• 24 كانون أول 2019
  • مقابلة خاصة

 

 تود شبكة "أخبار البلد" ان تشكر الدكتور وليد سالم لتخصيصه  "أخبار البلد" بنشر دراسته المميزة حول القدس وحراكها الاجتماعي، تلك الدراسة التي كانت  قد نشرت في مجلة خاصة بجامعة القدس ، يسعدنا نشرها ايمانا منا بأهمية هذه الدراسة لفهم أحوال القدس  وأهلها.

 

بقلم : د. وليد سالم

 

يهدف هذا البحث الى تشخيص وتحليل حالة الحركات الاجتماعية في القدس الشرقية في اطار مثلث  إستيطاني إستعماري إحتلالي أبرتهايدي، والتحولات التي طرأت على هذا الكفاح بين مرحلتين: الكفاح الوطني العام ( 1967-2001) ثم الانتقال الى الكفاح المحلي من عام 2001 وحتى اليوم. في جانبه النظري  يشمل البحث إستعراضاُ مكثفاُ لمفهوم وتعريف الحركات الاجتماعية بأنواعها السياسية والتنموية والمجتمعية، ودورها في تطويرالسيادة وبنائها، كما يتضمن تحليل البيئة الاستيطانية الاستعمارية التي تعمل في إطارها  الحركات الاجتماعية في القدس الشرقية  والردود الفلسطينية الرسمية عليها. ويتطرق البحث  بعد ذلك إلى مراحل العمل الوطني الفلسطيني في القدس وأدوار  الحركات الاجتماعية  في بناء السيادة على القدس من أسفل  أو بالتكامل مع أعلى  منذ عام ١٩٦٧. وفي الختام يعرض البحث  دروساً مستفادة وأسئلة وخلاصات حول مغزى تحول الحركات الإجتماعية في القدس الشرقية من العمل الوطني الكفاحي العام إلى العمل التنموي المجتمعي المحلي. كما يشتمل القسم على  إقتراحات عمل للمستقبل فلسطينيا وعربيا ودوليا بشأن إمكانية  اعتماد الحركات  الإجتماعية كرافعة لبناء السيادة الفلسطينية على القدس من أسفل ولاستعادة مركزيتها على كافة المستويات.  

تجدر الإشارة إلى أن القدس التي سيتطرق اليها البحث هي القدس الشرقية المحتلة عام ١٩٦٧، وليس كل القدس بشرقيها وغربيها، حيث تحتاج الحقوق الفلسطينية في القدس الغربية بكل مكوناتها وتعقيداتها إلى بحث خاص. 

الكلمات المفتاحية

بناء السيادة من أسفل ومن أعلى، الحركات الجماهيرية، التنمية المبنية على المجتمع المحلي، القدس الشرقية، التحرر والاستقلال. 

المحور الأول: إطار نظري مفاهيمي - تاريخي

يحتوي هذا المحورعلى مقدمات لفهم الحركات الإجتماعية وأدوارها في إطار إستيطاني إستعماري ومكونات أخرى ولهذا سيشمل القسم جزءا نظريا لتعريف الحركات الإجتماعية وكذلك أدوارها في بناء السيادة، كما يتضمن جزءاً نظرياً- تاريخياً حول كيفية فهم نظام السيطرة الصهيوني في القدس الشرقية وآفاقه وأخيرا يضم القسم عرضاً موجزاً للردود الفلسطينية الرسمية على  نظام السيطرة الصهيوني المذكور.

تمثل هذه الأجزاء الثلاث للقسم الأول مقدمات من أجل تبيان دور الحركات الإجتماعية في خلق السيادة من أسفل في القدس الشرقية علما ان السيادة في إطار استيطاني إستعماري يمكن أن  تفهم  وفق هذا البحث على ثلاث درجات: درجة الحد الأدنى المتمثلة بالحفاظ على الوجود الوطني في المدينة وتثبيته ودرجة الحد الأوسط المتمثلة بتحقيق الإستقلال الوطني، ودرجة  الحد الأعلى بالإستقلال التام من التدخلات الخارجية وذلك في إطار نظام ديمقراطي يقوم على أساس سيادة المواطن أولاً وجعل سيادة الدولة نتاجا مركبا لمجموع سيادة المواطنين والمواطنات.

يأتي الإجتهاد أعلاه حول مفهوم السيادة في إطار مرحلة ما قبل الدولة  وخلال الكفاح من أجل قيامها  كتطوير لمفهوم السيادة الكلاسيكي في إطار الدولة  والذي لخصه كريسنر وهو يقضي بإشتمالها على أربعة مكونات هي:  السيادة  الداخلية ( الضبط الداخلي من قبل الدولة ) والإستقلال ( بمعنى السيطرة على الحركة عبر الحدود) والسيادة القانونية الدولية ( الإعتراف الدولي) والسيادة الوستفالية ( بمعنى عدم وجود سلطة أخرى فوق سلطة الدولة مثل سلطة الكنيسة مثلاً)[1].   

الفرع الأول: الإطار النظري

يعود البحث في الحركات الاجتماعية الى النظريات المرتبطة بفلسفة العمل، مقارنة بفلسفة العلم[2]. الفلسفة الثانية  تهتم بدراسة الواقع الموضوعي من خارجه، أما الفلسفة الأولى فتهتم بدراسة سلوك الفاعل في علاقته التفاعلية المتبادلة من التأثير والتأثر مع البنية، وهو ما اطلق عليه جيدنز اسم ال"structuration".[3]

ضمن هذا المنظور يقع مفهوم ودور الحركات الاجتماعية بفروعها الثلاث :الاجتماعية الفاعلة على المستوى الإجتماعي الكلي، والمجتمعية العاملة لتنمية المجتمع المحلي والحركات السياسية الهادفة  للتغيير السياسي، وكلها حركات مبنية بحكم التعريف على رابطة المواطنة، وليس على أسس عشائرية وفئوية وزبائنية. فالحركات الإجتماعية تفعل من أجل أهداف وغايات عامة غير ذات علاقة بالانقسامات ما قبل المواطنية. وفي هذا الإطار عرف تيللي الحركات الاجتماعية على أنها: " أشكال متميزة من السياسة التنافسية: التنافسية بمعنى أن الحركات الإجتماعية تتضمن تكوينا جماعيا لمطالب فيما لو حققت فإنها ستتناقض مع مصالح طرف آخر. والسياسية بمعنى أن الحكومات من شكل معين أو آخر تنظر بدرجة معينة الى عملية المطالبة، سواء من زاوية المطالبين بها، أو هدف المطالب، أو الحلفاء في هذا الهدف،  أو أنها تراقب عملية التنافس."[4]

 

يعني هذا التعريف أن الحركات الاجتماعية تتشكل وفق هدف / أو أهداف يجمع عليها أعضاؤها، كما وتتحالف مع حركات أخرى تلتقي معها في ذات الهدف، من أجل الضغط على الدولة لتحقيقه. يدور الحديث هنا عن صيغة تنافس ديمقراطي سلمي ، وليس صيغة صراع بين تشظيات وشراذم تصرف نزاعاتها بطرق عنيفة وإقصائية. ويستخدم تيللي مصطلح ( WUNC) كمعبر عن مجموع سمات للحركات الاجتماعية التي تتضمن: ال worthiness (القيمة)، وال unity (الوحدة)، والnumbers(الإعداد)، وال  commitment (الالتزام)[5]. ويميز تيللي اخيرا بين الحركات الاجتماعية وفق سماتها اعلاه وبين الأفعال الاجتماعية وبين الشبكات التي قد وتشارك بها الحركات الاجتماعية ولكنها لا تمثل حركات اجتماعية بذاتها[6]. ويضيف هذا البحث سمة أخرى للحركات الإجتماعية تتمثل في أنها تبنى على رابطة المواطنة  ولهذا فإن الحركات القائمة على اسس عشائرية او جهوية أو طائفية لا تدخل في إطار تعريف الحركات الإجتماعية  الذي تتبناه هذه الدراسة.

