- 4 حزيران 2017
- مقابلة خاصة
بقلم : بسام البدارين
جارحة وعميقة الى حد كبير تلك المداخلة الاعتراضية العبثية التي عبر عنها الممثل الاردني عمر خليفة وهو يتحدث عن مدينة عمان الخالية تماما من البصريات والتي لا تسجل ولا توثق بالكاميرا او بالفن ما يجري فيها ولا تتحدث عن مشكلاتها ولا عن صورتها الحقيقية.
حتى الاشياء الجميلة او الابداعية في عمان لا تلتقطها البصريات حيث لا توجد رعاية من اي نوع تجعل ابن عمان بصرف النظر عن خلفيته الاجتماعية او العشائرية او حتى السياسية يرى نفسه او مدينته في صورة من اي نوع تعكس ولو جزءا من الحقيقة.
نعم عمان مدينة كوزمو بوليتيكية الآن فعدد الذين يعيشون ويمرون بها يقترب من ستة ملايين شخص وفيها نحو 70 جنسية.
هؤلاء لا مكان لهم من اي نوع في عالم البصريات واي عملية بحث حقيقية بعيدا عن معاناة الدراما والفن والنجوم في التفاصيل تظهر بأن عمان قد تكون العاصمة الوحيدة في الدنيا التي تخشى ظلها وتخاف، خلافا للمدن التي خلقها الله وعاش بها البشر من التحدث عن نفسها سواء ما يشمل الايجابي فيها او السلبي.
عمان تخشى ظلها وصورتها، تلك فعلا صورة معبرة عن مدينتي التي اعشقها والتي يرى اهلها انها اجمل بقاع الكون لكن الاعلام والانتاج الفني لا يتحدث عن هذه المدينة، ونخبها المثقفة منقسمة الى مجموعتين الأولى تبحث عن لقمة الخبز والعيش الكريم وسط ضيق الحال وقلة الحيلة.
والثانية تستوطن باسم الاطراف والمحافظات والتمثيل الاجتماعي والعشائري اجمل المدن لتحقيق امتيازات ومصالح شخصية.
ثقافة عدم تحدث الاردنيين عن بعضهم مستقرة ولا حتى عن انفسهم وقد سمعت شخصيا من رئيسين للوزراء على الاقل فكرة غريبة تقول بان الاردني الوطني والمنتمي هو ذلك الذي يخفي مشكلاته ولا يتحدث عنها وبان المواطن الصالح هو الذي لا ينشر غسيل مدينته او بلده.
لا اعرف وصفة يمكن ان تشرح خلفية مثل هذه القواعد المستقرة في وجدان السياسيين في عمان العاصمة الا اذا كان المقصود تداول السلطة والنفوذ والمال من قبل عدد ضيق من الاشخاص في المدينة المفعمة بالايقاعات اليوم ليس فقط على حساب الناس والمجتمع والشعب.
ولكن ايضا على حساب الدولة والمؤسسات وللاستمرار في السحب من رصيد النظام الذي لا يواجه سؤالا مطروحا من أي نوع وفي اي وقت تحت عنوان الشرعية.
عمان متوجسة وقلقة ليس فقط لأنها تعاني من الازدحام وارتفاع الاسعار ولأن طبقتها المتوسطة تذوب وتتلاشى أو لأن الغرباء يتكاثرون فيها.. هي كذلك لأنها بلا صورة عمليا فإعلامها لا يتحدث عنها ولم توثق لها فعلا ولا لحكاياتها وقصصها وما يحصل في حواريها وقراها وضواحيها اي برامج تلفزيونية توثيقية او اعمال مسرحية او حتى مسلسلات.
عمان مدينة أجبن من الفرد فيها وتبدو غير مؤمنة بالتعبير البصري والتوثيقي والتسجيلي خلافا لقيادتها.
اهل هذه المدينة لا يمــثلون انفسهم في مجلسها البلدي وعمدتها ليس منتخبا وتلفزيون الحكومة الرسمي لا يرى اهـــــل عمان فيه صورتهم على اي نحو.. عندما يلمح اي ناقد او صاحب رأي او فكرة لمسألة من هذا النوع يمطره من يزعمون الوطنية ويحترفون الخوف والتحذير بأطنان من معلبات الاتهامات الموسمية.
عمان مدينة تتحدث عن نفسها يوميا ولأهلها لهجة منحوتة وفيها ايقاع شامي وآخر عراقي وثالث شركسي وشيشاني وفيها ايضا ذلك الايقاع العذب النقي الذي يحيط ببعض أطرافها وهي تعبر عن مزيج ابداعي من الثقافات واللكنات واللهجات يؤهلها لأن تكون مدينة كونية بامتياز.
لكن كل ذلك لا يتم تصويره ولا توثيقه ولا تلتقطه الكامـــيرات ولا يتحول الى افلام او مسلسلات او برامج.
السلطة المرعوبة فقط هي التي تمنع اهل مدينة بهذا الاتساع والابداع والتنوع من تسجيل وتوثيق أنفسهم والاعلام المركوب فقط هو الذي لا يؤمن الا بفارس قصير الارجل يمتطي جحشا وينبذ الأحصنة.. هذا ما يجري عندما يتعلق الأمر بعمان التي يخذلها أهلها ولا يستطيع اولادها من النجوم والرموز التحدث عنها لأن الاسطوانة المشروخة متجذرة في اعماق المؤسسات والنخب الاردنية وهي التي تؤمن بان الحديث عن الوقائع والحقائق يمكن أن ينتهي بأزمة او مشكلة او اضطراب اهلي.
تلك وصفة امنية قديمة بامتياز اخترعها مدير سابق للمخابرات ورحل الرجل وبقيت وصفته بلا تحديث او عصرنة او مراجعة تحكم مسار كل النقاشات تحت عنوان الوضع العام في البلاد لا يحتمل الحديث عن الحقيقة.. طبعا عمان هنا كانت اول المدن المتأثرة حيث تتغير الآن بصمت وبطء وبطريقة لا تعبر عن نفسها لأن الاردني يخجل من الحديث عن مشكلاته ويخشى التغيير ويرتاب بكلفة الاصلاح او لأن الانسان بطبيعته لا يحب صورته في المرآة.
أجزم شخصيا بأن الجرعة المرة من كلام الفنان عمر خليفة تسلط الضوء على واحدة من اهم القضايا المسكوت عنها في الاردن.. عمان تخشى ظلها بقرار سياسي وبالتالي تغادرها تلك البصريات بقرار أمني لأن الجميع يتوجس خيفة من قول الاشياء كما هي وهو ما لا تفعله بالعادة المدن التي تثق بنفسها.
عن القدس العربي

