- 21 آيار 2013
- مقابلة خاصة
من لا يعرف منا ذلك الرجل الأنيق الذي كان يسير في شوارع القدس وكأنه يتفحص كل حجر فيها وكل وجه مار، من شارع الزهراء وحتى شارع صلاح الدين حتى يحط رحاله في مكانه المفضل؟! ومن منا لم يرغب بالحديث معه؟! لمعرفة من يكون هذا الرجل الذي يمثل جيل الهمم والرجولة والمبادئ !
وعندما حانت الفرصة ووجدته يجلس في عند ابا عاهد ازحيمان في شارع صلاح الدين في ذلك الحانوت الذي تمتزج فيه رائحة القهوة العربية برائحة الشوكولاته القادمة لنا من جميع انحاء العالم مما يدير العقول ويفقد السيطرة على الحواس، ابا عاهد نفسه يعتبر معلما من معالم مدينة القدس هو ايضا فعنده تحط رجال الكثيرون من رجالات الماضي وهم قله قليله للغاية ومن بينهم يوسف نفاع( ابو نصار) والذي يحرص أن يقوم بزيارة شبة يومية الى هذا المكان منذ ايام الجد الاكبر للعائلة والابن والان الحفيد ،
إن قصة " يوسف نفاع" هي قصة القدس وقصة محبيها العرب ، فهو جاء من السلط القريبة الغالية ليستقر في القدس تاركا وراءه عشيرته الكبيره واهله ،وكما قال " إن القدس لها رائحة خاصة، ومن ياتى إلى القدس لا يرغب بتركها ، وأنا كذلك ، وكما تراني أنا في خريف العمر ولا ازال متمسك بالمدينة والتي احببتها وأحبنى اهلها
الحكاية من اولها
يقول يوسف نفاع " ابو نصار " أن الصدفة وحدته وقدره المحتوم هما الذان دفعاه لعالم الصحافة واجواءها ورائحة الحبر فيها ، " دخلت لأول مرة بحياتي إلى مقر جريد "الأردن " في عمان عام 1944 ورأيت الحروف النحاسية والطباعة على الطريقه القديمة ، فأعجبت بها بل قل عشقتها من أول نظره وأول لمسه ، في عام 45 رايت اعلان في جريدة " فلسطين " عن حاجتها إلى عامل طباعة ، فاتصلت فيهم رغم أننى لأ أعرف أي شئ عن الطباعة ولا عن الحروف ، وذهب فعلا إلى يافا حيت كانت مطابع جريدة " فلسطين " في عمارة " بسترس "، فهمت لاحقا أن صاحب الجريدة كان يريد عاملا جديدا في الطباعة بهدف تجديد الدم في المطبعة ، ولا ازال اتذكر كان راتبي" 17 "جنيه فلسطيني ، وبعد اربعة اشهر اصبحت معلما في الطباعة وعرفت كل اسرارها وفنونها .."
صحافة صفراء
وبعد ان التقط "ابو نصار" انفاسه وإرتشف من فنجان القهوة الذي إعتاد عليه خلال عشرات السنوات الماضية ، اكمل حديثه الشيق عن الجانب الاخر من الاعلام الذي لم نعرفه من قبل ويضيف " في تلك الفترة تعرفت على "هاشم السبع" والذي كان يصدر مجلة تحمل اسم "الحرية" رغم أن الإمتياز ليس له إلا أنه كان المسوؤل الاول عن المجلة ، و كان مشهورا بأنه يجبر الناس على دفع خاوت له مقابل عدم النشر قصص واخبار عنهم ، وكان يهدد المسوؤلين ورجال الاعمال بنشر اشياء عنهم ، إن لم يدفعوا له اموال،.." يبستم هناك قليلا وكان يشاهد تلك الايام امام عيونه قبل ان يقول " وفي يوم من الأيام بدا يهدد كمال ناصر الشاعر والكاتب والقيادي الفلسطيني البارز ( هنا اخرج " ابو نصار" صورة لكمال ناصر وله وهما صغار،) ويقول شارحا ما في الصورة هذه الصورة اعطيتها لابنة عم كمال ناصر) كان الناطق باسم منظمة التحرير وقتله ايهود براك وفي هذه صورة محمود ابو الزلف، والاعلامي عمر الخطيب جميعهم اصدقاء (صورة 2)
ويعود الى حديثه " المهم ان كمال ناصر قال لي: إنه يريد أن يضرب "هاشم السبع" بسبب ما يكتبه وقال لي : هل تاتى معي ، فاجبته بالايجاب، فقال: اريد عصا غليظة! فسرنا في حارة النصارى وكانت هناك منجرة لعائلة صندوقة فاخذت له عصا قصيرة وقلت له : اضربه بها ولكن بسرعة فهو ( هاشم السبع) لا يرى بشكل مناسب وعندما وصلنا الى عمارة صندوقه في شارع صلاح الدين حيث كان مكتب السبع هناك، رانا ندخل عليه فسارع الى اخراج مسدس ووضعه على الطاولة وقال موجها كلامه الى كمال ناصر: يا كمال سوف اطلق النار عليك، فهمست لكمال: لا تخاف فهو قد يطلق عشر رصاص يمكن ان تصيبنى انا ولن تصيبك !! ونصحته بتهدئة الاوضاع فعلا جلسنا وعقدت الصلح بينهما ووافق السبع ان يتوقف عن مهاجمة كمال ناصر