من جهة أخرى يحلل تورين دور الحركات الاجتماعية في المجتمعات ما بعد الصناعية والتي يسميها ب " المجتمعات المبرمجة"،[7]  حيث يرى تورين أن الصراع في هذه المجتمعات لم يعد بين الرأسمال والطبقة العاملة فقط كما كان الحال في المجتمع الصناعي، بل اصبح صراعا بين صناع القرار السياسي والاقتصادي وبين " أؤلئك الذين اختزلوا إلى مجرد مشاركين اعتماديين."[8] ويشمل ذلك المشاركين الاعتماديين داخل الدول المبرمجة ذاتها ، وكذلك دول العالم الثالث ذات المشاركة الاعتمادية مع الدول المبرمجة بما يحول دون تحقق استقلالها.[9] بناءا على ذلك يرى تورين أن المجال قد اصبح مفتوحا لتشكل حركات اجتماعية واسعة تتجاوز الطبقة العاملة ولتشمل كل المشاركين الاعتماديين.[10]ويتفق روبرت كوكس مع تورين اذ اطلق اسم "القوى الاجتماعية " على تلك المهيئة لتشكيل حركات اجتماعية مناهضة لنظام الهيمنة القائم في المجتمعات ما بعد الصناعية.[11]

تعالج الادبيات السابقة أدوار الحركات الاجتماعية في السياق الغربي، حيث توجد دولة وديمقراطية ومواطنة ومؤسسات ، ولكنها لا تعالج الدور الذي تلعبه هذه الحركات لمقاومة الاستبداد وفي غياب الدولة ، وكذلك في الإطار الاستيطاني الاستعماري مثل ذلك القائم في فلسطين. وقد تصدى بعض الباحثين الفلسطينيين لمعالجة هذه الفجوة، وفي هذا الإطار كتبت تراكي عن نمو الحركات الجماهيرية في فلسطين بعد عام ١٩٦٧ ودورها في الانتفاضة الأولى، ولكنها لم تعرف الحركات الإجتماعية مما ادى بها الى عدم التمييز بين المنظمات المهنية غيرالتمثيلية والمنظمات التمثيلية والشبكات والمنظمات غير الحكومية  واحتسابها  كلها معا على انها حركات اجتماعية[12].  وذلك على عكس ما فعل تيللي الذي حصر الحركات الإجتماعية بتلك المشتملة على عضوية ملتزمة بالعمل من أجل هدف محدد ذو قيمة. وقد اعتبر حليلة وهيلترمان الحركات الاجتماعية في فلسطين على أنها المنظمات التمثيلية اساسا[13]، وتوافق معهما بطريقة غير مباشرة جقمان الذي إنتقد تحول الحركات الجماهيرية ومنها النسوية الى منظمات مهنية تفتقر للقاعدة الجماهيرية، وتكتفي بإعتماد الإختصاص والبرامج الممولة[14]، وهو أيضاً ما إنتقده بشارة[15]. هذا فيما أشار البرغوثي الى ضرورة تحول الحركات السياسية الى حركات اجتماعية تدمج بين البرنامجين الوطني ، والديمقراطي الاجتماعي.[16]

 

لم تعالج الدراسات الفلسطينية حول الحركات الاجتماعية دورها  في إطار استيطاني استعماري بشكل كاف بعد، وهذا ما ستحاول فعله هذه الورقة مع تركيز على القدس، بدءاً بتحليل واقع الإستيطان الإستعماري والشامل لمركبات أخرى فيها، ودور الحركات الاجتماعية في مواجهته من خلال الكفاح الوطني، وكذلك البناء التنموي من أسفل وهو ما تتصدى له الأقسام القادمة من هذه الورقة.

قبل القيام بهذا التحليل تجدر الاشارة الى جزء آخر من فلسفة العمل تيبناه هذا البحث في تحليله لأسس بناء السيادة في القدس وفلسطين وذلك على أنها نتاج لتفاعلات الفاعلين بمن فيهم الفاعلون غيرالدولانيون  non-state actors))، وبينهم وبين البنية المتشكلة وهي الدولة في هذه الحالة. بهذا المعنى يصبح تشكل الدولة وسيادتها عبارة عن عملية وصيرورة قيد التكون والتحول والتغير المستمر لا مجرد حالة ستاتيكية تتكون دفعة واحدة لشعب يعيش في إقليم وله حكومة ، وتبقى ثابتة تفعل وفق قوانين ثابتة جامدة لا تتغير تحكم العلاقة بين مكونات الدولة الثلاث المذكورة.

وفق هذا المنظور يصبح بناء السيادة فعلا تشاركيا بين أعلى وأسفل، حيث تقوم نخب الدولة السياسية والاقتصادية بما عليها من أعلى، وذلك بتفاعل مع بناء السياسة والاقتصاد والمجتمع والتنمية من أسفل وبالمشاركة الكاملة مع المواطنين والمواطنات. 

هذه العلاقة التبادلية لبناء السيادة من أعلى وأسفل معا، هي سمة لمجتمع ديمقراطي مبني على المواطنة، حيث تصبح سيادة الشعب نتاجا لسيادة المواطن أولاً وليس كقدر مسلط عليه.

وفي غياب هذه العلاقة المتبادلة  تبنى سيادة الأعلى على الأدنى ويسود التسلط والتعسف، أو تنشأ حالة معاكسة من الفوضى

حيث يغيب القاسم المشترك ويحكم كل وفق قيمه ومفاهيمه الخاصة.  وفي هذا الإطار اشارت ماري أندرسون  إلى ضرورة الابتعاد عن حالتين :الاولى هي  مط التنوع الى نهاياته بحيث يؤدي الى الفردية المطلقة والفوضى وبالتالي إلغاء التفاهم على قيم وقواسم مشتركة، والثانية هي الابتعاد عن مط القواسم المشتركة الى نهاياتها مما يودي بالتنوع وينتج الاستبداد. بين هذين التطرفين تنصح اندرسون بتعزيز التنوع ولكن بدون إهمال بناء القيم وقواعد العمل المشتركة بين المتنوعين لتعزيز عافية المجتمع، والحيلولة دون تحول التنوع الى حالة تشرذم تؤدي إلى تفسخ روابط وقيم المواطنة المشتركة،[17] وتستبدلها بشتى الإنقسامات  العشائرية والطائفية والفئوية والزبائنية.

وبناء على ما تقدم يمكن العمل على بناء السيادة في إطار التخلص من  الإستيطان الإستعماري  وفق الدرجات الثلاث التي تم إيرادها في بداية هذا القسم.

 

الفرع الثاني نظام السيطرة الصهيوني  في القدس الشرقية : إطار نظري تحليلي موجز.

لا يكتمل الإطار النظري العام لفعل الحركات الإجتماعية في القدس الشرقية بدون التطرق الى نظام السيطرة الصهيوني القائم في المدينة وتأثيره على فعل الحركات الإجتماعية في المدينة. في هذا الإطار هنالك عدة مقاربات  حول تعريف نظام السيطرة المذكور حيث تنحو بعض الدراسات الى إعتبار ما هو قائم في فلسطين المحتلة بما فيها القدس بعد عام 1967 على انه احتلال عسكري فقط[18] متجاهلين الطابع الإستيطاني الإستعماري القائم فيها.

من وجهة نظر هذه الدراسة تخضع القدس الشرقية سياسياً واقتصادياُ واجتماعياُ تحت مركب يشمل الاحتلال، والاستيطان الكولونيالي، والاستغلال الإقتصادي الكولونيالي، والأبارتهايد، والتطهير العرقي والفصل الجغرافي والتفكيك الداخلي والعزل  ويترافق ذلك مع ممارسات نيوكولونيالية غربية تجاه فلسطينييها[19].

تخضع القدس أولاً للاحتلال العسكري الذي بدء منذ عام 1967، ولكن خلافأً للضفة الفلسطينية فقد تم اخضاع القدس الشرقية الى اشراف الشرطة وقوات حرس الحدود والتي تلجا للجيش في الحالات القصوى، فيما تمارس الصلاحيات "الأمنية" الصهيونية في الضفة بواسطة الجيش الصهيوني بشكل أساسي. على أن هذا الاختلاف ليس الا اختلافاً شكلياً، فالشرطة وحرس الحدود يمارسان في القدس الشرقية ما يمارسه الجيش الصهيوني في الضفة، وفي السنوات الأخيرة منذ عام 2014 (عام إستشهاد الطفل محمد ابو خضير) شهدت القدس الشرقية أعمال قتل واسعة ضد الأطفال الفلسطينيين بإدعاء حملهم للسكاكين، والذين يكون بمقدور قوى الأمن الصهيونية اعتقالهم ولكنها كانت ولا زالت تلجأ لقتلهم بدلاً من ذلك، كما تحولت القدس من عام 2014 فصاعداً الى ثكنة عسكرية، وذلك كما كان حالها خلال سنوات الانتفاضة الثانية (2000 - 2005) والانتفاضة الأولى (1987 - 1993)،  وغيرها من الفترات.

وفي القدس يقوم الإحتلال العسكري برعاية المشروع الإستيطاني الإستعماري في المدينة وذلك بكافة مكوناته والتي تشمل ،  إقتلاع الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم، وفي المقابل إحلال المستوطنين المستعمرين مكانهم. ويساهم في الإقتلاع أيضاً كل من وزارة الداخلية، وبلدية القدس الصهيونيتان، وغيرهما من المؤسسات الرسمية الصهيونية العاملة في المدينة. فوزارة الداخلية تمارس التطهير العرقي والإقتلاع عبر سحب هويات المقدسيين الذين يسكنون لعدد من السنوات خارج حدود المدينة، كما تمتنع من اعطاء الهويات للأطفال ولحالات جمع الشمل.[20] أما البلدية الصهيونية للمدينة فتسمح بالبناء الواسع للمستعمرات في المدينة، فيما تقيد وتعيق اجراءات التخطيط  الهيكلي ومنح رخص البناء للفلسطينيين المقدسيين،  كما انها تتلقى الضرائب من الفلسطينيين المقدسيين فيما تحرمهم من الخدمات التي تقدم لليهود في كل من أحياء القدس الغربية، ومستعمراتهم في القدس الشرقية.[21]

وتتم هذه الممارسات في إطار سياسة عامة رعتها وترعاها الحكومات "الاسرائيلية" المتعاقبة، تقضي بتوسيع القدس المستمر على حساب القضم التدريجي لأراضي الضفة الفلسطينية، مما سيجعل القدس تصل الى مشارف اريحا والبحر الميت في السنوات القادمة، مترافقاً مع السعي لضم هذه  "القدس الكبرى" الى "اسرائيل" كما تنص على ذلك المشاريع والقوانين المطروحه على الكنيست الصهيوني منذ منتصف عام 2017.

وبمفاهيم أخرى يمكن تلخيص السياسات الإستيطانية الإستعمارية المذكورة على أنها تشمل الترحيل والتهويد والأسرلة والعزل والإغلاق والفصل معرفة وفق ما يلي:

أ- ترحيل وإقتلاع الفلسطيني المقدسي سواءاً بطرده من المدينة،  أو بالعيش مرحلا  داخلها مسكوناً بهاجس الخوف من الطرد والإقتلاع نظراً لوجود أمر هدم لبيته بانتظار التنفيذ، أو وضع مؤقت لهويته المعرضة للسحب في أي وقت.

ب- التهويد: تهويد الأرض والمكان والاقليم والمشهد، بما يشمل تغيير الملامح الحضارية وازالة وتغيير الأسماء التاريخية ، وتغيير طابع البلدة القديمة، وانتشار المستعمرات وتوسيعها.

جـ- الأسرلة: أي تحويل تبعية الفلسطيني المقدسي لتصبح لمؤسسات اسرائيلية، فالمحامي سيحتاج الى رخصة عمل من نقابة المحامين الإسرائيلية، وكذلك المهندس وغيرهما من التخصصات. كما تتم أسرلة المناهج التعليمية، وفرض الانتساب للهستدروت من أجل تحصيل حقوق العمال وهكذا.  فيما يتم في المقابل اغلاق وطرد المؤسسات الفلسطينية من المدينة.

د- العزل: وذلك بفصل الأحياء الفلسطينية عن بعضها البعض،  بحيث تكون هنالك مستعمرة صهيونية بين كل واحدة وأخرى، وكذلك المستعمرات داخل كل حي من أجل تمزيقه داخلياً.

هـ- الإغلاق والفصل وهو ما بدأ في اذار عام 1993 عبر فصل القدس عن الضفة والقطاع واغلاقها بالحواجز العسكرية من كافة مداخلها، ثم جاء الجدار العازل بعد عام 2000 فصاعداً، ليعزز هذا الاغلاق والفصل، وكذلك ليخرج مناطق مقدسية منها مثل مخيم شعفاط،  وكفرعقب وقلندية والشيخ سعد.[22]

وتستكمل هذه السياسات بممارسات الأبارتهايد ضد الفلسطينيين الباقين في المدينة، وذلك عبر التمييز في الخدمات على كافة المستويات وايجاد نظامين الأول لليهود والثاني للفلسطينيين في كافة المؤسسات الرسمية لدولة "إسرائيل".

والى جانب الأبارتهايد هنالك أيضاً الإستغلال الإقتصادي الكولونيالي للباقين في المدينة، حيث يمنعون من جهة من استيراد وبيع المنتوجات الفلسطينية في القدس، كما يتم كبح التنمية الاقتصادية وبناء المشاريع الإنتاجية في المدينة، مما يجعلها سوقاً مفتوحة للمنتوجات الصهيونية فقط. ويترتب عن ذلك عمالة فلسطينية مقدسية خارج القدس حيث يتوجه موظفو المدينة في الصباح للعمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله، فيما يتوجه عمالها للعمل في السوق "الاسرائيلية" كأيدي عاملة رخيصة، يترافق مع ذلك هجرة التجار لفتح محلات تجارية في رام الله وبيت لحم هربا من الضرائب الباهظة "الإسرائيلية".

هذا في الجانب السياسي والإقتصادي، أما في الجانب الإجتماعي فإن فلسطينيي القدس الشرقية مفصولين عن امتدادهم الطبيعي عن اخوتهم واخواتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، هذا اضافة للانفصال عن لاجئي القدس في مخيمات الشتات.

أما داخل القدس فالمجتمع المقدسي مجتمع مفكك، يعاني شبابه من البطالة ومشكلات تتعلق بتشوه الهوية، كما يعاني من إزدياد إنتشار مظاهر السرقة والمخدرات والصراعات العائلية والعشائرية والمنازعات حول الأراضي، واستخدام السلاح والعنف في حل النزاعات مما يهدد السلم الأهلي في المدينة. كل ذلك في ظل غياب سلطة القانون وتعمد سلطة الإحتلال غض النظر عن هذه المشكلات، هذا ناهيك عن امتناع قوات أمنها من الدخول الى المناطق المقدسية المهمشة مثل كفرعقب والمكبر بذريعة الخوف على أمنها، وفي المقابل منع قوات الشرطة الفلسطينية من الوصول الى تلك المناطق من أجل حفظ الامن مما جعلها تتحول الى مرتع للجريمة بكافة أشكالها وأنواعها.[23]

ومن القضايا المثيرة للقلق اجتماعياً، هنالك أيضاً قضية التفاعلات بين القدس الشرقية والقدس الغربية، وفي هذا الإطار يمكن الإلتفات الى ظاهرة التوجه من قبل فلسطينيي القدس الشرقية الى التسوق والتنزه في القدس الغربية، وذلك نظراً لارتفاع الأسعار وغياب أماكن الترفيه عن النفس في القدس الشرقية، ويرتبط بهذه الظاهرة تشوهات تطرأ على الهوية الوطنية، تجد تعبيراً لها أيضاً في التوجه للحصول على الجنسية الإسرائيلية، وان كان العدد لازال محدوداً قياساً بعدد سكان القدس الشرقية حيث لا يتجاوز 13 الف شخص.[24]

ويعززالاحتلال الإستيطاني الإستعماري وجوده في القدس الشرقية من  خلال انشاء لجان تطوير ومراكز جماهيرية تعمل بالتنسيق مع بلدية القدس الاسرائيلية في عدة مواقع في القدس الشرقية ومنها: جبل المكبر والسواحره (لجنة تطوير حي بشير)، واللجنة المحلية لبيت صفافا وشرفات، وجمعية تطوير بيت حنينا، ولجنة ضاحية السلام- عناتا الجديدة، ولجنة القرية في العيسوية، ولجنة حي كفر عقب، وجمعية تطوير الطور. هذا فيما حافظ مجلس قروي شعفاط السابق على استقلالية عن البلدية والمؤسسات الصهيونية.[25]

بناء على ما تقدم لا مناص من العمل من خلال الحركات الإجتماعية لتنمية المجتمع المقدسي وتمكينه سياسيا في ظل تغييب السلطة الفلسطينية قسريا وتغييبها لنفسها عن القدس .

أما كيف تواجه منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية السياسات الصهيونية في القدس فهو الجزء الأخير المكون لهذا القسم الأول بما يساعد على فهم أفضل لبيئة عمل الحركات الاجتماعية في القدس وفهم أفضل لفعلها الهادف لبناء السيادة الفلسطينية في المدينة من أسفل على شكلين:  مرةً على شكل تثبيت الوجود الوطني الفلسطيني في المدينة والحيلولة دون اختراقه بإتجاه تعزيز السيادة الصهيونية على المدينة، وتارة عبر بناء لبنات تدفع نحو الإستقلال الوطني المستقبلي كما سيتبين من العرض  في المحور الثاني من هذا البحث.

الفرع الثالث السياسة الفلسطينية الرسمية تجاه القدس والتخطيط والقيادة لبناء السيادة من أعلى

إشتمل العمل الفلسطيني الرسمي  لبناء السيادة على القدس الشرقية على التخطيط لها من فوق سيما منذ تأسيس بيت الشرق في تسعينيات القرن الماضي، وعلى إقامة تشكيلات ومرجعيات في المدينة كما يتضح أدناه وذلك إنتظاراً لمعالجة موضوع القدس عبر المفاوضات مع "إسرائيل" ، وقد تجاوزت الحركات الإجتماعية المقدسية المقاربات الرسمية هذه من خلال الفعل على الأرض ( انظر/ي القسم الثاني).

فيما يتعلق بالتخطيط الفلسطيني القيادي للقدس فهو يعود الى سني الاحتلال الاولى،  يمكن القول ان هذا التخطيط قد اقتصر على تخطيط  العمل الوطني الكفاحي حتى بداية التسعينات من القرن الماضي. ومنذ مطلع التسعينيات نشأ التوجه الرسمي للتخطيط لقطاعات المدينة، وذلك انطلاقاً من الجهد الذي قام به "بيت الشرق" بقيادة فيصل الحسيني بهذا الخصوص[26] وذلك بعد توقيع اتفاق اوسلو الذي اجل موضوع القدس الى المفاوضات النهائية فيما تعهد شمعون بيرس وزير خارجية "اسرائيل" انذاك في رسالة منه الى يوهان هولست وزير خارجية النرويج في تشرين اول 1993 بالحفاظ على المؤسسات الفلسطينية في القدس وعلى رأسها بيت الشرق.[27]

في عام 1993 قام بيت الشرق بتأسيس "هيئة القدس الوطنية" والتي قادتها لجنة تنفيذية مكونة من 21 عضواً، يقودون تسع دوائر مختلفة للتخطيط والاقتصاد، والقانون والحقوق، والخدمات الأساسية، والمؤسسات السياسية والدينية والمالية والدفاع المدني. وكان لكل دائرة من هذه الدوائر التسع أقسام فرعية[28]

 

في عام 2003 صدرت عن بيت الشرق أول خطة قطاعية للقدس أطلق عليها اسم "الخطة متعددة القطاعات للقدس الشرقية" . وتضمنت الخطة خططاً لثلاث قطاعات كبرى هي : الاقتصاد والتراث  (شاملاً للأرض، الاسكان، البنية التحتية، القطاع الخاص، والسياحة)، والقطاع الاجتماعي ( شاملا التعليم والصحة والرفاه والشباب والضمان الإجتماعي)، وقطاع الثقافة (شاملاً الحفاظ على التراث الثقافي والمواقع التاريخيةـ وتطوير السياحة الثقافية، وتطوير الفنون). وتضمنت الخطة موازنة بقيمة 143 مليون يورو لمدة 4 الى 5 سنوات.[29]

وبانتقال من المتابعة السياسية الى المتابعة المهنية للمدينة، فقد تضمنت الخطة تشكيل "هيئة تمثيلية" يحيط بها "وحدة ادارة وتنسيق الاستراتيجيات، وتحاط الاخيرة بـ "لجنة القطاعات والمجتمع المدني" ،واعتبرت الخطة هذه  الهيئة بمثابة انتقال نوعي  من أطر  العمل السابقة في المدينة وهي "اللجنة السياسية العليا للقدس" والتي كانت مُشَكلة من ممثلي الفصائل وتقتصر على المتابعة السياسية،  وكذلك "مجلس البلدية غير الفعال" كما تمت تسميته، وهنا المقصود هو "أمانة القدس" التي تم انتخابها آخر مرة عام 1963.[30]

وبعد خطة عام 2003، تم اعداد  ثلاثة خطط رسمية فلسطينية على الاقل للقدس الشرقية[31]هذا اضافة الى خطة رابعة  لوزارة شؤون القدس،[32] وخطة خامسة اصدرتها مؤسسة التعاون،[33] ولعل القاسم المشترك بين كافة هذه  الخطط هي أنها كانت خططاً قطاعية، ما عدا خطة وزارة شؤون القدس التي ركزت على الاحتياجات الطارئة. الخطط الثلاث الرسمية  هي خطة 2010-2014، وخطة 2018-2020 الصادرتان من وحدة القدس في مكتب الرئاسة، وخطة بكدار[34] والتي تفرع عنها خطة أرسلت لمؤتمر القمة الاسلامية عام 2010.

استعاضت هذه الخطط عن غياب القدرة على اجراء انتخابات لجسم تمثيلي في القدس الشرقية، بتعيين لجان تمثيلية ومهنية، كما جاء في الخطط القطاعية لعام 2010، 2018، أو بتعيين هيئة سياسية كما جاء في خطة بكدار.[35]أما خطة وزارة شؤون القدس لعام 2013، فهي خطة داخلية غير منشورة للوزارة، هدفت لمعالجة القضايا الطارئة سيما قضايا هدم البيوت وتراخيص البناء وتلبية احتياجات الاسكان في المدينة، ويلاحظ هنا اختلاف هذه الخطة عن الأخريات بتركيزها على احتياجات المجتمعات المحلية وليس القطاعات.

وأخيرا فإن خطة مؤسسة التعاون الصادرة عام 2007-2008 والتي جاءت بعنوان "يا قدس نعبر اسوارك"، فقد جاءت لتعالج احتياجات القدس في قطاعات التعليم، والثقافة والفنون، والتنمية الاقتصادية والمجتمعية، والقانون والمناصرة، والطوارىء والمساعادات الانسانية، وبلغت موازنة الخطة 50 مليون دولار لمدة 4 سنوات.

تميزت كل هذه الخطط بالتحضير لها من أعلى وتعاملت مع المقدسيين كفئات مستهدفة  أكثر مما هم شركاء، فيما ركزت على القطاعات فقط بدون مشاركة المجتمعات المحلية المقدسية.

 الى جانب هذه الخطط، فقد جرت محاولة من دائرة القدس في م.ت.ف لإعداد خطة استراتيجية للقدس تمزج ما بين التخطيط

للقطاعات وبين التخطيط للمجتمع والفئات المحلية المقدسية، على أن هذه الاستراتيجية لم تر النور، ومعها خطة أخرى جرى العمل عليها من أجل تثبيت الوجود الفلسطيني في فلسطين والقدس[36].

ومع منتصف عام 2017 نشأت فكرة لدى جامعة القدس بالتعاون مع وحدة القدس في مكتب الرئاسة من أجل انشاء "منصة الكترونية" تحتوي على معلومات شاملة عن مواقع محافظة القدس كافة (49 موقعاً شاملة للقرى وأماكن السكن الواقعة ايضاً خارج حدود بلدية القدس "الاسرائيلية "للمدينة، واحتياجات قطاعات وفئات هذه المواقع، ولا زال العمل على انشاء هذه المنصة قائماً على ان ترى النور في وقت لاحق.

تعاني المدينة من تعدد المرجعيات الفلسطينية  المعينة من أعلى، وتبعثر عملها، علماً انها يجب ان تعمل كلها تحت اشراف اللجنة السياسية العليا للقدس التي يرأسها الرئيس محمود عباس، وهي لجنة تشمل ممثلين عن كل هذه المرجعيات، وتشمل المرجعيات الخاصة بالقدس كلا من:- دائرة القدس في م.ت.ف.وحدة القدس في مكتب الرئيس ومهمتها فنية وتقوم باعداد الخطة الاستراتيجية للمدينة، وزارة شؤون القدس وتقوم بمتابعة القضايا اليومية والمشكلات الطارئة، المؤتمر الوطني الشعبي للقدس وهو جسم تمثيلي شعبي يتبع منظمة التحرير الفلسطينية،  دائرة القدس في المجلس التشريعي ومهمتها تشريعية، محافظة القدس لمعالجة قضايا الأمن والنظام العام في المدينة، اللجنة الاسلامية – المسيحية لمدينة القدس، لتعزيز الاخاء الاسلامي- المسيحي في المدينة، وبيت الشرق. وقد صدر مرسوم رئاسي في 18 اذار 2019 أخضع المؤتمر الوطني الشعبي وبيت الشرق لدائرة القدس في م.ت.ف.

اضافة لهذه المرجعيات هنالك ايضاً جسم إداري لا يمثل مرجعية وهو "أمانة القدس" المنتخبة عام 1963 والتي أعاد الرئيس ياسرعرفات تعيينها عام 1998، وكرر ذلك الرئيس محمود عباس عام 2012، وقرر المجلسان الوطني والمركزي اعادة احيائها وفق صيغة تمثيلية وديمقراطية وذلك في دورتيهما لعام 2018. وتمثل الأمانة  القدس في اتحادات العواصم  والمدن العربية والعالمية، فيما لا تستطيع القيام بدورها على الارض نظراً لحلها عام 1967 بطريقة غير شرعية من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي، وما تبع ذلك من سيطرة البلدية "الاسرائيلية" على القدس الشرقية رغم المقاطعة الدائمة لانتخاباتها الدورية من قبل فلسطينيي القدس، وتخضع الأمانة للمتابعة من قبل المؤتمر الوطني الشعبي للقدس.

كما سيتبين ادناه فإن بناء السيادة في القدس الشرقية وفلسطين يمكن ان يتم من خلال تكامل الأدوار بين بنائها من أعلى من قبل السلطة والهيئات الرسمية الفلسطينية، وبين بنائها من أسفل وبالمشاركة المتكاملة بين هاتين المقاربتين وهو الامر الذي لم يتيسر في قسم من الحالات مما أثر سلباُ على وصول الكفاح الفلسطيني إلى حالة الإستقلال السيادية، وبالتالي إقتصار ممارسة السيادة على مجرد تثبيت الوجود الوطني والحيلولة دون إختراقه كلية من قبل نظام السيطرة الصهيوني القائم. وسيسلط المحورالتالي الأضواء على مراحل عمل الحركات الإجتماعية في القدس الشرقية  حيث لم تشهد هذه المراحل تكاملاً في عملها مع الجهات الرسمية الفلسطينية سوى في فترات محدودة.

المحور الثاني

مراحل عمل الحركات الإجتماعية  ومسيرة تنمية وبناء السيادة في  المجتمع المحلي المقدسي

اذا عدنا كتمهيد الى فترة الحكم الأردني للضفة الغربية والقدس الشرقية، نجد أن تنمية المجتمع المحلي قد قامت خلال تلك الفترة (1948-1967) على كاهل المجالس المحلية إكثر مما هوعلى عاتق حركات إجتماعية منظمة، كما اعتمدت على التعاون الإجتماعي التطوعي الذي كان يطلق عليه اسم  "العونه".  وعمل مجلس محلي منتخب في ذلك الوقت في مدينة القدس التي كانت لا تتجاوز مساحتها الستة كيلومترات مربعةً، وسمي هذا المجلس بـ "أمانة القدس" هذا علماً أن أول بلدية للقدس قد تم تشكيلها إبان الحكم العثماني عام 1863. وقد بقيت أمانة القدس قائمة حتى عام 1967 حيث قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحلها، ولكن السلطة الوطنية الفلسطينية اعادت احياءها كما سبق ذكره.

أما في القرى المحيطة بالقدس، فقد نشأت أيضاً مجالس محلية منتخبة في بعض القرى مثل الطور والعيسوية وبيت صفافا، وصورباهر، وشعفاط، وعناتا، وبيت حنينا. وقامت هذه المجالس بتنفيذ مسؤوليات خدماتية اضافة لتطوير البنية التحتية في قراها، وفي القرى الأخرى المحيطة بالقدس عينت الحكومة الاردنية مخاتير اقتصر عملهم على تأمين الإرتباط بين الحكومة الأردنية والمواطنين فيما يتعلق بتقديم الخدمات الحكومية لهم.[37]

وترافق هذا التشكيل المحلي، مع ممارسة المقدسيين للعونة وذلك كجزء من ارث الشعب الفلسطيني  التاريخي القائم على التعاون في بناء البيوت واقامة المساجد، الكنائس، وشق الطرق، وقطف الزيتون .. وهكذا، وكانت "العونة"[38] تترافق مع تقديم التبرعات من الأهالي لدى السعي لتوفير مرافق عامة كشق شارع، او توفير باص للقرية، او بناء مسجد او كنيسة وهكذا.

ولم تشهد فترة الحكم الأردني انبثاقاً واسعاً لمنظمات المجتمع المدني، او منظمات المجتمع المحلي، أي أن البناء المؤسسي كان ضعيفاً، ولذا فقد اقتصرت التشكيلات الإجتماعية النوعية حينذاك على اشكال غير مؤسسية مثل لجان الاصلاح التي كانت تتشكل من وجوه العشائر، وتقوم بحل النزاعات في المجتمع.

بالانتقال الى مرحلة الاحتلال "الاسرائيلي" منذ عام 1967 وحتى اليوم، نجد أن الحركات الإجتماعية لبناء السيادة وتنمية المجتمع المحلي المقدسي من اجل بناء السيادة الفلسطينية قد مرت بمرحلتين كبريين ركزت خلالهما على الكفاح الوطني العام حتى عام 2001 ثم الكفاح التنموي المحلي بعد ذلك وحتى اليوم وقد تم تجزئة المرحلة الأولى إلى أربعة فترات فرعية أدناه هي مراحل : تثبيت الوجود، فتعزيز الصمود، فالفعل الإنتفاضي، وأخيرا تشكيل مؤسسة رسمية في القدس[39] أما المرحلة الثانية أعلاه فهي مضمنة في  المرحلة الخامسة من العرض التالي:

الفرع  الأول: الحركات الإجتماعية والكفاح الوطني العام (1967-2001)

الفترة الأولى: (1967-1974) مرحلة تثبيت الوجود

 في بداية هذه المرحلة قام الاحتلال بحل أمانة القدس المنتخبة عام 1963، وتوسيع حدود القدس الشرقية من 6 كم2 الى 72 كم2  عبر ضم مناطق من الضفة الغربية اليها، وكما أعلن الاحتلال القدس كعاصمة موحدة لدولة اسرائيل وذلك يوم 28/6/1967، وذلك عبر اقرار سريان القوانين الاسرائيلية عليها.

كانت هذه المرحلة مرحلة كفاح وطني أولى هدفت لتحقيق السيادة الدنيا من أسفل عبر الكفاح من اجل تثبيت الوجود الفلسطيني في القدس، فخاضت الحركات الإجتماعية إضرابات أدت للحفاظ على المنهاج الاردني في مدارس القدس، كما إستطاعت حماية الأوقاف الإسلامية والمسيحية ومؤسسات القدس الاقتصادية والمدنية من سيطرة الاحتلال عليها.

ترافقت هذه الكفاحات مع طفرة في العمل التطوعي منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حيث تشكلت لجان العمل التطوعي على أساس رابطة المواطنة ووفق معايير تيللي للحركات الإجتماعية ( أنظر/ي القسم الأول) في مختلف مناطق القدس، وقامت هذه اللجان بتأدية مهمات خدماتية، وكذلك بانجازات في مجال البنية التحتية، كما انها قامت بأدوار لرفع مستوى الوعي الوطني في المدينة، وشهد نادي "الغد" في جمعية الشابات المسيحية ونادي الموظفين وغيرهما ندوات ثقافية كانت تشهد نقاشات حامية الوطيس حول السبل الأفضل للتخلص من الاحتلال. وقد إعتمد التمويل للنشاطات التنموية على الإمكانيات المحلية وحسب، وذلك من خلال التمويل الذاتي للمشاريع عبر التبرعات.

شهدت هذه المرحلة الأولى كفاحاً سياسياً أيضاً من خلال تشكيل الجبهة الوطنية ولجنة التوجيه الوطني في القدس لتقود للكفاح على مستوى كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، أي أن القدس كانت تلعب دوراً مركزياً في ادارة الكفاح الوطني الفلسطيني في تلك الفترة[40].

الفترة الثانية 1974-1987: من تثبيت الوجود إلى تعزيز الصمود

استمرالكفاح الوطني  خلال هذه المرحلة عبر نشاطات العمل التطوعي، واشكال العونة، كما استمرت بعض المجالس المحلية سابقة الذكر في العمل. وفي المقابل برزت بعض التطورات الجديدة خلال هذه المرحلة على التوجهات الكفاحية الوطنية وبرزت بذور التوجه لتنمية المجتمع المحلي المقدسي، حيث ظهر كل من الدعم العربي والأجنبي، كما بدأت تظهر تشكيلات مؤسسية مجتمعية جديدة في المدينة.

تركز الدعم العربي من خلال اللجنة الاردنية والفلسطينية المشتركة التي تأسست في منتصف السبعينيات من القرن الماضي واشرفت على تلقي الدعم للقدس وفلسطين من الجهات العربية والاسلامية، وقامت بصرف الأموال لمشاريع تهدف الى تعزيز الصمود، وذلك على شاكلة مشاريع الإسكان والبنية التحتية، ولم تحظ الزراعة بالدعم الكافي من اللجنة ، أما الدعم الأجنبي، فقد بدأ من خلال مبالغ محدودة بدأت ترصدها الوكالة الامريكية للتنمية (مليون دولار فقط) عام 1975 مثلا، هذا اضافة لمشاريع منظمات الأمم المتحدة على شتى أنواعها.[41] مثل هذا الدعم إما محاولة لبناء السيادة في القدس من أعلى ( مثل دعم اللجنة المشتركة) وإما محاولة لتحسين أحوال معيشة الفلسطينيين تحت الإحتلال ( مثل دعم وكالة التنمية الأمريكية).

تأسست خلال هذه الفترة الأطر الجماهيرية الشبابية والنسائية والعمالية، وذلك كحركات جذور، فنشأت حركة الشبيبة، وجبهة العمل، وكتلة الوحدة، وكتلة الإتحاد التقدمي وغيرها ككتل تنافسية ذات طابع مواطني وعضوية وهدف حسب معايير تيللي ( أنظر/ي المحور الأول) مرتبطة بالفصائل السياسية الفلسطينية تعمل في ميدان الكفاح السياسي ضد الاحتلال من جهة، وفي ميدان خدمة المجتمع من خلال العمل التطوعي وتقديم الخدمات من جهة أخرى، وقد فتحت هذه الأطر الباب أمام ظهور التوجه نحو المهنية في العمل ، وما ترافق مع ذلك من توجه نحو التدريب وبناء القدرات للعاملين النشطاء في المجتمع المحلي وقطاعاته، وطرأ ارتفاعُ واسعُ أيضاً على عدد الأندية الشبابية خلال هذه المرحلة، كما نشأت وتطورت حركات كشفية جديدة.[42] وأسس هذا النهوض للأطر الجماهيرية لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 ولمشاركة المقدسيين الواسعة فيها.

الفترة الثالثة : 1987-1993 الانتفاضة من الصمود إلى الفعل الوطني الكفاحي

كانت هذه  مرحلة ثالثة للكفاح الوطني،حيث يعود الفضل للانتفاضة الفلسطينية الأولى انها حفزت تشكيل لجان قاعدية مجتمعية ذات مهمات ومسؤوليات مختلفة عمقت انتشار الحركات الاجتماعية في مختلف احياء القدس واستمرت بعض هذه اللجان بالعمل حتى اليوم.

خلال الانتفاضة اتخذت هذه اللجان اشكالاً ملائمة لها، كالفرق الضاربة، ولجان الحماية، ولجان الاسعاف، ولجان التموين، وغيرها، كما تشكلت لجان للتعليم الشعبي في ظل اغلاق المدارس والجامعات من قبل سلطات الاحتلال واللجان الشعبية التي  قامت بحل المشاكل الاجتماعية، وقامت مبادرات لإستصلاح الاراضي، ونشأت حركة مقاطعة المنتوجات الاسرائيلية وتوفير بدائل وطنية لها وهكذا.[43] وكل هذه نشات بناء على المعايير العامة  التي قدمها تيللي آنفاً.

تعزز التوجه إلى تنمية المجتمع المحلي،  في إطار الكفاح الوطني خلال هذه المرحلة. وطرأ توسع اضافي خلال هذه المرحلة على النوادي الشبابية أما الأطر السياسية السابقة فقد أخلت مكانها للجان الشعبية للانتفاضة وشاركت الحركة الاسلامية في انشاء هذه اللجان، فيما إقتصر انشاؤها في الفترة السابقة على فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

خلال هذه المرحلة تأسست "جمعية  الدراسات العربية" برئاسة القائد الراحل فيصل الحسيني عام 1985، وسرعان ما تشكل بيت الشرق حول هذه الجمعية ليكون مقراً للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة في كل الوطن، ومقراً للقيادة المقدسية المحلية من جهة أخرى. وطرح بيت الشرق صيغة الشركة المساهمة لكل مواطني القدس بحيث يشكل مجلس ادارتها المنتخب بلدية غير رسمية للمدينة، كما بدأ بيت الشرق باعداد الخطط القطاعية للقدس منذ عام 2003 .

أي أن الحركات الاجتماعية في القدس قد مزجت خلال هذه المرحلة بين الكفاح الوطني وتعزيز الصمود والبدء بالتنمية من أجل البناء في المجتمعات المحلية المقدسية، وترافق ذلك مع استمرار القدس في لعب دورها في قيادة الكفاح الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال.

الفترة الرابعة : 1993-2001 محاولات بناء وجود رسمي فلسطيني مستقل في مدينة القدس

أدى فعل الإنتفاضة خلال المرحلة السابقة إلى مفاوضات مدريد 1991 وإتفاق أوسلو1993 اللذين ترتب عنهما  تكرس بيت الشرق، كمؤسسة فلسطينية رسمية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس،  وذلك رغم تأجيل اتفاقية اوسلو لعام 1993 لموضوع القدس الى المفاوضات النهائية. إلا ان الحكومة الاسرائيلية قد اغلقت بيت الشرق عام 2001 منتهكة تعهد بيرس لهولست المذكور انفاً.

حاولت مؤسسة بيت الشرق، خلق وجود فلسطيني مؤسسي رسمي في مدينة القدس يبني السيادة من أعلى، حيث عمل بيت الشرق بما يشبه وزارة خارجية فلسطينية تلتقي الرؤساء والوزراء الاجانب في مقرها وفي فنادق القدس لدى قيامهم بزيارة فسطين. والى جانب هذا الدور الرسمي قامت المؤسسة بانشاء هيئة وطنية للقدس،[44]كما سبق ذكره. إلا ان هذه الهيئة لم تخلق مشاركة فعالة للمقدسيين في أنشطة الانتفاضة الثانية عام 2000 حيث ترتب ذلك عن إحباط المقدسيين من تأجيل إتفاق أوسلو لموضوع القدس إلى مرحلة  المفاوضات النهائية.

وفيما جاء جهد بيت الشرق لتنظيم القطاعات المقدسية ليتخذ شكلاً  وطنياً مؤسسياً، إلا أن جهود بيت الشرق لحماية المجتمعات المحلية من هدم البيوت ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني الاستعماري قد اتخذ طابعاً وطنياً مجتمعياً مع التعاون مع الحركات الاجتماعية الفاعلة على الارض. واقتصرت الجهود في هذا المجال على ما كان يفعله فيصل الحسيني وبعض لجان الدفاع عن الأراضي ، يضاف الى ذلك الدعم المالي من قبل مؤسسة الرئاسة (الرئيس ياسر عرفات) والذي لم يستند الى موازنة منتظمة.

خلال هذه المرحلة أعاد الرئيس ياسر عرفات ايضاً تشكيل أمانة القدس عام  1998 لتكون شكلاً رسمياً آخر لبناء السيادة على القدس من أعلى ولتلعب دوراً في تمثيل القدس خارجياً وقد انتهت هذه المرحلة مع اندلاع الانتفاضة الثانية، ثم وفاة فيصل الحسينيي، وتمخض عنها انتقال مركز الثقل في قيادة العمل الوطني الفلسطيني بشأن القدس الى رام الله.

مثلت هذه المرحلة الرابعة نهاية لنوع العمل الوطني السابق في  مدينة القدس  حيث تم التركيز في المراحل السابقة على تثبيت الوجود، فالصمود، فالفعل الإنتفاضي،  ثم نشوء مؤسسات رسمية في القدس تم اغلاقها لاحقا من قبل الاحتلال .

الفرع الثاني:  2001-2017: المجتمعات المحلية المقدسية ومحاولات الإعتماد على الذات

مع اغلاق بيت الشرق وما ترتب عنه من تراجع العمل الوطني الميداني  لإستعادة السيادة على القدس من داخلها  وانتقال مركز القيادة الفلسطينية بشأن القدس الى رام الله، فقدت القدس مركزيتها فلسطينياً من جهة كما فقدت قيادتها المقدسية العامة من جهة اخرى. أما الواقع البديل الذي نشأ عن ذلك فقد  تمثل في انتقال القيادة في الواقع المقدسي الى المواقع المحلية، وذلك للتعويض عن غياب القيادة المقدسية العامة. كان لهذا التطور انعكاسات سلبية وأخرى ايجابية.

ففي الجانب السلبي حلت النزعة المحلية ونشأت الخصوصيات المناطقية والانقسامات الجهوية والعشائرية والزبائنية محل الإنتماء الوطني العام، وترتب على ذلك نزاعات وسيطرة للأجندات المحلية وتنافس فيما بينها على حساب تطوير أجندة عامة للقدس، والى جانب ذلك فقد فقدت القدس حضورها الدولي الذي كانت تملأه الشخصية الملهمة لفيصل الحسيني.

لم تعتمد الحركات الإجتماعية المحلية من قبل التمويل الدولي، حيث إعتاد المانحون الغربيون على واقع "اسرائيلية" القدس المؤجل موضوع التفاوض بشأنها الى مرحلة "المفاوضات النهائية". ورغم أن هذه المفاوضات لم تنتهي كما كان مقرراً أيضاً عام 1999، فقد استمر المانحون بعد عام 1999 في تجاهل تقديم الدعم لتنمية المجتمعات المحلية بذريعة أن هذا الدعم مؤجل الى أن تتم المفاوضات وتستكمل بعودة القدس الشرقية الى فلسطين. والى حين ذلك يقول لسان حال المانحين الغربيين: لماذا ندخل في صدام مع "اسرائيل" من خلال بوابة دعم الفلسطينيين المقدسيين. وقد عبر المانحون بذلك عن سياسة نيوكولونيالية اعطت الاولوية للموازين القوى القائمة على الارض لصالح "اسرائيل" ممولة مشاريع انسانية فحسب لا تشكل تهديدا لنظام السيطرة "الاسرائيلي" في المدينة.

عبر توجه المانحين الغربيين عن نفسه بطرق مختلفة، وبالنسبة لوكالة الدعم الامريكية فهي ترفض تقديم أي دعم مباشر لمشاريع في القدس الشرقية، إلا اذا كانت جزءاً من مشاريع موجهة لفلسطين بشكل عام. أما اوروبا فقد رصدت 10 ملايين دولار سنوياً منذ عام 2010 لدعم مشاريع في القدس تهدف رسمياً الى دعم صمود الفلسطينيين في المدينة ولكن قلة مبالغ الدعم وتوجيهه بشكل خاص للمؤسسات الاوروبية العاملة في المدينة يجعل تأثيره  على احداث تغيير في واقع المدينة محدوداً، والى جانب ذلك هنالك دعم محدود من مؤسسات الأمم المتحدة في المدينة ومن بعض الدول الاوروبية.

ومقابل الدعم الغربي المتآكل، بقي هنالك دعم عربي واسلامي متنامٍ عبر البنك الاسلامي والصناديق العربية والاسلامية ووكالة  بيت مال القدس، وتركيا وقطر والامارات العربية، قسم من هذا الدعم يذهب للإسكان وبناء المدارس وترميم العقارات إلا ان قسماً آخر منه يذهب الى نشاطات اجتماعية وخيرية، ويفتقر هذا الدعم الى وجود موازنات ثابتة وواضحة وتتحكم فيه الاجندات السياسية، لذا فهو لا يبني تنمية متكاملة للمجتمع المحلي في القدس، اذ أن تركيزه هو على دعم القطاعات بدون أن يقوم بجهود جدية لبناء مشاريع جدية تتصدى للاستيطان الاستعماري وتهويد وأسرلة الأرض.

