• 24 تموز 2017
  • مقابلة خاصة

 

 

بقلم: جري سالم الجري 

لورنس "العرب" لمن يكن ثعلبا عبقريا بل إرهابيا خبيثا، وكان مكلفاً بمهمة بسيطة جدا، هي تكوين خلايا إرهابية داخل الوطن العثماني، تتقاضى مصالح منه لكي تتعاون معه في تفجير قطار الحجاز الذي يصل بين عاصمة دنيا المسلمين إسطنبول التركية بعاصمة الدين مكة المكرمة مرورا بسوريا. ولكنه وجد أناساً أهل شرف وسمعة يريدون تأسيس تحالفات قبائلية أكبر بغية تحقيق ظاهرة جديدة في تاريخ البشرية وهي نشوء دولة عربية وهوية مواطن عربي، فلماذا السادة والأشراف من العرب المسلمين كانت عندهم هكذا جاهزية لتكسير أذرع وطنهم المسلم؟ وهل تم غسل أدمغة الأجيال المقبلة لدرجة ظنهم أن العرب كانوا عبيد الأتراك لمدة 600 عام؟

تزامن مع هذه الأحداث نشوء قوة "الأجندة الباطنية" في تركيا التي تسعى لتعجيل الكهل الهرم المسمى بالخلافة العثمانية آنذاك للموت، فمن المبكي أن المحللين الغربيين كانوا محقين حينما صوروا الخلافة العثمانية في آخر أيامها بالعجوز الذي ذابت أطرافه والمدفون بسندات الديون. فهذه الحالة المؤسفة لإمبراطورية آل عثمان التي ولدت أبطال مثل سليمان القانوني وغيره، تؤكد ما قاله الشاعر (بقاء الحال من المحال).

ولكن الطامة كانت في طريقة سقوط هذه الخلافة بشكل غير طبيعي. فمن المألوف سقوط خلافة وبروز غيرها، ولكن هذه المرة تعمد الغرب حقننا بفكرة القومية التي تفصل المؤمنين عن بعض. فكيف تم ذلك؟ وما مدى نجاحه؟

تثبت الوثائق التاريخية استخدام رعايا الخلافة الإسلامية العثمانية للفظة (مسلم) و الأعاجم أغلبهم يقولونها (مسلمان) فالناطق بالفارسية يقول (من مسلمانم) والتركي يحمد ربه قائلا (بان مسلمان). وكان هذا كل ما احتاجوا إليه من "فيزا" لحفظ حقوقهم وتعليمهم "بالكتاتيب" و للذود عن أعراضهم و الدفاع عنهم و تطبيبهم وهم تحت غيوم سماء الخلافة العثمانية العملاقة العابرة للقارات. ولفظة (عربي/ عربان/أعرابي) كانت لأهالي الصحراء غير المتعلمين وغير المنخرطين في نظم الحضارة الإسلامية، وكذلك كلمة (تُرك) كانت لعامة أهل الأرياف بالوديان في الأناضول. وكان الزواج ممتزجاً بين كل المسلمين، فلقد طبقوا حديث رسول الله صلى الله عليه ( لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى ). ولكن لكي نسلط الضوء على قضية ما ان تم اضطهاد الذين نطلق عليهم بالمصطلح المعاصر "العرب" من قبل "الأتراك" بالسيادة العثمانية، فينبغي لنا إبطال جهد لورنس والتعامل مع المسألة بدون العنصرية المنتنة.

لم يكن أبدا هدف أجدادنا العباسيين إعلاء القومية العربية، بل تثبيت أقدام المسلمين على أراضي الأعداء في كل الميادين العلمية والعملية والاقتصادية والسياسية لوجه الله. فلما هرمت العباسية وجاء أفجع عدو في التاريخ "المغول"من المشرق لطحن عاصمتها في العراق ومن ثم الشام برز نجم آل عثمان، فهرع المسلمون لمبايعتهم لأنهم في الوقت الراهن كانوا هم الأقدر والأعظم من حيث القدرة العسكرية.

رفع آل عثمان راية التوحيد عاليا وأعزوا العرب بمناصب فخمة وحموا الأمازيغ (بالجزائر) و أنقذوا الأندلسيين وحاربوا الإسبان النصارى. فإن كان عمر الخلافة العثمانية يعادل أضعاف عمر السعودية و أضعاف عمر جمهورية مصر وتركيا و ليبيا مجتمعين فمن الحماقة صبغ كل أرشيفها بفرشاة واحدة.

بعد زمن يتجاوز الـ600 عام من تأسيسها، وصلت الخلافة العثمانية إلى حالة ضعف شديد. وهي على كامل الوعي بوجود مئات الخلايا والتكتلات الداخلية التي تتقاتل فيما بينها لخطف العرش فور أقصر انزلاق، كما كان قلقها المزمن من خطر الدول الغربية والإمبراطوريات التي تحيط حواليها على مدار البوصلة. زاد الطين بلة كتاب "عرب" محسوبون على تيارات دينية صوفية ذات شعبية عالية في سوريا مثل عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله الذي اشتهر بكتابه

«طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، عبر فيه عن استهزائه باللغة التركية والعقلية التركية، وصرح باعتزازه بفكرة "متطورة" وهي القومية العربية. ليلقى تعاونا من كتاب سُنة من بغداد والكوفة ذوي أقلام جريئة تمتص حبر الفكر الغربي لتكتبه برسم عربي ظنا منهم أن هذا هو المسار الماجد الجديد.

ولكن للأسف، وجدت الشعوب تبريرا لذلك حينما مارس العديد من الولاة العثمانيين، سواء العرب منهم أو الاتراك، التعزير الشنيع و الصلب و الشنق لكل من يروج لطرد السلطة العثمانية أو ينكر ضريبتها "الزكاة الإسلامية". كما اختطف بمنطقة أبها و عسير الولاة الأتراك رؤساء قبائل مثل (رجال ألمع) و كذلك راكان العجمي الشاعر الشهير، لكي يلووا أيادي العرب. استغل الفوضى البريطانيون، و نفخوا في النيران وطبعوا بقلوبنا هذا الكره الظرفي و ابدلوا خلافتنا بـ"الشرق الأوسط". فهل بعد هذا الوعي سنرى أنفسنا كما يريدون أم كما أراد خالقنا؟

فتخيلوا أن بذاك الزمان شيخا عربيا مدح الأتراك كيف سيتغير التاريخ؟ فما بالكم أن سيد سادات الإنس قال ( لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الأمِيرُ أمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ).