- 9 كانون الثاني 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : الدكتور علي حسن قليبو
مِنْ رَحِمِ الخَرِيفِ يَنْبَثِقُ الشِّتَاءُ؛ نَلْمَحُ بَشَائِرَ فَصْلِ الشِّتَاءِ فِي سَحَابَاتِ شَهْرِ أَيْلُولَ نَهَارًا وَضَبَابِهِ صَبَاحًا، الَّذِي يُغَلِّفُ قُبَّةَ الصَّخْرَةِ بِطَبَقَةٍ مِنَ النَّدَى، تَبْرُقُ حُبَيْبَاتُهَا تَحْتَ وَهْجِ الشَّمْسِ الدَّافِئَةِ. سُرْعَانَ مَا تَتَلَاشَى مَعَ أُفُولِ غَمَائِمِ الفَجْرِ الزَّهْرِيَّةِ، لِتَغْمُرَ قِبَابَ القُدْسِ وَأَزِقَّتَهَا سَحَابَةٌ دُخَانِيَّةٌ كَثِيفَةٌ، تَلُفُّ مَآذِنَهَا وَأَجْرَاسَهَا بِوِشَاحٍ مِنَ الجَلَالِ وَالسَّنَاءِ، وَتَلُفُّ مَآذِنَهَا وَأَجْرَاسَهَا بِوِشَاحٍ أَبْيَضَ مِنَ الضَّبَابِ المُوَشَّى بِأَلْوَانِ الفَجْرِ الذَّهَبِيَّةِ وَالوَرْدِيَّةِ فَوْقَ طَبَقَاتٍ فِضِّيَّةٍ وَزَرْقَاءَ سُرْعَانَ مَا يُبَدِّدُهَا شُعَاعُ الشُّرُوقِ.
وَرُوَيْدًا رُوَيْدًا، مَعَ تَوَغُّلِ الخَرِيفِ، تَتَلَبَّدُ الغُيُومُ وَيَغْدُو لَوْنُهَا رَصَاصِيًّا دَاكِنًا تَمْهِيدًا لِفَصْلِ الخَيْرِ، تَمَامًا كَمَا يَتَرَدَّدُ فِي مَأْثُورِنَا: «أَيْلُول ذَنْبُه مَبْلُولٌ»؛ إِشَارَةً لِاقْتِرَانِ بِدَايَةِ المَطَرِ بِأَوَاخِرِ الشَّهْرِ، حَيْثُ تَنْكَسِرُ دَرَجَةُ الحَرَارَةِ لَيْلًا وَإِنْ بَقِيَ قَيْظُ النَّهَارِ شَدِيدًا.
تَزْدَادُ كَثَافَةُ ضَبَابِ الصَّبَاحِ لِتُضِيفَ غَلَالَةً مِنَ الأَلْوَانِ البَهِيَّةِ تَزِيدُ القُدْسَ تَأَلُّقًا؛ فَتَذْوِي أَلْوَانُ المَغْرَةِ وَالزَّهْرِيِّ الصَّيْفِيَّةِ بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ تَمَوُّجَاتٍ بَيْنَ الأَصْفَرِ التُّرَابِيِّ الخَافِتِ وَالذَّهَبِيِّ، وَتَغْرَقُ جُدْرَانُ وَأَزِقَّةُ وَهَوَاءُ القُدْسِ فِي لَوْنٍ يَتَفَاوَتُ مَا بَيْنَ العَنْبَرِيِّ وَالعَسَلِيِّ. تَزَامُنًا مَعَ مَوْسِمِ "جَدِّ الزَّيْتُونِ"، تَغْرُبُ الشَّمْسُ فِي الرَّابِعَةِ عَصْرًا؛ وَهِيَ الحَالُ الَّتِي تُرَدِّدُهَا المَقُولَةُ الشَّعْبِيَّةُ: "فِي وَقْتِ الزَّيْتُونِ أَصْبَحْتُ أَمْسَيْتُ".