مثل غياب الدعم وتبعثره عاملاً لدفع المجتمعات المحلية المقدسية للإعتماد على ذاتها في تطوير حصانتها ضد الإختراقات "الإسرائيلية" ورفضها والتصدي لها كما حدث بعد إستشهاد الطفل محمد أبو خضير عام 2014 وانتفاضة بوابات الأقصى عام 2017 وكذلك ساعدها غياب الدعم على شق طريق جديدة للحفاظ على بقاء الشعب الفلسطيني في مدينة القدس من خلال التنمية المحلية المعتمدة على توفير التمويل الذاتي رغم نقص المدخرات والامكانيات لمشاريع محلية.

 يمكن لهذا الإعتماد على الذات أن يؤسس للتشبيك بين اللجان والهيئات الفاعلة في المجتمعات المحلية المختلفة وذلك على طريق إنشاء قيادة تشاركية جماعية تتعلم من التجربة السابقة وينخرط فيها كل النشطاء والفاعلين في المجتمعات المحلية على قدم المساواة. على أن هذا لا يزال يمثل مشروعاً للمستقبل، وان كانت أنويته وبراعمه قيد التشكيل وذلك من خلال محاولات مختلفة منها محاولة اعادة احياء دور "أمانة القدس" على الأرض عام 2016 وذلك في فترة الانتخابات للهيئات المحلية الفلسطينية، وكجزء من فكرة شمولية القدس الشرقية في تلك الانتخابات، كانت الفكرة حينه كما ظهرت في ندوات ومقابلات نظمها كاتب هذا البحث  باختصار هي أن يصار لعقد مؤتمر تمثيل مقدسي موسع يقوم بانتخاب أمانة القدس تتولى المسؤوليات التنموية في المدينة، أو ان يصار الى انتخاب أو اختيار حيث يتعذر انتخاب شخوص من مجتمعات القدس المحلية المختلفة كل في موقعه ثم تجميعها معاً في مجلس جديد لأمانة القدس على أن يضاف لهذا المجلس الباقون على قيد الحياة من مجلس أمانة القدس الذي انتخبوا في انتخابات الأمانة التي عقدت لآخر مرة عام  1963 (انظر/ ي الخاتمة).

إستنتاجات وآفاق

كما تبين من البحث، فقد نشأت الحركات الاجتماعية في القدس منذ سنوات الإحتلال الاولى  من القرن الماضي على شكل اتحادات معلمين ولجان عمل تطوعي، وفي أواخر الستينيات والسبعينيات اقتصر العمل على المحور الوطني الكفاحي بشكل أساس، تم ذلك من خلال افعال اجتماعية كفاحية قادتها مؤسسات مثل كفاح الاوقاف الإسلامية والمسيحية للحفاظ على استقلاليتهما من تدخلات الاحتلال، وكفاح المعلمين كمؤسسة تمثيلية المبكر في نهاية الستينيات من القرن الماضي لمنع فرض المنهاج "الاسرائيلي" على مدارس القدس، وتشكل الجبهة الوطنية ولجنة التوجيه الوطني في القدس، إضافة الى لجان العمل التطوعي التي يمكن اعتبارها كنويات للحركات الاجتماعية التي نشأت بعد ذلك. في هذه الفترة تم بناء السيادة بدرجتها الأدنى في القدس الشرقية أي كتثبيت للوجود الوطني الفلسطيني ومؤسساته في القدس.

في الثمانينيات من القرن الماضي نشأت الحركات الاجتماعية، وذلك على شكل اتحادات جماهيرية تابعة للفصائل الفلسطينية، حيث شكل كل فصيل حركاته النسوية والعمالية والطلابية والشبابية. ونشطت هذه الحركات بشكل تنافسي وكان لكل منها عضوية وهدف وإلتزام حسب معايير تيللي (أنظر/ي المحور الثاني). وساهمت هذه الحركات في الانتفاضة الأولى، والتي خلالها شهدت القدس بعض التعاون بين أسفل ( الحركات الجماهيرية) وبين أعلى ( ممثلا ببيت الشرق بقيادة فيصل الحسيني) لبناء السيادة معا في القدس من خلال اعمال كفاحية شارك بها الجميع ضد الاحتلال على طريق الإستقلال الوطني كدرجة ثانية لبناء السيادة على القدس الشرقية ( أنظر/ي المحور الثاني). قبل ذلك كانت الفعاليات من أجل حفظ السيادة قطاعية نخبوية فقط ( كالأوقاف والمعلمين مثلا)، كما طلبة المدارس في كفاحات عفوية. 

وكانت فترة الانتفاضة الأولى هي الفترة الوحيدة للتعاون بين أعلى وأسفل، حيث اجتمعت قيادة القدس في الميدان مع فئات القدس( كالشباب مثلا) وقطاعات القدس (كالصحة والسياحة والتعليم والأوقاف وغيرها)، ولجان مختلف المجتمعات المحلية المقدسية معا. كل هؤلاء اجتمعوا في الميدان للكفاح ضد الاحتلال من جهة، ولتحقيق التنمية من أسفل من أجل تعزيز البقاء والصمود للإنسان المقدسي على أرضه. أي تم الجمع بين الكفاح الوطني وبين تنمية المجتمع المحلي كاساسين لبناء السيادة على الأرض.

على أن هذا الجانب لبناء السيادة الفلسطينية  في القدس بالتعاون بين أسفل وأعلى، قد اصطدم في حينه بعدة عوامل أدت إلى إنهيار هذا التعاون:

تعود أولى هذه العوامل الى إنسحاب مركز القيادة الوطني بشأن القدس تدريجيا من القدس الى رام الله. أما ثاني هذه العوامل فيتعلق بالتخطيط للقدس على أنها تتمثل بالقطاعات فقط، وليس القطاعات والمجتمعات المحلية التي تعاني من الاستهداف المباشر على أشكال مصادرة للأراضي، وهدم للبيوت وتهجير للسكان. وقد أدى ذلك إلى خلق فجوة بدأت تتسع بين القيادة وبين المجتمعات المحلية المقدسية، وبين هذه الأخيرة وبين القطاعات التي صارت تحصل على فرص التمويل العربي والدولي لوحدها دون المجتمعات المحلية.

ثالث العوامل تمثل في تحول الحركات الاجتماعية إلى المهنية والمأسسة مما أدى إلى تطورها إلى مؤسسات معتمدة على المنح الخارجية، وتعمل وفق أجندة المانحين ، وبالتالي انفصالها عن قواعدها الاجتماعية السابقة وتحولها إلى الخدمات. ومن المفارقة أن هذه المؤسسات الناشئة قد سمت ما فعلته بأنه تعزيز للمجتمع المدني الفلسطيني، ولكن ما فعلته في الواقع لم يكن سوى تجويف للمجتمع المدني حيث جردته من قاعدته الجماهيرية، كما افقدته بعده السياسي الكفاحي وطنيا ومجتمعياً في ظل انتقال التركيز الى البرامج المهنية البحتة. ورابع هذه العوامل هو تقلص التمويل للقدس في ضوء تأجيل موضوع القدس للمفاوضات النهائية، وتوجه التمويل الضئيل الى القطاعات المهنية فقط درءا للصدام من قبل المانحين مع الاحتلال فيما لو تم تمويل برامج لدعم السيادة الفلسطينية من أسفل.

شهدت مرحلة ما بعد توقيع اتفاق أوسلو ايضا إعداد خطط رسمية  للقدس، وكان حظ هذه الخطط محدوداً تطبيقيا، وذلك بسبب تردد المانحين عن اغضاب "اسرائيل"، وكذلك بسبب عدم إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ لهذه الخطط. فوق ذلك شهدت مرحلة ما بعد أوسلو إنشاء مرجعيات رسمية لمتابعة الوضع المقدسي وذلك وفق أسلوب التعيين.

رغم كل ما تقدم فقد شهدت المرحلة منذ الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠، ورحيل فيصل الحسيني عام ٢٠٠١، وما تلاه من إغلاق لبيت الشرق ول ١٣ مؤسسة فلسطينية أخرى تابعة لمنظمة التحرير في القدس الشرقية ... شهدت هذه المرحلة انتقال الحركات الإجتماعية إلى المحلية ، وذلك كتعويض عن تفكك واندثار الحركات الاجتماعية على المستويين الوطني العام والمقدسي العام ايضا.

