• 19 كانون أول 2025
  • مقابلة خاصة

 

بقلم :  زيدان عبد الكافي كفافي* 

 

وصلنا المانيا يوم 6/ 10/ 1977م، وحطت بنا طائرة الملكية في مطار فرانكفورت بعد أن أقلعت من مطار ماركا، ومن هناك أخذنا القطار ، الذي ركبناه للمرة الأولى في حياتنا ، متوجهين إلى مدينة فرايبورغ (Freiburg/brsg)  الواقعة بجنوب غربي ألمانيا. وصلنا المدينة مع غياب الشمس ، وتوجهنا من محطة القطار الرئيسية في المدينة بعد أن استأجرنا سيارة  أقلتنا إلى فندق اسمه (Post Hotel)، اكتشفنا في صبيحة اليوم التالي أنه يقع في منطقة مقابلة لمحطة القطارات "الغريب أعمى" . بعد الوصول وكان التعب قد أخذ منا مأخذه ، قررنا البحث عن مطعم لتناول العشاء، وكان لنا ما كان.   لا زلت أذكر أن موكباً من الأهل اصطحبني إلى المطار لوداعي، وكان الكل في حالة حزن وبكاء، وكأني ذاهب إلى الحرب.  وكما كان ركوبي بطائرة لأول مرة، كان عجبي من أشياء كثيرة حصلت ونحن في الجو وبعد هبوط الطائرة، كان كل ما رأيت جديداً بالنسبة لي، السلم المتحرك، محطة القطارات، باب البنك الذي فتح لوحده وغيرها من الأحداث، وعدم وجود أرغفة خبز أمي في مطعم الجامعة،  علماً أن لدى الألمان أعداداً وأصنافاً كثيرة من الخبز لكنها جميعها على شكل كومة "لذيذة"  كأنها وجه شخص مأزوم تختلف عن خبزنا المفرود ، الرغيف صاحب الضحكة الواسعة . كان التركيز في مطعم الجامعة ( Mensa )على البطاطا  المهروسة والمسلوقة ، والبيض المقلي والمسلوق، والأجبان، ولا تنسى "الفورست" بأنواعه.  عالم جديد، وحياة جديدة عاشها ويعيشها الشرقي  صاحب كرش الخبز، غير  الألماني صاحب كرش البيرة.  ما أجمل أن يدق الإنسان باب ثقافة جديدة، لكن عليه أن يدخل إلى داخل البيت لا أن يقف بعيداً ولا يتعلم إلاّ ما في الكرّاس والآن الكمبيوتر. 

لن أتحدث حول هذه الحكايات، بل سأتناول تجربتي الشخصية في كيفية احتفال الناس بألمانيا بعيدي ميلاد المسيح (عليه السلام) ، ورأس السنة، إذ أننا نعيش الآن في الأردن أجواء هاتين المناسبتين.

كنا مجموعة من الطلبة المبعوثين على حساب مؤسسة التبادل الأكاديمي  (DAAD)الذين يدرسون اللغة الألمانية بمعهد غوته بمدينة فرايبورغ الواقعة بمنطقة الغابة السوداء بجنوب غربي المانيا، والقريبة من الحدود السويسرية والفرنسية. وكنا خليط من الأجناس والأعراق والديانات، ننزل في عمارة واحدة مستأجرة في المدينة من قبل معهد غوته  تقع على شارع اسمه (Watzinger Str. 33) .  وقد أبهرتنا المدينة بعراقتها ، خاصة مبانيها التي تعود بتاريخها لمئات السنين، وشوارعها التي تخترقها قنوات تسيل فيها مياه عذبة لا يعكرها سوى روث الكلاب، أما ما يزال يركم في الذاكرة جسر مدهون باللون الأزرق  الذي كنا نسمع وقع أقدامنا عندما كنا نسير فوقه ونحن في طريقنا إلى معهد غوته. أما أكثر ما أدهشني، أنني وقفت على نافذة غرفتي الصغبرة المساحة بعدأن سمعت هديراً،  فشاهدت قطاراً لا ينتهي، يخرج من محطة القطارات الرئيسية في المدينة  (Haupt Bahnhof) متجهاً نحو سويسرا على الأغلب، فقلت بيني وبين نفسي "يا الله ما أطوله من قطار"، وبدأت أعدُّ عرباته، لكني توقفت بعد أن مللت العد.

بدأت الحياة الجديدة تطل علينا برأسها من أول مساء في المدينة، وتوالت المفاجئآت الجديدة، حتى حلّ موعد الاحتفالات بعيد الفصح المجيد ورأس السنة والتي لم نكن قد تعودنا على الاحتفال بها بهذا الزخم والجمال في بلادنا العربية. 

أخذت المدينة قبل أسابيع من حلول موعد عيد الميلاد ورأس السنة تأخذ حلة جديدة، فلبست ثوباً من أغصان الأشجار المزخرفة بزخارف رأيتها أول مرة في حياتي، حتى أعمدة الكهرباء تم تزيينها.  أمّا منطقة  الدير Münster فقد غيرت جلدها  البسيطالذي اعتدنا عليه في نهاية كل أسبوع، حيث كنا نذهب لتناول السجق الألمانيWürst  من عند بائعه Müller ، وكان المكان مليء بالفلاحين القادمين من المناطق المحيطة بالمدينة ومنتوجاتهم، فكنت ترى اللحوم والدجاج والأجبان والبيض والخضروات والفواكه بجميع أصنافها، غير أنها وبمناسبة الأعياد تحولت إلى سوق واسع بنيت فيه دكاكين عددها أكبر من المعتاد تجد فيه ما لذ وطاب من مأكل ومشرب، وملبوسات ، وكل ما يحتاجه الشخص، خاصة لتدفئة جسمه.

جاء شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 1977م ، أي بعد شهرين من حلولنا بالمدينة وأصبحنا نعرف أزقة وساحات ودكاكين مدينة فرايبورغ جيداً، وصار لنا أصدقاء من جنسيات مختلفة.  

سافر بعض من  زملائنا ومعارفنا الألمان إلى مدنهم الأصلية ليلتحقوا بأهاليهم ليحتفلوا سوياً  مع عائلاتهم بالأعياد، وخوفاً من البقاء في الوحدة، تجمّع عدد منّا وقررنا أن نحتفل أيضاً في نفس المساء والليلة، لكن على طريقتنا.  فطبخ بعض منا طبخته (المقلوبة)، وأحضر آخرون بعض الأكل  الشعبي من بلادهم (ياباني، بولندي، افربقي)،أما الألمان فيأكلون ديك الحبش، أو اللحم المقدد كوجبة عائلية رئيسية، وولسجق الألماني دائماً مكان خاص على المائدة ويشربون النبيذ أو غيره من المشروبات الروحية.

ومقارنة الحال بمثل هذه المناسبات في بلداننا العربية  أذكر أنه كان من عاداتنا في الأردن أن النساء كنّ يقمن بمناسبة حلول عيدي الفطر والأضحى بعمل المعمول ، وخبزه إما في فرن في البيت،  أو في فرن عام، علماً أن هذا  الحال قد تغير في الحاضر حيث أصبح الناس يشترونه من محال الحلويات. وبصراحة  لا زال طعم معمول وغريبة  أمي "مريم" المخبوز  في فرن أبو عبدالله اليهودية في وادي الحدادة بعمان في ستينيات القرن الفائت وغير الملفوف بالورق  (لا يضاهيه إلاّ معمول زوجتي أم بشار المخبوز في فرن البيت، باعتراف أخواتي ومن أكل منه) ألذ من طعم المعمول الملفوف بالورق المزوق برسومات جميلة.  أما الألمان فلهم حلوياتهم الخاصة التي تخبز في مخابز عامة ،وتؤكل بهاتين المناسبتين وهي تختلف كلياً عن معمولنا ، لكنهم يشترونها من المخابز والمحال  في الأسواق ويقدمونه على سبيل الإهداء، أو للضيوف،  ولا زلت أذكر نوعين منها، هما:  Weihnachts Stollen و Plätzchen.

أما من العادات الأخرى التي عشتها بمناسبة  عيد الميلاد ورأس السنة الميلاد، كانت الأسواق تمتلئ بالمشترين لشراء هدايا للأهل والأصدقاء، فكنت ترى المحال التجارية ، وخاصة  المحل التجاري الكبير  في فرايبورغ المسمى Kaufhof  وعلى بعد منه محل آخر اسمه Herte وقد امتلأ الواحد منهما عن بكرة أبيه بالزبائن، وبالبضائع، وترى هذا الزبون يقلب أنواع الملابس، ويهتم آخر بالحلويات، أو غيرها من البضائع . كما كان الاهتمام كبير بانتقاء ورق التغليف، وكان الناس يقضون وقتاً طويلاً في تغليف هداياهم.  وبعد الانتهاء من هذه العملية الشاقية يحملون كثيراً منها إلى مراكز البريد لإرسالها لمحبيهم. وكنت تدخل إلى بيت الألماني فتجد أن شجرة عيد الميلاد تتوسطه وحولها الهدايا، وكأنها أخذت عهداً عليهم ألا يفتحونهم حتى يحين الموعد المقرر لذلك، ويحفظ الناس العهد بينهم وبين الشجرة.

انتظرنا كغيرنا من أهل المدينة الألعاب النارية التي تطلق من جبل عالٍ في المدينة ، أذكر أن اسمه كان   Schlossberg، وخرج الناس إلى الشوارع وأعينهك شاخصة إلى السماء تنظر إلى الأشكال التي تشكلها الألعاب النارية، وكانوهم يتذكرون بهذا طفولتهم ، فكانت مناظر أخّاذة  عشتها لأول مرة في حياتي. 

كانت هذه تجربة جميلة أفادتني في تجاربي خلال السنوات التي أقمت  فيها بألمانيا، إذ أنه وبعد قضاء ستة أشهر في مدينة فرايبورغ وانتهاء دراسة اللغة الألمانية بمعهد غوته، كان علي التوجه إلى  مدينة برلين (الغربية في حينها) لألتحق بجامعة برلين الحرة، فتغير الت الأحوال كلياً، كما هو وارد أدناه. 

وصلت برلين على ما أذكر يوم 27/ 3/ 1978م بعد أن ودعت أصدقاء فرايبورغ، وسكنت في بيت مع مجموعة من الطلبة الألمان.  تغير عليّ كل شيء مثل الأكل، كما تغيرت علي المدينة والأصحاب، فلم يعد حولي من أصحاب اللغة العربية  وأكلة الخبز أحد سوى من كانوا في الجامعة.  تميزت فرايبورغ عن برلين الغربية أنها أصغر مساحة، يعبرها شوارع رئيسة قليلة العدد، تعرفها وتعرفك بكل سهولة، لكنها جميلة بطبيعتها وسهولة الذهاب والوصول إلى مكان إقامتك وإلى البلدان المحيطة بها غرباً وجنوباً، إلى فرنسا وسويسرا على التوالي، أما برلين الغربية فكانت تشبه جزيرة داخل بحر إذ أنها محاطة بألمانية الشرقية (DDR)، لكنها كبيرة المساحة فيها عدد كبير من البحيرات والمساحات الخضراء، والشوارع الواسعة ، كان الشارع الرئيسي فيها (قبل الوحدة) هو  Kurfürstendamm الذي تتوسطه كنيسة دمر جزء كبير منها خلال الحرب العالمية الثانية ، وأسمها Kaiser-Wilhelm-Gedächtnis-Kirche، كما تخترق تحت أرض المدينة أنفاق تسير فيها قطارات يسمونها قطارات تحت الأرض U-Bahn، وطبعاً هذه الوسيلة من المواصلات  كانت غير متوفرة في فرايبورغ.، وغير معروفة لدي سابقاً

 عودة إلى موضوعنا وهو اسواق عيدي الميلاد ورأس السنة، المناسبة تبقى هي المناسبة أينما ذهبت وحللت،  لكن ربما يكون الاختلاف فقط في طريقة الاحتفال ومكانه فقط.  كان السوق في فرايبورغ يحتل  مكاناً واحداً رئيسياً للاحتفالات على الأغلب ، وهو حول الدير. ويبدأ احتفال عيد الميلاد ورأس السنة في كل القرى والبلدات والمدن بأن يذهب الناس في منتصف ليلة الميلاد إلى الكنائس، كما هو حال جميع العالم المسيحي، يصلون ويسمعون ترانيم (الأورغ) ويتناولون الخبز، وهكذا تنقضي المناسبة، يخرج الناس بعدها وقد ملأ الفرح وجوههم يتأبط كل منهم  من يحب،  هلليلويا هلليلويا.... ويبقى السوق باسطاً ذراعيه يستقبل زبائنه يقدم خمر الأعياد لم يريد شربها. 

 كما هو حال جميع المدن الكبرى، كان حال برلين الغربية، إذ تكون أسواق أعياد الميلاد ورأس في أماكن مركزية متوزعة على عدد من أحياء االمدينة ، حيث أن سوقها الرئيسي كان ولا يزال يبنى حول  ال Gedächtnis-Kirche، إضافة إلى  بناء أسواق أخرى في جميع مراكز أحياء برلين الأخرى ، وبضائع هذه الأسواق  هي البضائع نفسها التي عشتها في مدينة فرايبورغ.  لكن تختلف الاحتفالات في برلين أنك تسمع في أسواقها أصوات فرقاً موسيقية تشنف آذان زائري السوق، كما كان بعض الزائرين يرقصون على أنغامها، كما كانت هناك بعض الألعاب الخفيفة.  كما أن بعض المباني التراثية، خاصة تلك التي تحمل رمزاً تاريخياً ، مثل،  عمود النصر ،(Sieg Seule) والمباني العامة في العاصمة خاصة مبنى البرلمان الرايشستاغ (Reichstag)  وبوابة براندنورغ  (Brandenburger Tor) التي تعلوها عربة النصر تجرها أحصنة (لم أعرف اتجاهها  وإلى أين هي ذاهبة؟ حتى الآن)،  وغيرها تنار بالكهرباء ليلاً.   

ختاماً، هذه الصفحة  الثانية من صفحات دفتري  العتيق، أهديها لمن شاركني هذه الاحتفالات خلال إقامتي بألمانيا ، ولأهلنا أصحاب الديانة المسيحية في العالم عامة، و العربي خاصة،  الذين سيحتفلون خلال الأسبوع القادم بعيد الميلاد المجيد وعيد رأس السنة الميلادية. أعاده الله على الأردن وجميع العالم العربي بالخير والسؤدد، وقد زالت الغمّة عن أهلنا في فلسطين وبقية العالم العربي ، وحمى الله الأردن من كل مكروه وأذى في ظل الأسرة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم، أعز الله ملكه،  وولي عهده المحبوب سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حفظهما الله ورعاهما. 

*كتبت هذا النص بعد مرور حوالي 48 سنة على وضع قدمي على تراب ألمانيا

عمّان في  19/ 12/ 2025م