مَعَ تَوَغُّلِ فَصْلِ الخَرِيفِ، تَلْتَحِفُ قِبَابُ القُدْسِ وَوَاجِهَاتُهَا بِظِلَالٍ ضَبَابِيَّةٍ بِلَوْنِ البَنَفْسَجِ الهَادِئِ، تَتَمَاهَى وَتَذُوبُ فِي اللَّوْنِ الأَزْرَقِ النِّيلِيِّ. هُنَا، تَهُبُّ الرِّيَاحُ البَارِدَةُ لِتُعْلِنَ رَحِيلَ بَقَايَا القَيْظِ؛ وَمَعَ حُلُولِ الِانْقِلَابِ الشِّتْوِيِّ، تَحُطُّ غُيُومُ "كَوَانِينَ" الرَّصَاصِيَّةُ رِحَالَهَا، فَتَصْطَبِغُ المَدِينَةُ بِظِلَالٍ أُرْجُوَانِيَّةٍ دَاكِنَةٍ دَاخِلَ القَنَاطِرِ وَالشَّوَارِعِ وَالأَسْوَاقِ المُقَبَّبَةِ؛ حَيْثُ تَزْأَرُ الرِّيحُ، وَيَنْهَمِرُ المَطَرُ مِدْرَارًا.
وَمَعَ اشْتِدَادِ البَرْدِ وَالمَطَرِ الوابل، تَخْلُو الشَّوَارِعُ مِنَ النَّاسِ وَيُخَيِّمُ الصَّمْتُ المُطْبِقُ؛ صَمْتٌ مَهِيبٌ لَا يَقْطَعُهُ إِلَّا صَوْتُ زَخَّاتِ المَطَرِ وَأَنِينُ الرِّيحِ يَهْدُرُ فِي السَّاحَاتِ الخَالِيَةِ. حَتَّى قِيشَانِيُّ قُبَّةِ الصَّخْرَةِ يَفْقِدُ بَرِيقَهُ لِيَغْدُوَ رَمَادِيًّا، وَيَخْبُو وَمِيضُ قُبَّتِهَا الذَّهَبِيَّةِ.
تَمْنَحُ القَنَاطِرُ المَسْقُوفَةُ عَابِرِيهَا مَلَاذًا مُؤَقَّتًا مِنْ وَقْعِ المَطَرِ المُتَواصِلِ؛ هُنَاكَ، يَتَجَمْهَرُ الرِّجَالُ -أَصْحَابُ المَحَلَّاتِ التِّجَارِيَّةِ- حَوْلَ نَارٍ مَكْشُوفَةٍ يُغَذُّونَهَا بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ خَشَبٍ، وَصَنَادِيقَ كَرْتُونِيَّةٍ فَارِغَةٍ، وَفَحْمٍ؛ لِيُبْقُوا لَهِيبَهَا مُسْتَعِرًا. يَقِفُونَ فِي حَلَقَاتٍ وَسَطَ الدُّخَانِ الرَّمَادِيِّ، يَفْرُكُونَ أَيْدِيَهُمْ قُرْبَ النَّارِ، وَيُرَاوِحُونَ فِي وَقْفَتِهِمْ؛ يَنْقُلُونَ ثِقْلَ أَجْسَادِهِمْ مِنْ سَاقٍ إِلَى سَاقٍ فِي مُحَاوَلَةٍ لِتَنْشِيطِ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ فِي أَقْدَامِهِمُ المُتَجَمِّدَةِ، دَرْءًا لِلْبَرْدِ القَارِسِ. وَمِنْ حَوْلِهِمْ، تَمُرُّ أَشْبَاحُ المَارَّةِ، يُهَرْوِلُونَ مُسْرِعِينَ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ؛ هَرَبًا مِنَ المَطَرِ وَالصَّقِيعِ.
تَكْتَسِي المَدِينَةُ حُلَّةً شِتْوِيَّةً مَهِيبَةً فِي "المُرَبَّعَانِيَّةِ"؛ حَيْثُ تَتَشَبَّعُ حِجَارَةُ القُدْسِ بِمِيَاهِ المَطَرِ، ثُمَّ تَنْضَحُ بِمَاءٍ يَنْتَشِرُ فِي الهَوَاءِ رَذَاذًا سَكَنِيًّا ضَبَابِيًّا يَطْمِسُ الزَّوَايَا الحَادَّةَ لِلْقِبَابِ وَالجُدْرَانِ، وَالوَاجِهَاتِ وَالمُنْعَطَفَاتِ، وَالشَّجَرِ وَالبَشَرِ؛ لِيُمْسُوا أَطْيَافًا بِلَا لَوْنٍ وَلَا شَكْلٍ. وَمَعَ حُلُولِ كَانُونَ الثَّانِي، تَكُونُ حِجَارَةُ المَنَازِلِ الجِيرِيَّةُ قَدْ تَشَرَّبَتْ مِيَاهَ الأَمْطَارِ كُلِّيَّةً، مِمَّا يَزِيدُ مِنْ قَسَاوَةِ البَرْدِ فِي الدَّاخِلِ. هُنَا، تَهُّبُ رِيحٌ صَرْصَرٌ عَاتِيَةٌ تُحَاصِرُكَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، تَلْفَحُ الوُجُوهَ بِقَسْوَةٍ، وَيَرْتَفِعُ صَوْتُ صَرِيرِهَا وَعَوِيلِهَا عَبْرَ الأَزِقَّةِ المُلْتَوِيَةِ؛ تَعْصِفُ فَوْقَ عَقَبَاتِ المَدِينَةِ وَفِي أَعْمَاقِ قَنَاطِرِهَا.
إِلَّا أَنَّ لَيَالِيَ القُدْسِ الشَّدِيدَةَ البُرُودَةِ كانت َتنْقَلِبُ إِلَى جَمْعٍ عَائِلِيٍّ دَافِئٍ دَاخِلَ البُيُوتِ؛ فَتُضِيفُ هَذِهِ الجَلَسَاتُ بَهْجَةً وَنُورًا، يُرَافِقُهَا إِسْرَافٌ مَقْدِسِيُّ النَّكْهَةِ فِي صُنْعِ الحَلَوِيَّاتِ المَنْزِلِيَّةِ. تَتَرَبَّعُ "كُنَافَةُ الفُقَرَاءِ" عَلَى العَرْشِ؛ تِلْكَ الَّتِي تُصْنَعُ مِنَ الشُّعَيْرِيَّةِ الَّتِي تُحَمَّصُ حَتَّى تَذْهَبَّ، ثُمَّ تُغْرَقُ بِالقَطْرِ السَّاخِنِ لِتَكْتَسِبَ نَكْهَةً شَهِيَّةً، ثُمَّ يُضَافُ إِلَيْهَا القِرْفَةُ المَطْحُونَةُ. تَمْتَزِجُ رَوَائِحُ البَهَارَاتِ مَا بَيْنَ القِرْفَةِ وَاليَانْسُونِ، وَعَبِيقِ السَّمِيدِ لِصُنْعِ "حَلَاوَةِ السَّمِيدِ" بِالجُبْنَةِ وَاللَّوْزِ، وَأَقْرَاصِ الكَعْكِ بِالعَجْوَةِ الَّتِي تَخْرُجُ طَازَجَةً مِنَ الفُرْنِ مُشْبِعَةً أَرْجَاءَ البَيْتِ بِعَبَقِ اليَانْسُونِ الشَّهِيِّ.
وَعَلَى "كَانُونِ الفَحْمِ" أَوْ "صُوبَةِ عَلَاء الدِّينِ"، تُشْوَى حَبَّاتُ الكَسْتَنَاءِ حَتَّى تَنْضَجَ، بَيْنَمَا تُوضَعُ قُشُورُ البُرْتُقَالِ فَوْقَ نَارِهَا لِيَنْطَلِقَ أَرِيجُهَا الزَّكِيُّ؛ فَيُطَيِّبُ جَوَّ البَيْتِ وَيَطْرُدُ رَائِحَةَ رُطُوبَةِ الحِجَارَةِ. وَهَكَذَا يَمُرُّ الشِّتَاءُ بَيْنَ شُرْبِ السَّحْلَبِ وَاليَانْسُونِ وَالبَابُونِجِ، وَتَنَاوُلِ المُجَفَّفَاتِ كَـ "القُطَّينِ" وَالزَّبِيبِ وَالمِشْمِشِ، وَتَقْشِيرِ التُّفَّاحِ وَالبُرْتُقَالِ الطَّازَجِ؛ لِتُمْسِيَ لَيَالِي الشِّتَاءِ لَيَالِيَ أُنْسٍ وَهَنَاءٍ، تَصْبُغُ القُدْسَ بِأَلْوَانِ الدِّفْءِ العَائِلِيِّ.
تَتَوَارَدُ مَجْمُوعَةٌ مُتَنَاسِقَةٌ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ حَالَ حُلُولِ فَصْلِ الشِّتَاءِ، تَسْتَحْضِرُ صُوَرًا مُؤْلِمَةً تَئِنُّ بِجِرَاحِ المَكْلُومِينَ وَالمُهَجَّرِينَ قَسْرِيًّا مِنْ مَنَازِلِهِمْ فِي القُدْسِ وَضَوَاحِيهَا؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ فَقَدُوا أَحْبَابَهُمْ وَفِلَذَاتِ أَكْبَادِهِمْ إِثْرَ نَكْبَةِ فِلَسْطِينَ الَّتِي عَصَفَتْ بِهِمْ، فَاجْتَثَّتْهُمْ مِنْ جُذُورِهِمْ وَشَرَّدَتْهُمْ فِي مَتَاهَاتِ الشَّتَاتِ، لِتَغْرَقَ "الْبَلْدَةُ الْقَدِيمَةُ" فِي لُجَيْنٍ مِنَ الْأَحْزَانِ.
تَعُودُ بِي ذِكْرَيَاتِي إِلَى الأَمْسِ القَرِيبِ، وَأَرَانِي أَسِيرُ عَبْرَ "بَابِ العَمُودِ" فِي القَرِّ وَالحَرِّ، صَيْفًا وَشِتَاءً؛ حَيْثُ كُنْتُ أَمُرُّ كَطَقْسٍ يَوْمِيٍّ بِمُحَاذَاةِ الجِدَارِ الْفَاصِلِ الَّذِي يَعْلُوهُ السِّلْكُ الشَّائِكُ، يَنْتَصِبُ كَنَزِيفِ جُرْحٍ لَا يَلْتَئِمُ، يُكَدِّرُنَا وَيُنَغِّصُ عَلَيْنَا. كُنْتُ أَحُثُّ الخُطَى تَحْتَ وَابِلِ المَطَرِ، وَتَارَةً تَحْتَ شَمْسٍ لَا تَرْحَمُ، مُحْتَمِيًا دَاخِلَ قَنَاطِرِ سُوقِ "خَانِ الزَّيْتِ" صُعُودًا فِي عَقَبَةِ حَارَةِ النَّصَارَى نَحْوَ "البَابِ الجَدِيدِ"، فِي طَرِيقِي إِلَى مَدْرَسَةِ "الفْرِيرِ. "وَفِي طَرِيقِ العَوْدَةِ مَسَاءً، كُنْتُ أَجُرُّ خُطَايَ بِجَوَارِبِي وَحِذَائِي المُبْتَلِّ وَأَنَا أَرْتَعِشُ بَرْدًا... مَا زِلْتُ أَقْشَعِرُّ عِنْدَ تَذَكُّرِ تِلْكَ الأَيَّامِ؛ أَيَّامٍ تَلَتْهَا أَيَّامٌ مِنْ بَرْدٍ قَارِسٍ وَصَقِيعٍ وَمَطَرٍ بَدَا وَكَأَنَّهُ لَنْ يَنْتَهِيَ أَبَدًا.
تَمْتَزِجُ فِي مُخَيَّلَتِي دَرَجَاتٌ لَا حَصْرَ لَهَا مِنَ اللَّوْنِ الرَّمَادِيِّ الكَئِيبِ، مَعَ أَلَمِ "السِّلْكِ الشَّائِكِ" الْفَاصِلِ، ذَلِكَ الَّذِي كَانَ يَمْتَدُّ مِنَ "السَّمُوعِ" جَنُوباً، مَارّاً بِـ "بَابِ الْعَمُودِ"، وُصُولاً إِلَى "جَنِينَ" فِي شَمَالِ الضَّفَّةِ الْغَرْبِيَّةِ. لَقَدْ كَانَتْ قُدْس الخمسينات مَدِينَةً مُمَزَّقَةً، مَنْهُوكَةً وَمَكْلُومَةً؛ حِصْنًا جَبَلِيًّا مَحْصُورًا حَيْثُ يَتَشَابَكُ الْإِيمَانُ وَالْفَقْرُ وَالْحُلْمُ بِالْعَوْدَةِ فِي ضَفِيرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَحْزَانِ الْمُتَشَابِكَةِ: ذَلِكَ الشُّعُورُ الْغَامِضُ حَيْثُ يَتَقَابَلُ الْحُزْنُ النَّبِيلُ وَالْفَقْدُ الْأَلِيمُ.
