• 25 كانون أول 2025
  • مقابلة خاصة

 

 

 القدس - أخبار البلد - لقد خصت الباحثة والمؤرخة ابنة القدس الدكتورة نائلة الوعري شبكة " أخبار البلد" المقدسية بنشر دراسة عن القدس ومكانتها التاريخية في أدب الرحلات ، وخاصة وان الدكتورة الوعري كان قد نشرت سلسلة من الكتب الموسوعية التي تعتبر مراجع هامة عن القدس ومنها الكتاب " فلسطين في كتب الجغرافيين والرحالة العرب والمسلمين".

 ويسعدنا ان نخصص في " أخبار البلد" المقدسية الحيز اللائق لهذه الدراسة لتكون مرجعا آخر للباحث والقارئ والعاشق للقدس ، ونتقدم بجزيل الشكر للمقدسية الأصيلة التي ابقت القدس حية اينما ذهبت ، الدكتورة نائلة الوعري : 

لقد حفلت كتب التراث الجغرافي والتاريخي بالكثير من النصوص الهامة عن المدن والقرى الفلسطينية. بل يكاد لا يخلوا كتاب جغرافي أو معجم موسوعي من ذكر المدن الفلسطينية وفي مقدمتها مدينة القدس الشريف؛ ويرجع ذلك إلى المكانة الدينية التي تحتلها الأرض المقدّسة في قلوب المسلمين، عبر عصور التاريخ الإسلامي التي تلت الفتح العمريّ لمدينة القدس. ولوجود القدس على أرض فلسطين الطهور؛ والتي كانت قبلة  المسلمين الأولى لمدّة ثلاث عشرة سنة ونيفاً، قبل أن يأمر الرسول e المسلمين أن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام. وفيها ثالث الحرمين الشريفين، وهي مدينة الأنبياء، ومدينة الإسراء والمعراج، إضافةً إلى كثرة الأحاديث النبوية التي تحث المسلمين على شدّ الرحال إلى بيت المقدس وزيارتها والصلاة في مسجدها. 

ولا ننسى المكانة العلمية التي تتميز بها القدس ابتداءً من القرن الخامس الهجري، حيث كانت مركز إشعاع علمي يقصده العلماء من كافة أصقاع العالم الإسلامي لطلب العلم والمجاورة ومجالسة العلماء. 

  لهذه الأسباب، كانت الأرض المقدّسة موضع اهتمام العلماء، وبرز نوع من الأدب الإسلامي يدعو إلى زيارة القدس والتبرك بمقدّساتها، وكثرت المؤلفات التي تبحث في فضائلها. ومن أهم المصادر التراثية كتب الجغرافيا والرحلات، التي تعرّضت بشكل واسع للمدن والقرى الفلسطينية.

المدن المقصودة للزيارة:

أما في الجانب المتعلق بالرحلات فقد عَرِف التراث الجغرافي العربيّ أنواعاً عدّة من أدب الرّحلة، يتميّزُ بعضها عن بعض بالسبب الدافع لها، فمنها رحلات الحجّ (أو الرحلات الحجازية) التي تميّز بها المغاربة والأندلسيون وتركوا تراثاً غنيّاً غاية في الأهمية ودقّة الوصف والإفادات الفريدة. وهناك الرّحلات الجغرافية المرتبطة باكتشاف المكان والآخر، وتسجيل أوصاف المدن والجبال والأنهار وتقدير المسافات، بَرَعَ فيها عددٌ من الرحّالة جوّابي الآفاق، الذين وعوا أهمية ما يقومون به وسجّلوه. وهناك المذكرات الجغرافية التي سجّلها السُّفراء في بعوثهم، وتميّزوا بالملاحظة الذكية التي تطرّقت لجوانب مفيدة عمّن كتبوا عنه أرضاً وشعوباً وعادات. والجامع بين أنواع الرّحلة كلّها التطرّق إلى المكان والإنسان، ووصف الأرض وما عليها وما تُنْبته من نِتَاج، وذكر المتميّزين من الأعْيَان والعلماء الذين التقى بهم الرحّالة في تلك الأصقاع.

    ويأتي في مقدّمة المدن المقصودة للزيارة، مَكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، لما لهما من القُدْسية والمكانة الدِّينية والعلمية على امتداد التاريخ الإسلاميّ، وهما مقصد الحاجّ لأداء مناسكه، يَنْجَذبُ إليها المسلمون من كافة الأصقاع، متجشّمين عناء السّفر وركوب الأخطار، وقد استأثرا بالنصيب الأكبر من أدب الرّحلة وارتبطا به.

