• 24 تشرين الثاني 2025
  • مقابلة خاصة

 

القدس - أخبار البلد - كتب خليل العسلي : 

 

 لا يختلف اثنان في القدس ولا حتى في العالم العربي والأجنبي ، على أهمية ما قامت وتقوم به السيدة ماهرة الدجاني رئيس مجلس إدارة مؤسسة هند الحسيني، التي تضم عدة مؤسسات من بينها المتحف الفلسطيني ، مركز اسعاف النشاشيبي وكلية البنات ومدرسة دار الطفل العربي في الحفاظ على المؤسسة صرحا وطنيا تحتضن فيه فتيات القدس بمن فيهن اليتيمات من كل أنحاء فلسطين ، ولا يختلف اثنان ايضا على ان السيدة ماهرة الدجاني هي من بناة القدس ولها بصمات عميقة في المدينة  . 

هذه السيدة العظيمة التي أفنت زهرة عمرها في خدمة القدس وأبنائها وبناتها، رغم انها وصلت لسن التقاعد قبل سنوات إلا أنها متفانية في خدمة المؤسسة التي تعشق فهي تعمل على مدار الساعة وتحمل هم الطالبات واليتيمات، والموظفين والموظفات، ولهذا نجدها تقول :

؛ لقد تعبت من حمل هذه الامانة منذ تسعينيات القرن وحتى يومنا هذا ، فلقد كنت أعتقد في البداية أن دور سيكون لسنوات قليلة من أجل العمل على حفظ ارث هند الحسيني مؤسسة هذا الصرح التعليمي النسوية الأكبر في القدس  ، فبعد وفاتها  عام ١٩٩٤ كانت هناك خشية أن  يحدث انهيار كامل لهذه المؤسسة التي تضم عدة مؤسسات في داخلها ، وامام اصرار  مجلس الادارة وافقت على تسلم هذه المهمة الصعبة للغاية ومحاولة ملء  الفراغ الكبير الذي تركته الست هند الحسيني، وكان شرطي أن يكون ذلك لبضع سنوات على ان تسلم  القيادة لغيرنا ، ولكن  مؤسسة هند الحسيني توسعت وازدادت المصاعب المالية التي تواجهها فاضطررت الى البقاء فيها حتى يومنا هذا ، على امل ان اتمكن من  ايصال هذه المؤسسة الى بر الامان ، رغم ان الظروف صعبة والأزمة التي تعمقت بسبب عزوف الداعمين من تقديم يد المساعدة لدرجة اننا وصلنا الى مرحلة ان نقدم على  خطوات تقشفية لم نتوقعها في الماضي .. 

 واعتدت السيدة  ماهرة الدجاني في مكتبها وكانت بكل أناقتها المعهودة وقالت: 

"  للاسف اصبحنا تقريبا المؤسسة النسوية الأكبر في القدس التي تعلم البنات وفق المنهاج العربي الفلسطيني، ولهذا فان الضغوط علينا كبيرة من اجل الانضمام الى  ركب بقية المدارس التي  انضوت تحت جناح المؤسسة الاسرائيلية وأخذت الاموال وتحسنت أوضاعها المالية ، نحن لا نستطيع ان نعمل ذلك . فلقد افنينا عمرنا  مع الست هند الحسيني من أجل الحفاظ على الهوية العربية الفلسطينية المقدسية في المدينة  ولن نتخلى عن ذلك مهما كان الثمن" .

 وتضيف لدينا أكثر من ١٢٠٠ طالبة ما بين الحضانة والروضة حتى المدرسة الثانوية بما في ذلك  القسم الداخلي الذي يضم  عددا من اليتيمات من القدس بعد أن حظرت علينا  اسرائيل قبول اليتيمات من الضفة الغربية وقطاع غزة . ولهذا تقلص القسم الداخلي في مدرسة دار الطفل العربي كثيرا بسبب غياب اليتيمات من بقية المدن الفلسطينية .

 وتقول السيدة أم خالد  ٣٤ وهي والدة طفلتين  في مدرسة دار الطفل العربي أن المدرسة توفر كل شي لطفلتيها بدون مقابل لان والدهم متوفى وأوضاع العائلة الاقتصادية صعبة وتضيف" لولا المساعدة التي اتلقها  من دار الطفل العربي لما تمكنت من تدريس بناتي، فانا لا املك القدرة المالية على ذلك  ،  وانا نفسي كنت قد  تعلمت في دار الطفل قبل تخرجي من دار الطفل ومن كلية هند الحسيني للبنات التابعة لجامعة القدس مقرها في  دار الطفل العربي ، ايضا كنت اتلقى المساعدة من المدرسة ، ان الكثير من  فتيات القدس اللواتي  يكنون كل محبة لهذه المدرسة التي لولاها لما تعلمن  وأصبحن ربات بيوت وموظفات وسيدات اعمال .

 وهذا ما قاله  المهندس فؤاد الدقاق  من أبرز الشخصيات في المجتمع المحلي المقدسي: 

" أن دار الطفل تمثل قلعة من قلاع القدس  والتي كان لها الفضل في تربية بناتنا وتعليمهن ليصبحن سيدات المجتمع ، خلال مسيرة دار الطفل العربي الطويلة والتي امتدت لعشرات السنين خرجت الآلاف من الفتيات واللواتي الان هناك معلمات ومهندسات وطبيات وربات بيوت ومحاسبات، ولهذا لا يمكن أن نتجاهل الدور الهام لهذه المؤسسة ، وان لا نقف الى جانبها في ازمتها المالية التي تعيشها ، ولو من منطلق رد الجميل لهذه المؤسسة والقائمات عليها، يجب ان نكون جميعا ، من خريجات ومجتمع مدني  سندا حقيقيا لهذه المدرسة".

 تلك المؤسسة التي بدأت بغرفتين مستأجرين في سوق الحصر في البلدة القديمة من القدس عام  تضم ١٩٤٨ تضم  عشرات الفتيات والفتية من قرية دير ياسين التي تعرضت لمذبحة  وحشية ، انتقلوا بعدها الى منزل الست هند الحسيني التي أخذت على عاتقها الشخصي توفير المسكن والملبس والتعليم لهؤلاء الأيتام  حتى انها طلبت من خالها إخلاء منزله من اجل اطفال دير ياسين فاستغرب هذا الطلب ولكنه قبل به بكل محبة  وبصدر رحب  ، وهكذا بدأت مدرسة دار الطفل العربي حكايتها واصبحت ملجأ كل اليتيمات في فلسطين من غزة وحتى جنين .

 في حرب ١٩٦٧ حولت الست هند الحسيني المدرسة الى مستشفى ميداني وقامت بالتنقل في حافلة المدرسة في أحياء المدينة المنكوبة  لجمع الجرحى وعلاجهم ،  وبعد الحرب فتحت أبوابها لبنات الشهداء ليتعلموا مجانا في المدرسة كما قالت أم خليل ٧٨ عاما والتي اضافت بعد استشهاد زوجي تاركا لي ثلاث بنات وطفلين  لم اعرف لمن اتوجه ولا ماذا سأفعل ، فسمعت باسم دار الطفل العربي ، فذهبت الى الست هند الحسين وشرحت لها عن حالي فقبلت بناتي طالبات في المدرسة وولدي الصغير  أخذته الى الحضانة   كل ذلك بدون مقابل حتى الملابس وفرتها لهم ، والان بناتي واحدة معلمة والثانية طبيبة والثالثة تدرس في الجامعة كل ذلك فضل هذه المدرسة الرائعة .

 السيدة رنده كمال مديرة المكتبات في جامعة القدس ، وإحدى طالبات مدرسة دار الطفل العربي تتذكر مواقف هند الحسيني  و حرصها على تعليم البنات والمساعدة أيضا : 

وفي أحد الأيام وقبل نهاية العام الدراسي بشهرين كان والدي يمر في شوارع القدس والتقى بسيدة القدس هند الحسيني، وبعد السلام  والترحيب بها، سألت السيدة هند والدي عن وضع أولاده وإلى أي من المدارس يذهبون ويتعلمون، فشرح لها والدي الوضع بأن ابنته زهيرة( زهيرة كمال اصبحت لاحقا وزيرة في السلطة الفلسطينية ومن أبرز القيادات النسوية الفلسطينية المعروفة )  تدرس في الجامعة بمصر، وعمل على تسجيل ولدين وبنت في مدرسة الإبراهيمية في القدس ويدفع لهم الأقساط، والثلاث بنات الصغار ومنهم أنا نجلس في البيت. وعندما سمعت أن له ثلاث بنات في البيت، غضبت بداخلها، وتفاجأت كثيرا وقالت له أنت أستاذ كبير، وخدمت كثيرا في سلك التعليم، وكنت مخلصا ومعطاء، وهذا غير مقبول بأن تبقي بناتك في البيت بسبب ضيق العيش وقلة المال، أرجوك أن تأتي غدا بهم إلى المدرسة وسأعمل على تسجيلهم بالمدرسة عندنا وأخذت قسطا زهيدا على ثلاث بنات. 

 وتضيف  "رنده كمال ":  لم تقف القصة  عند هذا الحد فبعد أشهر قليلة اعتقل أخى عبدالله في السجون الإسرائيلية، وحينها كان وقت تسديد القسط، وعند ذهاب والدي للمدرسة لتسديد القسط ، امتنعت عن تسلم القسط وقالت له سوف تسدده إن شاء الله بعد خروج إبنك من السجن، وبعد سبعة شهور خرج عبدالله من السجن وسدد والدي القسط. وبعد سنة تخرجت زهيرة من الجامعة وعادت إلى القدس وبدأت العمل في وكالة الغوث الدولية كمدرسة للفيزياء، وبعد أشهر قليلة توفي والدي، وذهبت اختي زهيرة بدورها لتسديد القسط، ولكن السيدة هند رفضت أخذ القسط وقالت لزهيرة إن شاء الله بعد أن يتحسن الحال سوف أتسلم القسط. وهكذا إستمر الحال إلى أن تخرجت أنا وأختي غدير من المدرسة، وبقيت رنا وفي آخر سنة وافقت السيدة هند أن تسدد أختى زهيرة جزء بسيط من القسط. 

 وتختم السيدة رندة كمال حديثها عن مؤسسة دار الطفل العربي : 

"هكذا كانت هند الحسيني، وبدون منة، صاحبة رسالة وصاحبة مبدأ بروح الإنتماء والوطنية، كانت تسير أمامنا بالمظاهرات ضد المحتل، وكانت أمامنا في الطابور الصباحي تعمل التمارين الرياضية الصباحية، كانت بين الحين والآخر تدعو الطالبات الخارجي  الى  تناول وجبة الغذاء مع الطالبات الداخلي ليشعر الجميع أنهن أخوات في بيت واحد." 

  وهذا ما وافق عليه رجل الأعمال مازن سنقرط  الوزير السابق في الحكومة الفلسطينية ومن أبرز الشخصيات المقدسية:  

" هذه المؤسسة العريقة التي علمت عشرات الآلاف من بنات القدس واحتضنت اليتيمات لسنوات طويلة  ورعتهم من حيث التربية والتعليم والعناية الصحية هذه المؤسسة اليوم تعاني كما تعاني بقية مؤسسات القدس  ولكنها عريقة بحضورها وهذ ممثلة الثقافية المقدسية وبالتالي تستحق منا الدعم والاسناد لكي تبقى هذه المؤسسة منارة لتربية الأجيال من بنات القدس"  .

 وهنا تذكرت الست ماهرة الدجاني رفيقة درب الست هند الحسيني ما قاله الأديب الدكتور اسحق الحسيني  واصفا هند الحسيني في كلمة له نشرتها في مجلة الشراع عام ١٩٨٢ " لو وجد في مدينتنا عشر نساء  مثلها همة  وقدرة  وطموحا  لصار الخراب عمارا والجاهل عالما والفقيرغنيا "

 وتضيف السيدة ماهرة " منذ عام 1995 وحتى الآن اعمل كمتطوّعة، أعيش على راتب التقاعد، عندما كنت أعمل اشتريت بعض قطع أراضٍ، بعت ثلاثة منها، ويساعدني إخوتي وأولادي عند الحاجة وحاليا اعيش في مؤسسة دار الطفل العربي  واعمل في نفس مكتب الست هند الحسيني الذي لم اغير فيه شيئا  أو اضيف إليه أية قطعة أثاث ،فذكرى ورائحة رفيقة دربي لا تزال في المكتب  اشعر بها كل يوم ..

تتربع دار الطفل العربي على عرش منطقة استراتيجية حيوية غاية في الاهمية في حي الشيخ جراح المستهدف من قبل السلطات الاسرائيلية التي تعمل ليل نهار على تهويدها بالكامل من خلال خطط ومشاريع وقرارات محاكم ، ولهذا فإن بقاء مؤسسة هند الحسيني قائمة هو إنقاذ ايضا لحي الشيخ جراح والهوية الثقافية المقدسية فهي تضم المتحف الفلسطيني الذي رغم صغر حجمه الا انه يحتوى على العديد من الآثار والمقتنيات المقدسية التي لا مثيل لها في اي مكان اخر ، كما يضم هذا المكان مبنى كلية هند الحسيني للبنات والتي أصبحت لاحقا جزءا من جامعة القدس في ثمانينات القرن الماضي  في اطار  اقامة جامعة القدس ، وفي الاونة الاخير ظهر اختلاف في وجهات النظر بين الجامعة ومؤسسة هند الحسيني مالكة المبنى مما عمق من  الازمة المالية التي تعيشها دار الطفل.

 اضافة الى مركز إسعاف النشاشيبي والذي  قامت الست هند الحسيني بشراءه من الكاتب والصحفي ناصر الدين النشاشيبي بمبلغ زهيد من اجل ان يكون مركزا للأبحاث والدراسات الاسلامية وان يمنح شهادة الماجستير في الآثار والدراسات الاسلامية المقدسية ، ولكن حتى هذه  الحلم لم يخرج الى حيز التطبيق بسبب الازمة المالية وتم تقليص هذه الحلم ليكون مكتبة إسعاف النشاشيبي فقط .

وفي كتاب عن حياة ناصر الدين النشاشيبي ( بعنوان حكاية مقدسي عاشق للكاتب خليل العسلي )  سيصدر قريبا يقول النشاشيبي عن قصر خاله أديب العربية إسعاف النشاشيبي انه قرر منح القصر للسيدة هند الحسيني دار الطفل العربي  بمبلغ زهيد لا يساوي  ربع ثمنه الحقيقي ولكنه فضل أن يكون القصر  جزء من دار الطفل العربي من أجل الحفاظ على اسم خالي شريطة أن يكون مركز للثقافة  والدراسات الاسلامية كما كان يحلم خالي أديب العربية إسعاف النشاشيبي .

 ولهذا فإن حجم الإحباط الذي تشعر به السيدة ماهرة الدجاني كبير للغاية وهي ترى المؤسسة الكبيرة الرائعة تواجه خطرا حقيقيا  بدون اية مساعدة حيث قالت : انا مستعدة لاي اقترح يساعدنا في الخروج من الازمة المالية والحفاظ على هذه المؤسسة شامخة عالية في سماء القدس  فهي آخر معقل وطني لفتيات وسيدات القدس للثقافة العربية نحن نضطر في الكثير من الاحيان الى الاستدانة من البنوك من أجل سد العجز ودفع رواتب الموظفين والمعلمات .. 

 وما أن انهت حديثها حتى طلبت من مساعدتها ان تعد  رسائل لكل الداعمين وهم كثر حول العالم تناشدهم بل وتستغيث بهم من اجل انقاذ حلم هند الحسيني وإنقاذ سنوات عمرها التي أفنتها في هذه المؤسسة فهي لا تريد أن تترك المؤسسة وهي في حالة انهيار بل ستعمل كل ما باستطاعتها من اجل اخراج هذه المؤسسة من الازمة قبل ان تغادرها وهي مطمئنة عليها .