كَانَتْ صَدْمَةُ النَّكْبَةِ لَا تَزَالُ جُرْحًا مَفْتُوحًا؛ حَيْثُ أُجْبِرَتْ شَرِيحَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى الْمُثَقَّفَةِ الْمُوسِرَةِ نِسْبِيًّا عَلَى الْفِرَارِ بِحَيَاتِهِمْ مِنْ ضَوَاحِيهِمُ الْوَادِعَةِ وَفِيَلَلِهِمُ الْحَجَرِيَّةِ الْأَنِيقَةِ فِي "الْقَطَمُونِ" وَ"الْبَقْعَةِ" وَ"الطَّالِبِيَّةِ" وَ"الْمُصْرَارَةِ"، يُرَافِقُهُمْ فَوْجٌ كَبِيرٌ مِنَ الْمَنْكُوبِينَ مِنَ القُرَى الْمُجَاوِرَةِ لِلْقُدْسِ، مِنْ أَيْتَامٍ مَذْعُورِينَ وَأَرَامِلَ ثَكَالَى، وَرِجَالٍ فِي حَالَةِ ذُهُولٍ يَرْزَحُونَ تَحْتَ وَطْأَةِ الْفَجِيعَةِ بَعْدَ أَنْ فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ.
لَاذَ بَعْضُهُمْ بِمَنَازِلِ أَجْدَادِهِمْ فِي الْقُدْسِ الْقَدِيمَةِ، بَيْنَمَا افْتَرَشَتِ الْأَغْلَبِيَّةُ الْعُظْمَى الْمَسَاجِدَ وَالشَّوَارِعَ وَالْأَزِقَّةَ الْمُنْتَشِرَةَ دَاخِلَ أَسْوَارِ الْبَلْدَةِ الْقَدِيمَةِ، يَنْتَظِرُونَ حُلْمًا لَنْ يَتَحَقَّقَ وَوُعُودًا كَاذِبَةً، بِلَا مَأْوًى وَلَا عَمَلٍ، يَتَرَقَّبُونَ تَأْشِيرَاتِ الْخُرُوجِ لِلْهِجْرَةِ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ يَمْنَحُهُمْ فُرْصَةً لِلْعَيْشِ وَمَسْكَنًا مُؤَقَّتًا. لَقَدْ شَهِدَتِ السِّتِّينِيَّاتُ آخِرَ مَلَامِحِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ الْمِهْنِيَّةِ الْمُتَعَلِّمَةِ الَّتِي نَشَأَتْ فِي أَوَاخِرِ الْحُكْمِ الْعُثْمَانِيِّ وَصَقَلَهَا عَهْدُ الِانْتِدَابِ الْبِرِيطَانِيِّ وَهِيَ فِي طَرِيقِهَا لِلرَّحِيلِ؛ فَلَقَدْ كَانَتْ مَدِينَةً تَحْتَضِرُ.
لمْ تَكُنْ أَنْظِمَةُ التَّدْفِئَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ قَدْ وَصَلَتِ الْقُدْسَ بَعْدُ، وَلَا حَتَّى أَجْهِزَةُ التِّلْفَازِ؛ وَمَا إِنْ يَحُلُّ اللَّيْلُ حَتَّى تَهْوِيَ دَرَجَاتُ الْحَرَارَةِ بِشَكْلٍ حَادٍّ فَيَتَحَلَّقُ الْجَمِيعُ حَوْلَ مَنَاقِلِ الْجَمْرِ الْمُتَوَهِّجِ، كُنَّا نَرْزَحُ تَحْتَ طَبَقَاتٍ ثَقِيلَةٍ مِنَ الْمَلَابِسِ، نَتَجَمَّعُ بَحْثًا عَنِ الدِّفْءِ، نَفْرُكُ أَيْدِيَنَا فَوْقَ النَّارِ، وَنَحْتَسِي أَكْوَابًا لَا تَنْتَهِي مِنْ نَقِيعِ الْيَانْسُونِ وَالْبَابُونِجِ الْمُحَلَّى بِالتِّينِ الْمُجَفَّفِ. كُنَّا نَتَنَاوَلُ الْحَلَوِيَّاتِ السَّاخِنَةَ، وَنُحَمِّصُ الْخُبْزَ، وَنَغْلِي جُبْنَ الْمَاعِزِ لِيُرَافِقَهُ. حَتَّى حَبَّاتُ الْبُرْتُقَالِ - بَعْدَ تَقْشِيرِهَا - كُنَّا نَتْرُكُهَا فَوْقَ اللَّهَبِ لِتَدْفَأَ، لَكِنَّ لَا شَيْءَ كَانَ يُجْدِي نَفْعًا فِي طَرْدِ الْبَرْدِ الْقَارِسِ؛ كَانَ الشُّعُورُ حِينَهَا أَنَّ الْبَرْدَ إِذَا مَا تَسَلَّلَ إِلَى أَقْدَامِ الْمَرْءِ وَثِيَابِهِ وَمِعْطَفِهِ، فَإِنَّهُ يَتَغَلْغَلُ إِلَى الْعِظَامِ.
