍ بين الكاتب والقارئ: الكاتبِ الذي يرمي من خلال الرواية الى نقل قيمه الى القارئ، بهدف التأثير عليه. وربما تصل الكتابة احيانا الى درجة ممارسة السلطة على الاخرين، لكنني شخصيا امارسها بمنطق البحث الدائم عن التفاعل مع الاخرين، الذي  من دونه ستكون هناك فجوات بيننا وبينهم.

 

-   الكاتب بحاجة في كثير من الاحيان الى الحافز او الدافع، بل الى المحرض على الكتابة. فهل توفرعندك اي من هذه الحوافز والدوافع والمحرضين؟؟

بالنسبة الى الشق الاول من السؤال المتعلق بالحافز او الدافع، اعتقد ان هذا الرأي صحيح الى حد بعيد. فالكاتب هو من بين اكثر الناس تأثرا بالمؤثرات السلبية المحيطة به، لذا يعيش حالات احباط اكثر من سواه. من هنا، فهو ربما يحتاج الى الحوافز، وان كانت الحوافز تأتي معظم الاحيان، وللاسف، من الوجع، والتجارب الاليمة.

اما في ما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فالجواب هو اجل. لقد كنت محظوظة، انني كنت محاطة بمجموعة محرضين، من الاصدقاء، ومن بينهم، "الصديق عن بُعد" خليل العسلي. وهنا سأنتهز فرصة السؤال لاكشف للقراء جانبا من الجوانب غير المرئية، من المرحلة التي سبقت صدور رواية "وكان الحب شهيدا".  كان خليل قد تمنى علي ان يكون اول من يقرأ الرواية، وهي بعد مخطوطة، وقال لي، واعتقد في شهر يناير/كانون الثاني/ من العام 2006: " ان لم تنتهِ من كتابة هذه الرواية في شهر ابريل، فانسي صديقك خليل". ضحكت وأجبته: " مستحيل. لم يتبق سوى اربعة اشهر، على هذا الموعد، وانا لدي عمل يستهلك من وقتي ساعات طويلة يوميا". اجانبي: " لا اريد ان اسمع اي شيء. ابريل هو اخر مهلة اعطيكِ اياها". أجبته: " وضعتني امام تحدٍ، وسأواجه التحديات". وضحكنا نحن الاثنين، وكنا نتكلم على الانترنت. كان كلام خليل محرضا لي، عالي المنسوب، فصرت اقضي الليل ، احيانا حتى الصباح، في الكتابة، لانهي الرواية، قبل الموعد الذي حدده، كي لا انكث بوعدي. وهكذا حصل. وصباح ذات يوم، اذكر انها كانت الساعة السادسة من صباح يوم سبت، لم اشعر انني كنت ما زلت على مقعدي منذ العاشرة ليلا، دخل خليل على شبكة الانترنت، وارسل الي تحية صباحية. قلت: "له خليل. لدي نبأ مفرح". اجابني على الفور:"اعرف. انهيتِ الرواية". ضحكت. قلت له: " اجل. وضعت نقطة النهاية منذ لحظات. نظرت الى مرآة كانت بجانبي، فكان وجهي كمن هو خارج من معركة... كان مبللاً بالدموع، لشدة تأثري وانا اكتب المشهد الاخير من الرواية،وهو مشهد لم يبكني وحدي، بل الكثيرين.  

طلب خليل ارسال المخطوطة اليه، فأرسلتها، على الرغم من انني لم أكن  اعرفه شخصيا، ولم نلتق حتى الان. بعد اسبوعين جاءني رد خليل، وهنا سأختصِر كثيرا: " تذكري ما سأقوله لك. هذا الكتاب سيأخذك الى المجد". أجبته: " أخشى انك تبالغ". قال: " لست اجاملك. هذه الرواية تأخذ القارئ الى فوق وترميه الى تحت...".

كان هذا اول رد فعل تلقيته على روايتي الاولى "وكان الحب شهيدا"، وتوالت الردود بعدها.

