- 4 تموز 2017
- مقابلة خاصة
بقلم : د عايدة النجار
لأن إسرائيل تعرف تماما ماذا تعني القدس للعرب المسلمين والمسيحيين ، تواصل وحشيتها ضد هذه المدينة المميزة في العالم . وتعرف أن هذا التميز لا يأتي فقط لكونها تحمل التاريخ والجغرافيا والأماكن الدينية في بطون التاريخ فحسب ، بل لمن صنع المدينة من اهلها ولتعلقهم بها . ما تقوم به إسرائيل هذه الأيام من موجة اعمال وحشية ضد” شوارع القدس العتيقة “، ومحالها التجارية لدليل واضح على نواياها الاستعمارية . باغلاقها حارة باب حطة القريبة من المسجد الاقصى، واغلاق جمعية خيرية وطرد موظفيها فهي تستمر بالانتقام ممن يسكن في هذه الحارة التاريخية العربية العريقة .
حارة باب حطة تتكون من أحواش تضم بيوتا تسكنها عائلات ممتدة تتكون من غرف وإيوان تتوزع على طابقين يعيشون متمسكين بالعادات والتقاليد الفلسطينية العريقة ، التي تنبعث منها رائحة اكلات النساء المتشابهة من المحشي والمقلوبة وورق الدوالي والملوخية . كان أكثر سكان هذه الحارة من” الخلايلة “ أي أهل الخليل ، حيث سكنوها بعد أن عملوا في التجارة وافتتحوا أكثر من محل لتجارة الاقمشة والمنيفاتورة ، التي كانوا يستوردونها من الشام قبل الاحتلال . وكما هو معروف عن أهل الخليل ، أنهم زرعوا الصخر لينبت كروم الدوالي والعنب الخليلي من الأسود والأحمر والاخضر ، ليصنعوا منه الشراب و “ العنطسبيخ “ أي العنب المطبوخ الذي صنعوا منه الملبن المشهورين به المطعم بحب قريش . برزت عدد من العائلات الخليلية في حارات القدس العتيقة والجديدة بعدما استقرت بعملها في القدس في التجارة ، منها عائلة بركات التي فرضت وجودها في السوق ، ويبدو أن هذا ما أهّل الشيخ عبد الباري بركات أن يكون بين أعضاء الهيئة الادارية في الغرفة التجارية العربية في القدس في سنة تأسيسها 1936 ، كما برز الحاج طاهر بركات في العائلة ، عمل معهم ابناؤهم وأحفادهم ، وتجذر اهل الخليل في حارة باب حطة كما حارات أخرى . ولعلهم بصمودهم في القدس كما الخليل ، يظلون شوكة في حلق الاحتلال . الخلايلة في القدس او الخليل لعبوا وما يزالون دورا ضد الاحتلال . إسرائيل تراقبهم كما كل فلسطيني حر وتخاف منهم . تقوم هذه الايام بسلسلة من قمع الفلطسنيين و منها تشجيع جماعات يهودية مهووسة عدوانية تتعلق بالهيكل وخرابه في مستوطنة” كريات أربع “ بمدينة الخليل . وتستمر بتعبئة اليهيود المتطرفين بالكراهية للعرب والمسلمين .
اسرائيل قرأت تاريخ حارات القدس ، وتعرف معنى تمسك الفلسطيني بالبيت والجيرة ، والالتزام بالصلاة في المسجد الاقصى القريب من كل الحارات ، فكيف بهذه الحارة الخليلية التي ما زال فيها جمعيات خيرية وانسانية تعزز الصمود وتدافع عن الاقصى وترابط نساؤها للدفاع عن القدس التي تعمل إسرائيل على تهويد ما تبقى منها . مستمرة إسرائيل بالاعتداء على كل من يتصدى الاحتلال ، كما يفعلون اليوم بموظفي الاوقاف الاسلامية والاعتداء عليهم وهم يقومون باجراء الترميمات. إسرائيل اليوم تحتل كل حارات القدس العتيقة التي تحمل الهوية وذاكرة المكان . ولعل صوت بائع الكعك بسمسم في باب العمود الذي يؤدي للحارات العتيقة تذكرهم بالجذور المرتبطة بالأرض .
ليس فقط حارة باب حطة ما يريدون تفريغها من أهلها ، ففي القدس حارات تحمل أسماء مواقعها أو بأسماء العائلات أو الطوائف التي كانت تقطنها ، تتفرع منها أزقة وعقبات ، بلغ عددها أكثر من 31 . منها حرة النصارى ، وحارة المغاربة التي هدمتها إسرائيل ، و حارة باب العامود ، وحارة السعدية وحارة الشرف وغيرها .
في كتابي” القدس والبنت الشلبية “ الصادر 2011 أخذت نفسي وبنات فلسطين “الشلبيات “ الي القدس لأسترجاع الحياة الاجتماعية لهذه المدينة التي لها مكانة خاصة على مر العصور ، وهي عزيزة على كل من عرفها أو زارها أو قرأ عنها وزار حاراتها التي تفوح منها رائحة الحياة وكأ ن أصوات طلاب وطالبات المدارس نسمع من شبابيكها المطلة على أسوار القدس وحاراتها العتيقة وصداها يقول : “ موطني موطني “ .. وهذا ما يغيظ العدو . !