ويأتي في المرتبة الثانية من حيث الكمّ، مدينة القُدْس الشَّريف، التي كانت مقصداً للرحّالة ومزاراً ومتبركاً وموئلاً لطَلَبِ العِلْم والمجاورة؛ لما لها من مكانة دينية ولارتباطها بالأرض المُقَدّسة، إضافة إلى كونها مركزاً علمياً يؤمّه علماء المسلمين من مختلف أنحاء العالم. واعتماداً على هذه المعطيات برز أدب إسلامي يدعو إلى زيارة القُدْس والتبرّك بمقدّساتها، وقد حفلت دور الكتب وخزائن المخطوطات بكمية كبيرة من الرّحلات المَقْدسيّة، وكتب الفضائل، و كان قرب المسافة ـ نسبياً ـ بين القُدْس والحِجَاز مدعاةً لكثيرٍ من الرحّالة المغاربة والأندلسيون للتوجّه لزيارة بيت المَقْدس بعد أداء فريضة الحجّ. فعند مدينة أيلة (العقبة في جنوب الأُرْدن) يفترق ركب الحاجّ الشَّاميّ عن المِصْريّ، ومنها يختار زوار القُدْس التوجّه إليها بالبرِّ عبر غَزَّة أو الخليل. 

القدس في ادب الجغرافيين  والرحالة العرب

 من أقدم نصوص الجغرافيين العرب عن القدس نصٌ صغير للجغرافي ابن خُرْداذبة يقول فيه: "كورة فلسطين: كورة الرّملة، كورة إيليا وهي بيت المقدس، وبينها وبين الرّملة ثمانية عشر ميلاً. وبيت المقدس كان دار ملك داود وسليمان عليهما السّلام ورحبعم بن سليمان وولد سليمان، ومن بيت المقدس إلى مسجد إبراهيم صلى الله عليه وقبره ثلاثة عشر ميلاً مما يلي القبلة".

وذكرها باقتضاب الجغرافي المعروف باليعقوبي بقوله: "ولفلسطين من الكور: كورة إيليا وهي بيت المقدس، وبها آثار الأنبياء عليهم السّلام". 

وأفرد ابن الفقيه1) فصلاً كاملاً في كتابه للحديث عن بيت المقدس، وأورد جملة من الأحاديث الواردة في فضلها وفضائلها. 

وقال الإصطخري2): "وفلسطين أزكى بلدان الشّام ومدينتها العظيمة الرّملة وبيت المقدّس يليها في الكبر، وبيت المقدّس مدينة مرتفعة على جبال يصعد إليها من كلّ مكان قصد من فلسطين، وبها مسجد ليس في الإسلام مسجد أكبر منه والبناء في زاوية من غربيّ المسجد يمتدُّ على نحو نصف عرض المسجد والباقي من المسجد فارغ إلاَّ موضع الصخرة فإنَّ عليه حجراً مرتفعاً مثل الدكَّة وفي وسط الحجر على الصخرة قبَّة عالية جدا وارتفاع الصخرة من الأرض إلى صدر القائم وطولها وعرضها متقارب يكون بضعة عشر ذراعاً وينـزل إلى باطنها بمراقٍ من باب شبيه بالسرداب إلى بيت يكون طوله نحو بسطة في مثلها.

وليس ببيت المقدّس ماء جارٍ سوى عيون لا تتَّسع للزروع، وهو من أخصب بلدان فلسطين، ومحراب داود عليه السلام بها وهو بنية مرتفعة ارتفاعها يشبه أن يكون خمسين ذراعاً من حجارة وعرضها نحو ثلاثين ذراعاً على الحزر والتخمين وأعلاه بناء مثل الحجرة وهو المحراب وإذا وصلت إليها من الرّملة فهو أول ما يتلقاك من بناء بيت المقدّس، وفي مسجد بيت المقدّس لعامَّة الأنبياء المعروفين لكّ واحد منهم محراب معروف وعلى ناحية جنوب بيت المقدّس على ستَّة أميال منه قرية تعرف ببيت لَحْم".

وذكرها المقدسي البشاري في مواضع عديدة من كتابه، ووصف المدينة وخططها، ويعتبر وصف المقدسي من أدق ما كتب عن المدينة، لأنه يتحدث عن معرفة بطبيعتها، وهو من أهلها، لذلك نقل الجغرافيون كلامه في معرض حديثهم عن القدس. قال المقدسي في باب ذكر الخصائص في الأقاليم: "وبمكة فصاحة، وبمرو دهاة، وصنعاء طيبة الهواء، وبيت المقدس حسنة البناء ... ولا أفقر من أهل يثرب، ولا أعف من أهل بيت المقدس ... فإن سأل سائل: أي البلدان أطيب؟ نظر فإن كان ممن يطلب الدارين قيل له: بيت المقدس، وإن كان مخلصاً آمنا من الطمع قيل مكة، وإن كان ممن يطلب النعمة والحيازة والرخص والفواكه قيل له كل بلد أجزاك وإلا فعليك بخمسة أمصار: دمشق والبصرة والري وبخارى وبلخ...".