وظل خليل يحرضني على الكتابة، وفي كل مرة، كنت اقبل التحدي.

 بودي ان أنتهز فرصة هذه المقابلة، لاوجه  شكري وتحياتي الى الزميل خليل العسلي، على هذا التحريض، وعلى كل هذه العناية لاعمالي، وعلى تقديره لفن الرواية.

 

-  صحيح ان روايتك الاولى هي عبارة قصة العلاقات الانسانية، ولكنها تحمل الكثير من المعاني السياسية أليس كذلك؟

 

صحيح، بحكم انها عالجت انعكاسات الحياة السياسية العامة بتشابكها، وتعقيداتها، على حياة الانسان الخاصة، والجراح العميقة التي تخلفها في داخله.

 

-  هناك من ينتقد الكاتبة ناديا بسبب كتابتها الجريئة. فهل هذه الجرأة مقصودة؟؟

اولا، انا اؤيد النقد بكل اشكاله، والمقصود هنا، النقد البناء، المبني على اسس علمية معرفية، وسعة اطلاع. هذا النوع من النقد ضروري جدا للكاتب، لانه يشكل نوعا من التقييم لعمله. والتقييم ضروري بعد كل عمل نقوم به، خصوصا في الاعمال الادبية، لانها مبنية على وجهات نظر، وليست مسائل حسابية، تكون النتيجة فيها محسومة وغير قابلة للجدل. وليس هناك اي عمل ادبي بمنأى عن النقد. لكنني لا اعتقد ان الجرأة في الكتابة، هي مسألة سلبية، لا بل ان الكاتب الذي لا يكون جريئا، لا يستحق نعمة الكتابة. وانا لا اتصور ان عملا يحمل في طياته نوعا من الخوف، سيحمل نوعا من الابداع. الابداع والخوف لا يتجاوران، لا يلتقيان. لكن السؤال يبقى، ما المقصود بالجرأة هنا؟؟ ان كان المقصود الجرأة السياسية، أجيب نعم، كنت جريئة جدا. وان كان المقصد الجرأة في تصوير علاقة المرأة بالرجل اجيب: اجل كنت جريئة، قياسا على ما هو سائد من مفاهيم، ومحددات لما يجب ان تقوله المرأة وما يجب الا تقول، في مجتمعاتنا الشرقية. وانا من الجرأة بمكان، ان اعترف انني من النوع الذي لا يرضى بأن يحدد له الاخرون كيف يجب ان يفكر وكيف يجب ان يكتب. مقتضيات الابداع في الرواية، او اي عمل، هي التي تحدد ما يجب ان يُكتب، وما يجب ان يُحجب.

 

-  اذا توجه اليك احد المبتدئين في مهنة الكتابة طلبا للنصيحة ماذا يمكن ان تقول لي له او لها؟؟

من دون تردد، اجيب بكل سرور. يدي ممدودة للجميع منهم، وباب منزلي مفتوح للجميع، لن أبخل بأي مساعدة. فمن لديه يعطي، ومن  ينشد الابداع، لن يبخل بأي شيء على ساعٍ الى الابداع.

 

هل تعنى لك القدس شيئا ككاتبه وكلبنانية ؟؟

 

القدس، وان لم ازرها ابدا، وربما لن اتمكن من زيارتها الى الابد، هي، دائما، في خاطري وبالي. هي ذلك الرمز البعيد القريب. تلك المدينة التي جمعت سحر المكان، واحتضنت الصلوات والتاريخ، ومزقتها صراعات الصلوات والتواريخ، لكن سحرها باق. استطيع ان اتخيل بيوتها وعماراتها، شوراعها وازقتها، والحزن في عيون قاطنيها، واملهم التائه في العيش بسلام. هي المدينة الجريحة، ولا من ينقذها. هي دمعة عالقة بين الاهداب، وحسرة في القلب لا تنظفئ. بلغوها سلامي من لبنان، فأنا اعرف انها تتحسر عليه، كما يتحسر عليها.