• 23 نيسان 2017
  • مقابلة خاصة

 

 

القدس- اخبار البلد- قدم الدكتور مهدي عبد الهادي رئيس الجمعية الفلسطينية الاكاديمية للشؤون الدولية " باسيا"  ورقة بحثية حول  الاوضاع التي تعيش مدينة القدس في الاوانه الاخيرة ونحن في “ اخبار البلد “ نقوم بنشر ، هذه الورقة كاملة لاهميتها، رغم قيام الدكتور عبد الهادي بنشرها في عدد من المواقع الالكترونية

في الساحة الفلسطينية والعربية حول مسألة "زيارة أو دخول القدس" بعد أربعة عقود من الاحتلال العسكري والاستعمار الكولونيالي و"الضم" الإسرائيلي لمدينة القدس وفلسطين!
يجدد المؤتمر الاسرائيلي الاستراتيجي في هرتسيليا سنويا مقولته أن "العرب خطر استراتيجي على دولة إسرائيل وثقلهم السكاني والديني و الثقافي في ثلاث مناطق رئيسية وهي: الجليل والقدس والنقب ويدعو المؤتمر إلى طرح البرامج العملية والفورية لتقييد وتحجيم الحضور والتواجد العربي.
وقد انتهجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عدوان حزيران 1967 سياسة أسرلة وتهويد مدينة القدس بفرض واقع جديد وحقائق جغرافية وسياسية ودينية لضمان استمرار سيطرة اسرائيل على الأرض والمواطنين الفلسطينيين والمقدسات الإسلامية والمسيحية والتي شهدت عدوانها السافر بإحراق المسجد الأقصى المبارك في 21 آب 1969 والذي أتى على منبر صلاح الدين التاريخي والأثري والرمزي.
لقد صادرت اسرائيل مساحات شاسعة من الأراضي في القدس وأقامت حوالى (13) مستعمرة داخل وحول المدينة ونقلت حوالي 275,000 مستوطن يهودي للإقامة والعمل في المدينة وأحيائها. وفي نفس الوقت فرضت سياسية حرمان ومنع ضد الفلسطينيين من السكن والإقامة والعمل والخدمات الأساسية وحتى الوصول إلى المساجد والكنائس والتعبد فيها.
وفي السنوات الأخيرة، حرصت الحكومات الإسرائيلية على فرض "سيادتها" الأحادية على جميع أنحاء المدينة وحاصرتها بأحزمة استيطانية إسمنتية داخلية وخارجية وقطعت أحياءها العربية كالسكين الحاد الذي يقطع اللحم الفلسطيني وحرصت على نسبة سكانية دون 30% للفلسطينيين مقابل 70% لليهود الإسرائيليين.
هذا وتشهد المدينة حالة سقوط غير مسبوقة في تاريخ الاحتلال وذلك بفرض أجندة الأسرلة والتهويد بدءا من الحفريات المستمرة أسفل المدينة المقدسة بكاملها وبخاصة تحت أساسات المسجد الأقصى المبارك وفتح الانفاق وإقامة الكنس تحت ساحات المسجد الأقصى وإقامة الصلوات والاقتحامات المستمرة لقوات الاحتلال والمستوطنين ورجال الدين اليهودي المتطرفين في ساحات المسجد الأقصى. إضافة إلى انتشار ظاهرة بناء الكنس وانتشار المدارس الدينية والتنظيمات الإرهابية تحت الستار الديني (تعليم التلمود) ثم الاستيلاء على العقارات وتغيير أسماء الشوارع والأحياء وهدم مقبرة "مأمن الله" وإحراق المركز الدولي للكتاب المقدس على جبل الزيتون وإحراق أربعة مراكز مسيحية في القدس وتشويه معالم كنيسة القديس جيورجيوس وتحويلها إلى ناد ليلي.

حقائق وأرقام:
- فقط 13% (ما يعادل 9.18 كم2) من أراضي القدس التي تم إلحاقها وضمها إلى حدود البلدية الإسرائيلية مخصصة لأغراض بناء الفلسطينيين.
- بالمقابل 35% من أراضي البلدية والتي تعادل مساحتها (24.5كم2 ) تمت مصادرتها لغايات بناء المستوطنات، كما تم تخصيص 22% أي ما يعادل (15.48كم2 ) كمساحات خضراء ومرافق عامة، بينما تم تصنيف 20% من الأراضي أي ما يعادل (21.35كم2) كأراض غير منظمة.
- وفقا للإحصائيات فإن عدد اليهود المقيمين في مدينة القدس كان عام (2009) 497,000 ساكن ومقيم وهو ما يعادل (64.3% من مجموع سكان المدينة) حيث يقيم 40% من هؤلاء في المستوطنات. بينما بلغ عدد الفلسطينيين المقيمين في القدس في نفس العام 275,900 فلسطيني أي ما يعادل 35.7% من سكان المدينة.
- هناك حاليا 900 مستوطن (80 عائلة و400 من الطلاب الدينيين) يقيمون في 42 موقعا مختلفا في البلدة القديمة.
- هناك حوالى 2000 مستوطن يهودي يقيمون في القدس في مباني ومنشآت تقع في وسط الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية.
- حوالي 80% من تعداد المستوطنين في الضفة الغربية يقيمون في محيط مدينة القدس على بعد 25كم عنها.
- الجدار العازل (جدار الفصل العنصري) حول القدس يبلغ طوله (142كم) يمر منها (4كم) فقط ضمن مناطق الخط الأخضر (حدود عام 1967).
- في آب 2011 قامت إسرائيل بتسريع عملية بناء (5595) وحدة استيطانية الأمر الذي يؤدي لزيادة نسبتها 11% في عدد الوحدات السكنية المخصصة للاسرائيليين في القدس الشرقية منذ عام 1967.