ثم وصفها بقوله: "بيت المقدس ليس في مدائن الكور أكبر منها، وقصبات كثيرة أصغر منها كاصطخر وقاين والفرما لا شديدة البرد، وليس بها حر، وقلَّ ما يقع بها ثلج. ولا برد شديد قال هذا صفة الجنَّة، بنيانهم حجر لا ترى أحسن منه ولا أتقن من بنائها ولا اعفَّ من أهلها ولا أطيب من العيش بها ولا انظف من أسواقها ولا اكبر من مسجدها ولا اكثر من مشاهدها عنبها خطير وليس لمعنَّقتها نظير، وفيها كلُّ حاذق وطبيب، واليها قلب كل لبيب، ولا تخلو كلَّ يوم من غريب، 

وأما المسجد الأقصى فهو على قرنة البلد الشرقيّ نحو القبلة أساسه من عمل داود طول الحجر عشرة اذرع واقلُّ منقوشة موجَّهة مؤلَّفة صلبة وقد بنى عليه عبد الملك بحجارة صغار حسان وشرفوه وكان احسن من جامع دمشق لكن جاءت زلزلة في دولة بنى العبَّاس فطرحت المغطى إلا ماء حول المحراب فلمَّا بلغ الخليفة خبره قيل له لا يفي برده إلى ما كان بيت مال المسلمين فكتب إلى أمراء الأطراف وسائر القادة أن يبنى كلُّ واحد منهم رواقاً فبنوه أوثق واغلظ صناعةً مما كان وبقيت تلك القطعة شامة فيه وهي إلى حدّ أعمدة الرخام وما كان من الأساطين المشيَّدة فهو محدث، وللمغطى ستَّة وعشرون باباً باب يقابل المحراب يسمَّى باب النحاس الأعظم مصفَّح بالصفر المذهب لا يفتح مصراعه إلا رجل شديد الباع قوىُّ الذراع عن يمينه سبعة أبواب كبار في وسطها باب مصفَّح مذهب وعلى اليسار مثلهن ومن نحو الشرق أحد عشر باباً سواذج وعلى الخمسة عشر رواق على أعمدة رخام أحدثه عبد الله بن طاهر وعلى الصحن من الميمنة أروقة على أعمدة رخام وأساطين وعلى المؤخر أروقة آزاج من الحجارة وعلى وسط المغطَّى جمل عظيم خلف قبَّة حسنة والسقوف كلُّها إلا المؤخر ملبسة بشقاق الرصاص والمؤخر مرصوف بالفسيفساء الكبار والصحن كله مبلط وسطه دكة مثل مسجد يثرب يصعد إليها من الأربع جوانب في مراقٍ واسعة وفي الدكة أربع قباب قبَّة السلسلة قبَّة المعراج قبَّة النبي صلّى الله عليه وسلم وهذه الثلاث لطاف ملبسة بالرصاص على أعمدة رخام بلا حيطان وفي الوسط قبَّة الصخرة على بيت مثمن بأربعة أبواب كلُّ باب يقابل مرقاة باب القبلي باب إسرافيل باب الصور باب النساء يفتح إلى الغرب جميعها مذهبة في وجه كلّ واحد باب ظريف من خشب التنُّوب مداخل حسن أمرت بهن أم المقتدر بالله وعلى كلّ باب صفَّة مرخَّمة بالتنويية تطبق على الصفرية من خارج وعلى أبواب الصفاف أبواب أيضاً سواذج داخل البيت ثلاثة أروقة دائرة على أعمدة معجونة اجل من الرخام واحسن لا نظير لها قد عقدت، عليها أروقة لاطية داخلها، رواق آخر مستدير على الصخرة لا مثمن على أعمدة معجونة بقناطر مدوَّرة فوق هذه منطقة متعالية في الهواء  فيها طيقان كبار والقبَّة من فوق المنطقة طولها عن القاعدة الكبرى مع السفُّود في الهواء مائة ذراع ترى من البعد فوقها سفُّود حسن طول قامة وبسطة والقبَّة على عظمها ملبسة بالصفر المذهب وارض البيت وحيطانه مع المنطقة من داخل وخارج على ما ذكرنا 

