- 21 كانون أول 2025
- مقابلة خاصة
بقلم : د. نائلة الوعري*
مع اقتراب أعياد الميلاد، تعود القدس إلى واجهة الذاكرة بوصفها مدينة لم تعرف العيد كطقس ديني فحسب، بل كمناسبة اجتماعية جامعة شكّلت جزءًا من نسيجها اليومي. ففي القدس، لطالما تزامن صوت الأذان مع قرع أجراس الكنائس، في مشهدٍ يوميّ عكس طبيعة المدينة كفضاءٍ دينيّ واجتماعيّ متداخل، لا تعرف فيه المناسبات حدود العزل أو القطيعة. بين الأمس واليوم، تغيّرت ملامح الاحتفال، لكن العلاقات التي ربطت أهل القدس، مسلمين ومسيحيين، ظلّت شاهدًا حيًا على تاريخ مدينة صانت تعدديتها رغم التحولات القاسية.
شكّلت أعياد الميلاد في القدس، عبر تاريخها الحديث، مناسبة دينية ذات أبعاد اجتماعية وثقافية واسعة، تجاوزت الإطار الكنسي لتغدو جزءًا أصيلًا من حياة المدينة وعلاقات مجتمعها. فمنذ أواخر العهد العثماني، مرورًا بفترة الانتداب البريطاني، ظلّ عيد الميلاد محطة سنوية تعكس طبيعة القدس كمدينة تعددية، تتداخل فيها الأديان في الفضاء العام كما في تفاصيل الحياة اليومية.
في الأمس، ولا سيما حتى منتصف القرن العشرين، اتسمت احتفالات الميلاد بالبساطة والوقار، وبحضور اجتماعي جامع. لم يكن العيد حكرًا على المسيحيين وحدهم، بل مناسبة يشارك فيها المسلمون والمسيحيون على السواء؛ بالتهاني، وزيارات البيوت، وتبادل الحلوى، وحضور العيد في الأسواق والأحياء. كانت أجراس الكنائس تُقرَع بوصفها صوتًا مألوفًا من أصوات القدس، ينسجم مع الأذان في مشهدٍ يعكس وحدة الإيقاع اليومي للمدينة.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بصورة عميقة بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي أعادت تشكيل الفضاء الديني والاجتماعي في القدس. لم تعد أعياد الميلاد بمنأى عن التقييد والمنع؛ إذ بات الوصول إلى الكنائس خاضعًا لإجراءات أمنية مشددة، وتصاريح، وإغلاقات متكررة، وصلت في بعض المناسبات إلى إغلاق الكنائس أو تقييد الحركة في محيطها. ولا يمكن فصل ما يطال الكنائس عمّا يتعرض له المسجد الأقصى من اقتحامات ومنع للصلاة وقطع متعمد لصلة الفلسطينيين بمقدساتهم.
ورغم ذلك، لم تختفِ مظاهر المشاركة الاجتماعية، وإن باتت أكثر تواضعًا. فما زالت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في القدس قائمة على ذاكرة عيشٍ مشتركٍ طويلة، وعلى شعور جماعي بأن ما يصيب المدينة يصيب أهلها جميعًا دون تمييز ديني.
بين الأمس واليوم، تغيّر شكل الاحتفال، لكن معناه بقي حاضرًا. فالميلاد في القدس شاهد على تاريخ طويل من التعايش، وعلى مدينة لا تزال قادرة على حماية روحها الجامعة رغم السياسات المفروضة عليها.
*باحثة في تاريخ القدس الحديث والمعاصر