وإذ يمثل هذا الإنكفاء نحو المحلية  نكسة على حساب البعد الوطني العام في جانبه السلبي، إلا أنه يمكن استثماره لتعزيز المشاركة في صنع القرارات وفي بناء السيادة الفلسطينية في القدس من أسفل وبالتعاون مع أعلى. لتحقيق ذلك تقترح هذه الورقة التمسك بنتائج بحث ميداني أجراه الباحث عام ٢٠١٦ ونشره العام الماضي حول أمانة القدس[45]حيث خلص  البحث إلى أن أفضل صيغة لبناء السيادة الفلسطينية في القدس في ظل موانع الاحتلال، يمكنها أن تتم من خلال انتخاب / أو فرز( وذلك حسب خصوصيات كل موقع) لجان مجتمعية فاعلة تنبثق عن الحركات الاجتماعية وممثلي القطاعات والفئات والمجتمعات ، وذلك في كل مجتمع محلي مقدسي على حدة،  ثم تجتمع هذه اللجان التمثيلية في شبكة واحدة تحدد احتياجاتها التنموية كما وتشكل منها أمانة جديدة للقدس تعمل تحت إشراف م.ت.ف، تتولى تلقي الاحتياجات المقدسية لكل المجتمعات المحلية بجوانبها: التنموية لبناء الصمود وتثبيت الوجود ، والكفاحية في سبيل استمرار النضال من أجل استقلال القدس كعاصمة لفلسطين،  وتقوم بالاعتماد على الجهود والمساهمات المحلية وتنسيق دعم م.ت.ف والسلطة الوطنية الفلسطينية ووزاراتها للقدس، كما تقوم بالتوأمة الفعالة لمجتمعات القدس المحلية مع نظيراتها في مدن العالم . فبهذه الطريقة ينشأ أعلى ( أي أمانة القدس) بالمشاركة من قبل المجتمعات المحلية من أدنى، ويعمل معها بشكل متضافر لتحديد احتياجاتها ولتلبيتها من المصادر المحلية والعربية والدولية ، كما يشحذ استعداداتها لمواجهة إجراءات الاحتلال ومستوطنيه الإستعماريين على كافة المستويات القانونية والسياسية والدبلوماسية والإقتصادية والتنموية والكفاحية الميدانية. 

تتيح هذه الفكرة إعادة بناء وتفعيل الحركات الإجتماعية ودورها لإعادة بناء القدس، واستعادة مركزيتها لفلسطين والتي فقدتها منذ مطلع الألفية الثانية، وبهذا يمكن إعادة دمج الخصوصية المقدسية في إطار فلسطيني شامل قائم على التنوع وذلك بديلا عن الخصوصيات المتشرذمة. ومن الواجب ان يتبنى المجتمع  العربي والاسلامي والدولي توجهات اخرى ترمي الى دعم وبناء الوجود الفلسطيني في مدينة القدس، ومكافحة توسع الاستيطان الاستعماري "الاسرائيلي" فيها، ودعم المقاومة اللاعنفية الفلسطينية للاحتلال وذلك كخطوات على طريق تحقيق استقلال المدينة كعاصمة لدولة فلسطين، سيما بعد أن إعترفت الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة ل"إسرائيل" في نهاية عام 2017.



[1] Krasner, Stephen. D. Problematic Sovereignty: Contested Rules and Political Possibilities. Columbia University Press , 2001.

[2]بيير بورديو، العقلانية العملية: حول الأسباب العملية ونظريتها، دمشق: داركنعان للدراسات والنشر والتوزيع، 2000، ص7-8.

[3] Giddens, Anthony. The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration. Cambridge: Polity, 1984.

[4] Charles Tilly, Social Movements 1768-2004. London: Paradigm Publishers, 2014,p.4

[5]Ibid, p4

[6]Ibid, p6-7.

[7]Alaine Touraine,The Post- Industrial Society. New York: Random House, 1971, p 3

[8]Ibid, p 8.

[9]Ibid, p9.

[10]Ibid, p 9.

[11]R. W. Cox, “Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory” Millennium Journal: Vol.10 No.2 (1981), p 133.

[12] ليزا تراكي،  قبل الطوفان تطور الوعي السياسي في المناطق المحتلة تمهيدا للانتفاضة 1967-1987،آفاق فلسطينية عدد 5(1990).

[13]سمير حليلة، "ﺩﻴﻨﺎﻤﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﺍﻟﺒﺩﻴﻠﺔ ﻨﺸﻭﺀ ﺍﻟﻤﻨﻅﻤﺎﺕ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺭﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﻤﺤﺘﻠﺔ ﻭﺘﻁﻭﺭﻫﺎ" مجلة  ﺁﻓـﺎﻕ ﻓﻠﺴـﻁﻴﻨﻴﺔ، عدد 6( 1996)انظر ايضا هيلترمان 1991

[14]مصطفى البرغوثي، وجورج جقمان، الحركات الاجتماعية السياسية في فلسطين، 2000 ( بدون دار نشر).

[15]عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 6، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012

[16]البرغوثي وجقمان، 2000.

[17]Anderson, Mary B. “Understanding Difference and Building Solidarity: A Challenge to Development InitiativesDevelopment and Social Diversity. Oxfam Publication / UK and Ireland (1996).

[18] Dajani, Mohammed S. Occupation, Not Apartheid- The b Washington Institute for Near East. Fikra  Forum, 2017.

[19] Salem, Walid.“Jerusalemites and the Issue of Citizenship in the Context of Israeli Settler Colonialism” Journal of Holy Land and Palestine Studies, Vol.17 No 1(May 2018a).

 

[20]احمد الرويضي، السياسيات والاجراءات في مكتب وزارة الداخلية في القدس الشرقية،  القدس الملتقى الفكري العربي، 2000

[21]مائيرمارغليت، اسرائيل والقدس الشرقية استئلاء وتهويد، ترجمة مازن الحسيني منشورات مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 2011

 

22Walid Salem, “Jerusalemites and the Issue of Citizenship in the Context of Israeli Settler Colonialism” Journal of Holy Land and Palestine Studies, Vol.17 No 1(2018a). See also Walid Salem, Jerusalem: Monitoring Report and a Human security Community Based Agenda for Change. Jerusalem: The Center for Democracy and Community Development, 2010.

[23]خليل الشقاقي،  دراسة لاحتياجات الامن وحكم القانون في المناطق الفلسطينية المحتلة من الضفة الغربية الواقعة خارج حدود المناطق المسماة أ  (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ، 2017 ). الامم المتحدة، مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية: الاونكتاد، الاقتصاد الفلسطيني في القدس الشرقية: الصمود في وجه الضم والعزل والتفكك (2013).اليز اغازريان ،"المقدسيون وانشطار الهوية: من وحي فرانز فانون" مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 21 عدد 82، (2010) . وليد سالم، المواطنة والسلم الاهلي في القدس الشرقية، (القدس: مركز اكت للدراسات والوسائل البديلة لحل النزاعات، 2018 ).

[24]عناد السرخي، ورقة سياسات ومبادئ الخطة الاستراتيجية التنوية لمدينة القدس،وزارة شؤون القدس ( 2013).

[25]إسحق القطب، مجالس الاحياء في القدس العربية (القدس: الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية/ باسيا، 1997).

[26]أسامة حلبي، بلدية القدس العربية، ط 2( القدس: الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية / باسيا،2007).

[27]مجلة الدراسات الفلسطينية، "رسالة شمعون بيرس ليوهان هولست"، مجلد٥٢، عدد ٤٨ (2001)، ص 213.

[28] حلبي 2007

[29]جمعية الدراسات العربية  مشروع الدراسات القطاعية المتعددة للقدس الشرقية، استراتيجية القطاعات المتعددة للقدس الشرقية،2003

[30]Walid Salem, “The East Jerusalem Municipality, Palestinian Policy Options and Proposed in Alternatives”. In Jerusalem Quarterly, No. 74 (2018b).

[31]ديوان الرئاسة الفلسطينية وحدة القدس، الخطة الاستراتيجية للتنمية القطاعية في القدس الشرقية، 2010.

ديوان الرئاسة الفلسطينية وحدة القدس وجامعة القدس، الخطة الاستراتيجية للتنمية القطاعية في القدس الشرقية، 2018 .

[32]السرخي، 2013.

[33]مؤسسة  التعاون،يا قدس نعبر اسوارك، 2007-2008 .

[34]منظمة التحرير الفلسطينية، المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والاعمار( بكدار) 2012. انها القدس: الخطة الاستراتيجية لتنمية مدينة القدس العربية، 2012 .

[35]منظمة التحرير الفلسطينية، 2012 .

[36]منظمة التحرير الفلسطينية مركز التخطيط الفلسطيني، محاضر ورشات عن امانة القدس، 2016أ. ومنظمة التحرير الفلسطينية،  دائرة القدس الخطة الاستراتيجية للقدس ( وثيقة غير منشورة) 2016ب.

[37]القطب، 1997.

[38]برنامج متطوعي هيئة الامم التابع لبرنامج الامم المتحدة الانمائي، العونة دليل مؤسسات العمل التطوعي في الاراضي الفلسطينية، 2003 .

[39]آن لاتندرس، المقاومة الفلسطينية والتغيير المدني في القدس الشرقية 1967-1994، (القدس: الجمعية الفلسطينية الاكاديمة للشؤون الدولية /

باسيا،1995).

Walid Salem, Jerusalem: Monitoring Report and a Human security Community Based Agenda for Change. Jerusalem: The Center for Democracy and Community Development, 2010.

[40]تراكي 1990 وحليلة 1991 .

[41]الملتقى الفكري العربي. مؤتمر التنمية من اجل الصمود، القدس ( 1984).

[42]حليلة، 1991

[43]مجموعة باحثين، الانتفاضة مبادرة شعبية دراسة لادوار القوى الاجتماعية، رام الله: بدون دار نشر، 1990

[44]حلبي،2007 .

[45]سالم ، 2018ب .