وذكر الشريف الإدريسي مدينة القدس وعدّد ما بها من المشاهد والمزارات، قال: "وبيت المقدس مدينة جليلة قديمة البناء أزلية وكانت تسمى إيلياء وهي على جبل يصعد إليها من كل جانب وهي في ذاتها طويلة وطولها من المغرب إلى المشرق وفي طرفها الغربي باب المحراب وهذا الباب عليه قبَّة داوود عليه السّلام وفي طرفها الشرقي باب يسمى باب الرحمة وهو مغلق لا يفتح إلا من عيد الزيتون لمثله ولها من جهة الجنوب باب يسمى باب صهيون ومن جهة الشمال باب يسمى باب عمود الغراب وإذا دخل الداخل من باب المحراب وهو الباب الغربي كما قلناه يسير نحو المشرق في زقاق شارع إلى الكنيسة العظمى المعروفة بكنيسة القيامة وهي الكنيسة المحجوج إليها من جميع بلاد الروم التي في مشارق الأرض ومغاربها فيدخل من باب في غربها فيجد الداخل نفسه في وسط القبَّة التي تشتمل على جميع الكنيسة وهي من عجائب الدنيا والكنيسة أسفل ذلك الباب ولا يمكن أحدا النـزول إليها من هذه الجهة ولها باب في جهة الشمال ينـزل منه إلى أسفل الكنيسة على ثلاثين درجة ويسمى هذا الباب باب شنت مرية وعند نـزول الداخل إلى الكنيسة تلقاه المقبرة المقدسة المعظمة ولها بابان وعليها قبَّة معقودة قد أتقن بنيانها وحصن تشييدها وأبدع تنميقها وهذان البابان  أحدهما يقابل الشمال حيث باب شنت مرية والباب الآخر يقابله من جهة الجنوب ويسمى باب الصلوبية وعلى هذا الباب قنبنار الكنيسة ويقابلها من جهة الشرق كنيسة عظيمة كبيرة جدا يقدس فيها إفرنج الروم ويقربون. 

وذكرها ياقوت الحموي في مادة "المقدس"، فتحدث أولاً عن المعنى اللغوي للكلمة، ثم أورد بعض الآيات القرآنية وقول المفسرين فيها، وبعض الأحاديث النبوية، ثم قال: "وقد وصفها القدماء بصفات إن استقصيتها أمللت القارئ، والذي شاهدتُه أنا منها أن أرضها وضياعها وقراها كلّها جبال شامخة وليس حولها ولا بالقرب منها أرض وطيئة البتة وزروعها على الجبال وأطرافها بالفُؤوس لأن الدواب لا صنع لها هناك، وأما نفس المدينة فهي على فضاء في وسط تلك الجبال وأرضها كلها حجر من الجبال التي هي عليها وفيها أسواق كثيرة وعمارات حسنة.

وأما الأقصى فهو في طرفها الشرقي نحو القبلة أساسه من عمل داود، عليه السّلام، وهو طويل عريض وطوله أكثر من عرضه، وفي نحو القبلة المصلّى الذي يخطب فيه للجمعة وهو على غاية الحسن والإحكام مبنيّ على الأعمدة الرخام الملونة والفُسيَفساء التي ليس في الدنيا أحسن منها لا جامع دمشق ولا غيره، وفي وسط صحن هذا الموضع مِصطبة عظيمة في ارتفاع نحو خمسة أذرع كبيرة يصعد إليها الناس من عدة مواضع بدرج.

وفي وسط هذه المصطبة قبَّة عظيمة على أعمدة رخام مسقفة برصاص منمّقة من برّا وداخل بالفسيفساء مطبقة بالرخام الملون قائم ومسطح، وفي وسط هذا الرخام قبَّة أُخرى وهي قبَّة الصخرة التي تزار وعلى طرفها أثر قدم النبي، صلّى الله عليه وسلم، وتحتها مغارة يُنـزل إليها بعدّة درج مبلّطة بالرخام قائم ونائم يصلّى فيها وتزار، ولهذه القبَّة أربعة أبواب. 

وفي شرقيها برأسها قبَّة أُخرى على أعمدة مكشوفة حسنة مليحة يقولون إنها قبَّة السلسلة، وقبَّة المعراج أيضاً على حائط المصطبة وقبَّة النبي داود، عليه السّلام، كل ذلك على أعمدة مطبق أعلاها بالرصاص، وفيها مغاور كثيرة ومواضع يطول عددها مما يزار ويتبرك به. 