ويضيف ابو نصار حديث الذكريات الصحفية الرائعة :"اذكر في يوم من الايام عندما كان هاشم السبع قد انتهى من صف حروف المجلة ، اقدم شبان من جماعة الحاج امين الحسيني والقوا قنبلة عليه، فانقلبت الحروف فوق بعضها البعض، ولم تعد جاهزة للطباعة، وكان بحاجة لمساعدة عاجلة لصف الحروف من جديد ، حتى تخرج المجلة بموعدها ، خاصة بعد رفض عمال الطباعة صف الحروف مرة اخرى خشية بطش المفتى وجماعته ، فلقد كان السبع ضد المفتى ويكتب ضده في مجلته، فتوجه الي طالبا المساعدة في اصدار المجلة وقلت له: لا تقلق فقط اذهب احضر لحم للشوي وشراب للشبان وانا على استعداد لطباعة المجلة ، وفعلا بعد تناول الطعام والشراب قلت لهم : حان وقت العمل ، وهكذا كان وصدرت المجلة بدون اية اخطا مطبعية ،( على عكس المرات السابقة) كان الرجل يحترموني كثيرا، فعندما كنت اطلب زيارة لعمال المطبعة كان يعطينى ضعف ما اطلب لهم ، لقد كان كريما ، فلقد كان هاشم السبع شخصية فريدة من نوعها ، وفي النهاية اراد يكون له امتياز مجلة تحمل خاصة به ، وسالني: ماذا تقترح ان يكون اسمها ؟! فقلت له: اطلق عليه اسم "الصريح "! وفعلا صدرت المجلة بهذا الاسم،
جريدة فلسطين
ويستمر حديث الذكريات ليوسف نفاع " ابو نصار" وهنا يحب ان يتحدث كثيرا عن اول جريدة عمل فيها وعن القائمين عليها ويقول : " كانت جريدة "فلسطين" تصدر في يافا وصاحبها عيسى العيسى والد رجا العيسى ، وعندما بدات اعمل في الصحيفة عام 45 كعامل طباعة كان رئيس التحرير رجا العيسي الذي تخرج حديثا من الجامعة الامريكية في بيروت واستلم تحرير الصحيفة، ومعروف عن دار العيسى انهم وطنين من الصف الاول، فعيسى كان اكبر شخصية مسيحية ارثوذكسية في فلسطين وزعيم الجالية المسيحية في فلسطين والاردن ، كما عمل "عيسى العيسى" رئيس الديوان المالكي للملك "فيصل " في الشام ، وبقى في هذا المنصب حتى احتل الفرنسيين سوريا ، وفي جريدة فلسطين كان " اكرم الخالدي" سكرتير التحرير وحل بعده "ابراهيم سكجها "،
اما في الصحيفة المنافسه صحيفة "الدفاع" كان سكرتير التحرير "خيري حماد " وكان المدير الاداري شخص من مصر اعتقد انه كان "عرفان عبد الهادي"
كيف كانت الصحافة في تلك الايام ؟!
قبل ان يجيب "ابو نصار" على هذا السؤال اتكأ على عصاه التي اصبحت في الاوانه الاخيرة رفيقة دربه ، بعد ان قهرته سنوات العمر ، سرح لدقائق وكأنه يبحث في ثنايا ذاكرته عن الإجابة المناسبه لجيل هذه الايام قبل ان يقول :" كانت هناك منافسة حاميه بين "الدفاع" و"فلسطين" وفلقد كنت صحيفة " فلسطين " معتمدة اكثر عند الناس والاكثر ثقة ومصدقيه فلقد كانت علية القوم تعتمد على صحيفة "فلسطين" اكثر ، ولكن "الدفاع" كانت توزع اكثر لانها اخذت الطابع الاسلامي..!! وهناك اتذكر قصة لها الكثير من المعاني ، فلقد جاء احد التجار الى صحيفة "فلسطين "ومعه شيكات راجعة لإحد التجار ، وطلب نشر الموضوع ضد التاجر مع صور للشيكات الراجعة وكان مستعد ان يدفع مبالغ خيالية من اجل ذلك ، ولكن إدارة "فلسطين" رفضت ذلك من مبدا عدم التشهير بالناس !!!
ويكمل حديثه " لقد كان مكتب "رجا العيسى" في شارع صلاح الدين عبارة عن ملتقى لكبار البلد ،وكل ليلة كنت تجد عنده "انور الخطيب" محافظ القدس ، وصفي التل رئيس الوزراء الاردني الاسبق ، فلقد كان معروف عن "رجا العيسى" انه رجل كريم للغاية ، كما انه كان مغرما بربطات العنق، وكلما سافر يشترى الربطات ويوزعها على اصدقاءه ، وانا اصبحت مثله اليوم عندي اكثر من مئة ربطة عنق !!