تعدد الاجتهادات في الخطاب العربي في الحالة في القدس:
الأول: يعتمد تفسير الحالة على أساس "خطاب المؤامرة" ويستند في حجته على نصوص وتفسير "بروتوكلات حكماء صهيون"، في الماضي حيث كانت تبحث عن خريطة من الوهم والأساطير من أجل أن تشكل الأسطورة مبررا وذريعة لتحقيق الأهداف، وفي الحاضر، فإنها تبحث عن روابط التحالف الصهيوني – الأوروبي، وانتقاله إلى التحالف الاستراتيجي الأمريكي- الاسرائيلي وعلى أساس المصالح والمنافع والخدمات المتبادلة لتؤكد "نظرية المؤامرة".
ويرى أصحاب هذا الاجتهاد، أن الرد على "خطاب المؤامرة" يكون في "الحل العسكري" والمثال على ذلك ما حدث لممالك الفرنجة في فلسطين وحولها، حيث انتهت بانتصار القوة العسكرية العربية، وتم ترحيل الفرنجة إلى بلادهم بعد أن مكثوا في فلسطين قرنين من الزمان.
الثاني: يعتمد تفسير الحالة "بالخطاب التاريخي" بمعنى أنها مسألة صراع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وهو صراع ممتد على مدار التاريخ، وأن النصر سيتحقق في نهاية المطاف، وهو نصر حتمي؛ والتاريخ يكتبه للمنتصر. ويرى أصحاب هذا الاجتهاد أن "الحل السياسي" كما هو في نموذج ثورة المليون شهيد في الجزائر هو ما يمكن أن يطبق على الحالة الفلسطينية، ففي الجزائر وبعد انتصار الثورة، قامت حكومة قومية من سكان البلد الأصليين ومنحت المستعمرين الفرنسيين خيار البقاء وحق المواطنة والإسهام في مستقبل البلد ولكنهم آثروا العودة إلى بلدهم الأصلي، فرنسا.
الثالث: يتحدث عن "الخطاب السياسي" ومرجعيته نصوص حقوقية على أساس القانون الدولي وحقوق الإنسان ويقدم مرافعة قانونية سياسية مطالبا بتحقيق العدالة في الحقوق وإدانة ووقف العدوان.
ويرى أصحاب هذا الاجتهاد، في نموذج جنوب أفريقيا، حلا واقعيا براجماتيا لمستقبل الحالة الفلسطينية، حيث تم تصفية "الجيب الاستيطاني العنصري" دون تصفية جسدية للعناصر البيضاء ذات الأصول الغربية التي تولت الحكم في "نظام عنصري" في البلاد، ثم عرض علهم الاندماج في ناظم عادل مبني على أسس الحرية والمساواة.
الرابع:هذا ويتمسك العربي المسلم بالقدس، لأنها في الدرجة الأولى وطنه وأرضأجداده ومحضن تراثه وحضارته ولأنها جزء من عقيدته، فالله سبحانه وتعالى يصفها في القرآن "الأرض التي باركت فيها للعالمين" وهي "الأرض التي يرثها عبادي الصالحون" والحديث النبوي يقول: "إذا ذلت العرب ذل الاسلام" والعرب يقولون : "إذا عزت العرب عز الاسلام" ولهذا فهم حريصون على ثباتهم واستمرارهم على هذه الأرض.
والقدس، عاصمة العقيدة المسيحية، ومقدسة إسلاميا لأن الله قد خصها بإسراء الرسول إليها، وهي أولى القبلتين وفيها ثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، وهي مكان مهاجرة خليل الرحمن، سيدنا إبراهيم، والبيت المقدس (المسجد الأقصى) بنته الملائكة وسكنته الأنبياء وما فيه موضع شبر إلا وقد صلى فيه نبي وأقام فيه ملك، هذا بالإضافة إلى أن ثراها احتوى رفات الصحابة والعلماء والفقهاء والشهداء العرب والمسلمين على امتداد التاريخ.
ونحن معشر أهل القدس، نعلن ونعترف بأننا لا نستطيع وحدنا تحرير القدس ومقدساتها، ويقتصر دورنا على الثبات، والمحافظة على هويتنا وعقيدتنا وتواصلنا مع بقية أهلنا وشعبنا في السجن الكبير وخارجه. بالرغم من التقصير الكبير على الصعيد الرسمي الفلسطيني والعربي، وقد عبر بطريرك القدس السابق، ميشيل صباح عن هذه الحالة في كلمته في مؤتمر القدس الدولي في الدوحة قبل شهرين بقوله:

" القدس تموت ومؤتمركم لن يحيها"
- أما بخصوص قضية القدس ما بين الديني والسياسي " مع التركيز على زيارة المدينة والمقدسات كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة من قبل شخصيات عربية ذات مواقع وصفات دبلوماسية ودينية والجدل حول ذلك فإن:
- "هناك ازدواجية تمنع الجمع بين المبدئية والعقلانية فإما مبدئية غيبية تنص بجمل جاهزة واما عقلانية صادقة تبحث عن طريقة لمجابهة أو الحد من الهزيمة"
- "الحالة الفلسطينية تقيد التقييم العقلاني النقدي وتغرق في "الشخصنة" وتحول دون وضع استراتيجية وطنية "نضالية" يجمع عليها الناس، كل الناس....."
- الموازنة بين المصالح والمفاسد عند التعارض: " وإذا اجتمع في أمر من الأُمور مصلحة ومفسدة ٬ أو مضرَّة ومنفعة ٬ فلا بد من الموازنة بينهما. والعبرة للأغلب والأكثر ٬ فإن للأكثر حكم الكل .فإذا كانت المفسدة أكثر وأغلب على الأمر من المنفعة أو المصلحة التي فيه وجب منعه ٬ لغلبة مفسدة ٬ ولم تُعتبر المنفعة القليلة الموجودة فيه. وهذا ما ذكره القرآن في مسالة الخمر والميسر في إجابته عن السائلين عنهما: (يسئلونك عن الخمر والميسر ٬قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) (البقرة: ۲۱۹) وبالعكس إذا كانت المنفعة هي الأكبر والأغلب ٬ فيُجاز الأمر ويشرع ٬ وتُهدر المفسدةالقليلة الموجودة به.

ومن القواعد المهمة هنا:
• أن درء المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
• يكمل هذه قاعدة أخرى مهمة ٬ وهي:
• أن المفسدة الصغيرة تُغتفر من أجل المصلحة الكبيرة.
• وتُغتفر المفسدة العارضة من أجل المصلحة الدائمة.
• ولا تُترك مصلحة محققة من أجل مفسدة متوهمة." (يوسف القرضاوي، في فقه الاولويات)
وبعد...
- وحتى لا تنفرد "نجمة داوود" في التحكم بأقدارنا في القدس أو يُفرض علينا قاموس التخوين الوطني والتكفير الديني بدلا من التمسك في الثوابت الوطنية وتراث عروبتنا وأصول عقيدتنا الاسلامية والمسيحية أرجوكم لا تحّرفوا "سورة يوسف" التي قرأنها ودرّسنها كأحسن القصص أو تخلطوا بين صورة "يوسف" المجتهد عندما أخطأ فكانت له حسنة أو عندما أصاب فكانت له حسنتان... وأرجوكم ألا تشخصنوا قضيتنا أو تلطخوا قميصنا بدم كاذب وألا تسقطوا في مستنقع خلافاتكم بل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم بعيدا عن حبال التمنيات وصراخ الشعارات لأن في القدس مقدساتنا وتراثنا وهويتنا وحياتنا ومستقبلنا، وأهلها فلسطينيون مسلمون ومسيحيون، أهل رباط صامدون مهما طال الزمن وغاب العتاب عليكم ومنكم فالشكوى لغير الله مذلة.
- وبناء عليه فإن غالبية أهل القدس يرحبون بزيارات هادفة ومدروسة فنحن من مدرسة قائد معركة القدس فيصل الحسيني صاحب المقولة الشهيرة التي رددها واقتبسها معظم المسؤولين الفلسطينيين ولكن دونما التأكيد على مصدرها "أن زيارة السجين ليست اعترافا أو تطبيعا مع السجان" والقدس اليوم أسيرة وبحاجة لمن يتضامن معها ولا نرى مبررا للخوف أو التردد ولكن الأمر الذي "يشوه" هذه الزيارات هو عندما "تتم في العتمة" دونما تنسيق أو حضور لأهل القدس حيث أن الهدف هو التضامن مع الفلسطينيين في القدس وكان من باب أولى دعوة ممثلي المجتمع المدني والشخصيات العامة والدينية في القدس حتى تكون مع الزائر جنبا لجنب بدلا من ظهوره مصحوبا بحراسة الاحتلال، وإننا نعارض ونرفض قذف الناس بتهم "التطبيع" جزافا وبصورة عشوائية لأن في ذلك عدوانا على حرية وحركة الانسان