ويشرب أهل المدينة من ماء المطر، ليس فيها دار إلا وفيها صهريج لكنها مياه رديّة أكثرها يجتمع من الدروب وإن كانت دروبهم حجارة ليس فيها ذلك الدّنس الكثير. وبها ثلاث برك عظام: بركة بني إسرائيل وبركة سليمان، عليه السّلام، وبركة عياض عليها حمّاماتهم. 

وأورد القزويني بعض الأحاديث والأخبار المروية عن فضل بيت المقدس، وعدّد ما بها من المشاهد والمزارات، قال: "بيت المقدس: هي المدينة المشهورة التي كانت محلّ الأنبياء وقبلة الشرايط ومهبط الوحي. بناها داود وفرغ منها سليمان، عليه السّلام؛ وعن أُُبيّ بن كعب: أن الله تعالى أوحى إلى داود: ابنِ لي بيتاً. فقال: يا ربّ أين؟ قال: حيث ترى الملك شاهراً سيفه! فرأى داود ملكاً على الصخرة بيده سيف، فبنى هناك، ولمّا فرغ سليمان من بنائها أوحى الله تعالى إليه: سلني أعطك! فقال: يا ربّ أسألك أن تغفر لي ذنبي! فقال: لك ذلك! قال: وأسألك أن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصّلاة فيه، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد! فقال: لك ذلك! قال: وأسألك لمن جاءه فقيراً أن تغنيه! قال: ولك ذلك! قال: وأسألك إن جاءه سقيماً أن تشفيه! قال: ولك ذلك. 

وعن ابن عبّاس: البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء، وما فيه موضع شبر إلاّ وصلّى فيه نبيّ أو قام فيه ملك. 

وذكرها جمال الدين الوطواط في الكلام على جند فلسطين، قال: "وأما جند فلسطين فكانت مدينته قديماً إيليا وهي بيت المقدس، وهي مدينة عادية في وادٍ بين جبال شوامخ بناها أولاً سليمان بن داود عليهما السّلام. وقد وصف الناس حرم هذه المدينة كما وصفوا حرمي الله ورسوله فأطنبوا وأسهبوا فلا حاجة بنا لذكره، ولم يزل قصبة هذا الجند إلى أن ملكوه المسلمون، فبنا الرملة سليمان بن عبد الملك وصيّرها القصبة ثم توالت عليها الزلازل فانتقل عنها أهلها إلى بيت المقدس وبقيت ضيعة...".

وأفرد ابن شاهين الظاهري فصلاً للحديث عن مدينة القدس الشريف، ذكر فيه جملة الآيات الواردة في فضلها، وعدّد الأحاديث والأخبار المأثورة فيـها، ثم قال: "وبالقدس الشريف مصطبة على سطح الصخرة يرى منها قلعة الكرك، وهي مسيرة أربعة أيام، ويصلّى بمسجد بيت المقدس في أذن أربع صلوات على المذاهب الأربعة أول ما يبدأ بمذهب الإمام مالك بجامع المغاربة ثم بالمسجد الأقصى على مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي ثم بقبَّة الصخرة على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ثم بقبَّة موسى والرواق الغربي على مذهب الإمام احمد بن حنبل ولهذا الحرم أوقاف كثير وخدام ومباشرون اختصرت ذكرهم خشية الإطالة.

وبالقدس الشريف أسواق كثيرة من جملتها ثلاث قصبات على صف واحد قيل انه لم يكن بغالب البلاد نظيرها وبها مدارس كثيرة وخانات وحمامات وعمائر حسنة ولم يؤخذ بها شيء من المكوس بخلاف جميع المدن وبها كنيسة قمامة التي يزورها جميع طوائف النصارى والفرنج والقدس مدينة شريفة عظيمة يعمل فيها فضة ميناء تجلب منها إلى سائر البلاد وأوصافها كثيرة وفضائلها جمة وهذا على وجه الاختصار. 

وبضواحيها عين سلوان والطور ورابعة العدوية وقبر السيدة مريم وقبور الشهداء وخان الظاهر والزاوية القلندرية...". 

أما مجير الدين  الحنبلي فإن كتابه حافل بالحديث عن مدينة القدس الشريف، إذ تشكّل مادة الكلام عن القدس مع مدينة الخليل موضوع الكتاب، وأورد في أحد فصول الكتاب خبر فتح بيت المقدس على يد السّلطان صلاح الدين سنة 583هـ.

القدس في كتب الرحالة:

أقتصر الحديث هنا على بعض نماذج الرحلة إلى القدس، المشهور منها المتوفر، إذ أن كثيراً من هذه الرحلات إما مفقود أصله أو لا زال مخطوطاً لم يطبع.