يافا اخر ايامها
يقول "ابو نصار" " كانت يافا اعظم مدينة في فلسطين واجملها،اما القدس فكانت مهجورة مهملة في تلك الايام ، انا بقيت في يافا حتى بعد النكبة، واذكر ان والدي جاء الي المدينة خصيصا ليقنعنى بمغادرة يافا بعد تكثيف الجماعات اليهودية من غاراتها على المدينة وسألنى : الى متى ستبقي في يافا ؟! فقلت له : طالما ان هناك خبز سابقى، وبعد فترة حتى المخابز اغلقت ابوابها مع اشتداد الهجمة اليهودية على المدينة ، عندها أجبرت ان اغادر المدينة التي احببتها وتوجهت الى عمان ، وهناك اعادة جريدة "فلسطين" الى الصدور بعد الرحيل من يافا ، وعمل معنا في ذلك الوقت" عيسى السفري" صاحب احد اكبر المكتبات في يافا وتوفي في الجريدة ، بقيت في عمان عاما واحدا ، عدنا بعدها الى القدس، حيث عادت الصحيفة الى الصدور، وكانت الاوضاع الاقتصادية صعبة للغاية ، واول مقر كان لنا قرب بطريركية اللاتين في البلدة القديمة ، ولم تكن هناك كهرباء في المدينة التي كانت هي ايضا تتعرض لهجمات اليهود، فاحضرت عدد من الشبان من اجل تشغيل محول الكهرباء يدويا لتوفير الكهرباء لطباعة الجريدة والتي لم تكن تطبع اكثر من الفي عدد لان الاوضاع لم تكن تسمح لاكثر من ذلك ، اما جريدة الدفاع فكانت تصدر في دار الايتام الاسلامية في البلدة القديمة، ونحن لاحقا انتقلنا الى دار الايتام لانه كان هناك ماتور كهرباء وكان مدير الايتام "جميل وهبه" وهو من رجالات القدس المحترمين ، وكان الحاج امين الحسيني يثق به وسلمه الدار لرعاية الايتام هناك
وهنا ساذكر حادثه توضح الاجواء والتنافس بين الصحف ، في ذلك الوقت كان سكرتير التحرير عندنا "ابراهيم سكجها " وسكرتير التحرير في "الدفاع" هو "سليم الشريف"معروف بلسانه سليط ، وعندما انتخب "عارف العارف" لرئاسة البلدية ، حاول الشريف الحصول على عدد من جريدة " فلسطين " اثناء الطباعة لمعرفة المانشيت الاول فيها ، وتصادف اان يصاب سكرتير التحرير بوعكة صحية وطلب مني ان اتولى مهمة وضع المانشيت في الصفحة الا ولى وقمت بوضع مانشيت "العارف يفوز بالانتخابات ووضعته في اطار بارز ، وقام الشريف الذي يحتاج الى عدد قبل الطباعة بإرسال جندي مرافق لقائد المنطقة الى قائلا انه يريد عدد للبيك ، فقلت له : لن اعطي احد أي عدد الا عند الانتهاء من طباعتها فانا لا اريده ان يراها احد!! وبدأ الجندي يصرخ فطردته...! ايام جميله فيها مهنية عالية "
بعد ذلك انتقالنا من دار الايتام الى عمار فراح في شارع صلاح الدين بعد شراء ماكنة طباعة صغيرة وبقينا هكذا حتى عام سبعة وستين، عندما اصدر وصفي التل قرارا بدمج الصحف الاربع الى صحيفين ( فلسطين والمنار توحدتا واصبحت " الدستور " وتصدر في عمان ، اما الدفاع والجهاد اصحبت " القدس " وتصدر من هنا القدس ) واستمرت بالصدور حتى احتلال المدينة عام سبعة وستين، وبعد فترة من التوقف حصل محمود ابو الزلف على ترخيص اسرائيلي لاصدار جريدة القدس ، وبدا باصدار الجريدة التي نعرفها !
من الطباعة الى الاعلان
ويكمل ابو نصار حديثه الشيق " بعد الاحتلال توقفت عندها العمل في الصحافة وفتحت مكتب دعاية واعلان واصدرت مجلة اسمها " الى اين تذهب" اعلانية دعائية وكان مكتبي في عمارة صندوقة ، وجاءت السلطات الاسرائيلية وطلبوا ان احصل على امتياز من السلطات وبعد سبعة اشهر منحت تصريح باصدار مجلة اسمها" الوان " استمرت بالصدور لمدة عامين بعدها توقفت ، واستمرت بالعمل كوكيل اعلانات في القدس بحيث كنت اول وكيل اعلانات في المدينة بعد احتلالها وتوقف عن العمل كليا عام 2011 فاولادي لا يريدون العمل بهذا المهنة المتعبة وهما رجال اعمال ناجحين في الاردن
ما رايك بالصحافة ؟!
وكان لا بد من هذا السؤال في نهاية تلك المقابلة الشيقة وحديث الذكريات النابض فكان رده صادما قاسيا وقال :" حتى الان كل الصحافة العربية كذابه ، والصحفيبن يكتبون من اجل الحاكم ومن اجل جيوبهم ، ولا توجد حرية التعبير!!