فمن أقدم نصوص الرحلات المقدسية رحلة ناصر خسرو المسماة "سفرنامة"، ويرجع تاريخها إلى أواسط القرن الخامس الهجري، وهي باللغة الفارسية تمت ترجمتها إلى العربية. ويعتبر ناصر خسرو أول رحالة مسلم يزور بلاد الشام وفلسطين ويدوّن انطباعاته ومشاهداته على نمط الرحلة بوصفها المتعارف عليه.

وفي القرن السابع الهجري قام الرحالة المغربي محمد العبدري برحلته إلى المشرق، وتحديداً في سنة 688هـ، وبعد أن أدى فريضة الحج عاد عن طريق البر. وعند عقبة أيلة (مدينة العقبة في جنوب الأردن) حيث ينفصل ركب الحاج الشامي عن المصري، توجه إلى فلسطين ماراً بالخليل وحلحول وصولاً إلى القدس، ولم تتجاوز مدة إقامته في القدس خمسة أيام، لذا جاءت إفادته ضئيلة نسبياً استغرقت أربع صفحات من كتابه الموسوم بالرحلة المغربية (أو العبدرية).

أما الرحالة المغربي الذائع الصيت ابن بطوطة الطنجي فقد زار القدس  اكثر من مرة ولكني رصدت مرتان: الأولى سنة 726هـ/ 1325م. والثانية سنة 749هـ/ 1348م. وجاء كلامه عن القدس مقتضباً جداً تضمّن أربعة أبواب: ذكر المسجد المقدس، ذكر قبة الصخرة، ذكر بعض المشاهد المباركة بالقدس الشريف، ذكر بعض فضلاء القدس. ورحلة ابن بطوطة مشهورة معروفة سماها: "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار".

ومن رحلات القرن الثامن الهجري رحلة خالد بن عيسى البلوي الأندلسي، الذي زار فلسطين سنة 737هـ/ 1337م، في رحلته المسماة "تاج المفرق في تحلية علماء المشرق". وأقام بالقدس مدة شهرين، وترك لنا وصفاً دقيقاً للمواضع التي مر بها، ودوّن مشاهداته الكثيرة عن القدس وعن الحرم الشريف بما فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وأورد ذكر طائفة من علماء بيت المقدس الذين التقاهم.

وفي القرن الحادي عشر الهجري قام الرحالة إبراهيم الخياري بزيارته لفلسطين، وهو عالم من أهل المدينة المنورة، سـافر إلى القسطنطينية سنة 1080هـ/ 1669م لرفع مظلمته إلى السلطان العثماني، وفي طريق العودة مر على القدس، ولم تتجاوز مدة إقامته يومين، غير أنه ترك وصفاً جيداً للمدينة ضمنه كتابه المسمى "تحفة الأدباء وسلوة الغرباء".

  وقد اقتصرنا على الرحلات التي كتبت خلال العهد العثماني، لأن ما كتب قبل ذلك يمثل عهداً إسلامياً آخر له رحلاته أيضاً، مثل رحلة ابن جبير (القرن 13 هـ) وبن بطوطة (القرن 14 م). ونعني بالعهد العثماني الفترة التي تمتد من فاتح القرن السادس عشر الميلادي إلى حوالي 1830، أي تاريخ احتلال الفرنسيين للجزائر وإخراجها من فلك الدولة العثمانية، وبذلك لا يشمل البحث الرحلات المغاربية التي كتبها أصحابها بعد 1830 

ومن اهم  ثلاث رحلات تناولت القدس بتفاوت وتباين في الاهتمام، وهي رحلة المقري ورحلة العياشي ورحلة الزياني. ونريد أن  اسلط هنا باقتضاب على رحلة العياشي الى القدس

       
أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي (ولد في شعبان 1037هـ / 1627 م - توفي سنة 1090 هـ / 1679م) رحالة وفقيه مغربي، هو صاحب الرحلة الشهيرة «ماء الموائد». يعتبر من أبرز أعلام المغرب والمشرق خلال القرن الحادي عشر الهجري، حيث أسند إليه كرسي التدريس بالمدينة المنورة، كما أسند ... في العام 1074هـ / 1662م زار القدس ولكنه  لم يكثر العياشي لتفاصيل وصف المدينة  ، فلم يتحدث عن أسواقها وتجارها وجالياتها وحرفها، وإنما وصف المسجد الأقصى، وتحدث، كعادته، عن بعض علماء البلاد، ولا سيما بعض المتنفذين منهم، كما تحدث عن قبة الصخرة، وزاوية المغاربة، وبعض أبواب المدينة.

        وعند دخولهم القدس الشريف، صلوا العصر بقبة الصخرة، ووضعوا حوائجهم في زاوية المغاربة. وهناك التقى العياشي بالشيخ محمد الصيداوي، نقيب رواق الشيخ منصور، وكان الرواق يقع تحت صحن الصخرة المقدسة، وكان الشيخ الغصين قد كتب إلى الشيخ الصيداوي بشأن العياشي، ولذلك احتفى الشيخ الصيداوي بضيوفه وأعطاهم بيتاً إزاء الرّواق الذي كان داخل المسجد، فاغتبطوا بذلك لأنهم سيتمكنون من الجلوس في المسجد والصلاة فيه متى شاؤوا.

        وقد خص العياشي المسجد الأقصى بأوصاف كثيرة. فهو مسقف كله، وهو رفيع البناء، وتصلى فيه الجمعة، وفيه مكان معلوم صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب، وفي ركنه الشرقي مزار يقال له مهد عيسى، وله طاقات واسعة يشرف منها الناظر على الوادي الذي يسمى وادي جهنم، وتحت المسجد الأقصى مسجد آخر واسع جداً مرفوع على أساطين من حجارة منحوتة، وهي من البناء السليماني. ويلخص العياشي رأيه فيقول:  »وبالجملة، فغرائب الصخرة والمسجد الأقصى وما حولهما من المزارات شيء كثير«([16]). ويعترف أن هناك تآليف كثيرة حول الموضوع، ولكنه يقتصر في روايته على ما شاهده شخصياً ("بعض ما رأيناه وزرناه").

        ومن هذه المشاهدات والمزارات حجرٌ خارج بعض أبواب المسجد يتبرك به الناس على أنه مربط البراق. وقد غلب العشب والكلأ اليابس على الناحية الشرقية من المسجد، فلا يقدر المرء على المشي فيها بلا نعل لكثرة شوكها، ويعتقد الناس أن سماء القدس دائماً فيها غيم، فلا تظل صافية كامل اليوم. ولعله يريد أن يقول إن ذلك من الكرامات. ثم إن أرض القدس أرفع مكان وأقرب مكان إلى السماء.

        ومن المزارات خارج البلدة طور زيتا الواقع بين المسجد والوادي الكبير (وادي جهنم)، يشرف طور زيتا على القدس كله وعلى ما حوله. وفي أعلىطور زيتا مزارة يقال إن منها رفع عيسى عليه السلام. وكانت هذه المزارة في يد النصارى، ولكن الشيخ محمد العلمي هو الذي سعى إلى استعادتها منهم إلى أن نجح في ذلك. وقد بنى الشيخ تحت المزار مشهداً أو رباطاً، وفيه قبره. وأخبر العياشي أن هذا المكان يوجد تحت يدي أولاد الشيخ، ومنهم عمر العلمي الذي سيرد ذكره. وفي أعلى جبل الطور قبرُ رابعة العدوية، وهو في مغارة تحت الأرض، وقبر مريم الذي يوجد في كنيسة بأصل الوادي، وكان في عهد العياشي بأيدي النصارى. وقال إنه تحرج من الدخول إلى هذا القبر، فاكتفى بزيارته بالعين من الخارج.

        وذكر من المزارات عين سلوان التي توجد في أسفل الوادي، ولم يصل إليها أيضاً ولم يزرها إلا بالعين، وأرسل من جاءه منها بماء، لأن الآثار وردت بفضل هذه العين حسب قوله، وقد أخبر أنها ليست عيناً جارية على وجه الأرض، وإنما هي في شكل حوض ينزلون إليه بأدراج؛ وهناك قبر شداد بن أوس وقبر عبادة ابن الصامت، وكلاهما تحت سور المسجد الشرقي؛ وفي المكان نفسه مقبرة عظيمة. وفي سور المسجد حول القبرين المذكورين صخرة عظيمة ذات أذرع قيل إنها من آثار النبي سليمان، وموضع يقال إنه هو عرشه وهو حول باب المسجد الموالي لناحية الوادي.

        وفي غرب مدينة القدس مزارات أخرى منها موضع يقال إنه قبر النبي داود. وكان في الماضي تحت إشراف النصارى، ولكن الشيخ محمد العلمي أو غيره من الصالحين استعاده منهم. ويقول العياشي إن أغلب المزارت في تلك البلاد (الجهة؟) هي بأيدي النصارى، ومنها ـ في بيت لحم ـ مولد عيسى عليه السلام، وقد مروا قريباً منه عند توجههم إلى الخليل، ومنها قبر يونس بن متَّى عليه السلام، وهو في قرية قرب الخليل. وقد اكتفى العياشي بزيارة المكانين بالعين »تأثُّماً من دخول متعبد النصارى ولضيق الوقت«([17]). أما قبر موسى عليه السلام، فبينه وبين القدس نحو نصف مرحلة، ناحية المشرق؛ وقد أروه ما يحاذيه من الأمكنة، عندا صعدوا الطور، وأخبروه أن المسافة إليه مخيفة للغاية، وأنه لا يمكن الوصول إليه إلا بقوة ومنعة، بالرغم من أنه كان كثير الشوق إلى ما هنالك من العجائب. وقد تحدث العياشي عن بعض ما يرويه الناس عن ذلك المكان، وقال إنه لم يرد خبر صحيح عنه، وإن القبر أظهره بعض الملوك المتأخرين حوالي المائة السادسة أو السابعة عن طريق الكشف.

        كان العياشي يريد زيارة قبر موسى أو الخليل، وكان الوقت ضيقاً، وخشي من ضياع الفرصة، فكان قلقاً، وهو لا يستطيع إطالة الإقامة، لأن عليه أن يلتحق بالركب المغاربي في القاهرة في وقت معلوم. 

وهكذا نرى أن العياشي  وغيره من الرحالة المغاربة لم يهتموا بالحياة الاقتصادية والاجتماعية لمدينة القدس. ولم يسجلوا أسعاراً ولا بضائع ولا عدد سكان وأجناسهم ومعاشهم، وكان اهتمامه في الأساس بالجوانب الدينية كالمساجد والزوايا والربط، والجوانب الروحية كالانتماء إلى الطرق الصوفية، ولا سيما الرفاعية، والحصول من أصحابها على إجازات وشهادات. وكان يقدم بين يدي شيوخه الجدد بعض الأشعار للشكر والتقدير. قد نفهم أن العياشي أراد أن يسجل في رحلته عن القدس وغيرها ما كان يشغل بال متعلمي المغرب عندئذ، وهي شؤون الدين والتصوف وأسماء المشتغلين بهما في المشرق.

حتى نصل الى الرحلات الحديثة  الى مدينة القدس والتي ترجع للقرن السابع عشر والثامن عشر  ومنها رحلتان للفقيه والمتصوف الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، وهو عالم كبير من أهل دمشق الشام، زار فلسطين مرتان: الأولى سنة 1101هـ/ 1690م، وسماها "الحضرة الأنسية إلى الرحلة القدسية"، والرحلة الثانية وهي الكبرى فقد قام بها سنة 1105هـ/ 1694م، وسماها "الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام والحجاز". وقد تضمّنت الرحلتان وصفاً مفصّلاً للقدس الشريف وللمشاهد والمقامات والمزارات ولقبّة الصخرة والمسجد الأقصى، وتضمّنت عقد مجالس العلم ومحاورة العلماء، مما يبرز الحياة العلمية التي كانت تحتلها مدينة القدس في أفئدة المسلمين.

وللشيخ مصطفى بن كمال الدين البكري الصديقي، تلميذ الشيخ عبد الغني النابلسي، ثلاث رحلات إلى القدس: الأولى سنة 1122هـ/ 1710م وسماها "الخمرة المحسية في الرحلة القدسية". والثانية سنة 1126هـ/ 1716م وسماها "الخطرة الثانية الأنسية للروضة الدانية القدسية". والرحلة الثالثة سنة 1128هـ/ 1716م وسماها: "الحلة الذهبية في الرحلة الحلبية". وقد حفلت رحلاته بذكر المواضع ووصف مدينة القدس وما بها من معالم ومزارات، وتعداد من بها من العلماء.

ومن الرحلات المهمة في ذلك العصر رحلة الشيخ مصطفى بن أسعد اللقيمي سنة 1143هـ/ 1730م، المسماة بـ: "موانح الأنس في رحلتي لوادي القدس". وكما يدل عنوان الرحلة فقد اعتنى اللقيمي بذكر القدس والحرم الشريف، وزيارة نواحيها، وكانت إقامته بالقدس فرصة للقاء العلماء ومحاورتهم.

وآخر الرحلات التي سوف اتطرق إليها؛ رحلة السفير محمد بن عثمان المكناسي المسماة : "إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والتبرك بقبر الحبيب"، فقد خرج السفير المكناسي من المغرب مبعوثاً من سلطان المغرب إلى السلطان العثماني سنة 1200هـ/ 1785م، وأمره بالتوجه بعد ذلك إلى الحجاز، وبعد أن قام بهاتين المهمتين زار القدس وترك لنا وصفاً دقيقاً للمدينة ونواحيها .