وَمِنْ خِضَمِّ الحِصَارِ الرَّمَادِيِّ، كَانَ بَرِيقُ "أَرِيحَا" يَتَلألأُ فِي ذَاكِرَتِي لِيَكْسِرَ حِدَّةَ مَشْهَدِ القُدْسِ القَاتِمِ؛ حَيْثُ يَتَجَلَّى سِحْرُ الطَّبِيعَةِ فِي مَزِيجٍ بَدِيعٍ بَيْنَ أَدِيمِ الجِبَالِ الوَرْدِيَّةِ وَنَضَارَةِ البَسَاتِينِ الزَّاهِيَةِ. كَانَ الْغَوْرُ اسْتِوَائِيُّ الْمُنَاخِ يَمْنَحُنَا اسْتِرَاحَةً مُؤَقَّتَةً مِنَ الصَّقِيعِ؛ فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ قُرْبِهَا المَكَانِيِّ مِنَ المَدِينَةِ المُقَسَّمَةِ، إِلَّا أَنَّ مَدَاخِلَهَا كَانَتْ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا بَوَّابَةٌ لِعَالَمٍ آخَرَ؛ عَالَمٍ تَغِيبُ خَلْفَ أَفُقِهِ مَلَامِحُ الحَرْبِ، وَتَتَوَارَى عَنْهُ صُوَرُ الدَّمَارِ وَغَصَّةُ الأَسْلَاكِ الشَّائِكَةِ الفَاصِلَةِ. بَيْنَمَا كَانَتِ القُدْسُ تَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الزَّمْهَرِيرِ، كَانَ دِفْءُ أَرِيحَا يُقَدِّمُ لَنَا مَلْجَأً مِنْ ضَرَاوَةِ الشِّتَاءِ وَمِنْ جِرَاحِ المَدِينَةِ المَكْلُومَةِ.
مَنَحَتْنَا أَرِيحَا اسْتِرَاحَةً مُؤَقَّتَةً مِنَ الصَّقِيعِ؛ حَيْثُ خَفَّفَتْ زُرْقَةُ السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ وَخُضْرَةُ الأَشْجَارِ المُمْتَدَّةُ فِي الأُفُقِ مِنْ حِدَّةِ مَشْهَدِ القُدْسِ القَاتِمِ. لَطَالَمَا خَلَبَتْ لُبَّنَا طَبِيعَةُ حُقُولِهَا؛ حَيْثُ يَتَبَايَنُ لَوْنُ بَسَاتِينِ الحِمْضِيَّاتِ بِمُخْتَلِفِ دَرَجَاتِهِ، وَتَنْضَجُ الثِّمَارُ فِي الشِّتَاءِ لِتَتَمَاوَجَ أَلْوَانُهَا بَيْنَ الأَصْفَرِ المُشِعِّ لِثَمَرِ "البُومِيلِي" وَ"الجِرِيب فْرُوت"، وَتَوَهُّجِ "اليُوسُفْ أَفَنْدِي" وَ"الْكِلْمِنْتِينَا" وَالبُرْتُقَالِ.
لَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ "الوَاحَةُ الوَدِيعَةُ" مَلَاذاً يَنْتَشِلُنَا مِنْ رَمَادِيَّةِ القُدْسِ الطَّاغِيَةِ؛ فَمَا إِنْ نَعُودَ حَتَّى يُطْبِقَ عَلَيْنَا المَطَرُ، وَتَتَسَلَّلَ الرُّطُوبَةُ وَالبَرْدُ النَّافِذُ إِلَى النَّفْسِ قَبْلَ الجَسَدِ؛ بَرْدٌ لَيْسَ كَكُلِّ بَرْدٍ. هُنَاكَ، عِنْدَ المَدَاخِلِ المَكْلُومَةِ، يَصِيرُ كُلُّ شَيْءٍ دَاكِناً، وَتَغْرَقُ حِجَارَةُ الشَّوَارِعِ وَأَسْلَاكُهَا الشَّائِكَةُ فِي ذَلِكَ اللَّوْنِ الكَئِيبِ، لِيَبْدُوَ دِفْءُ أَرِيحَا وَكَأَنَّهُ حُلْمٌ بَعِيدٌ انْتَهَى عِنْدَ مَشَارِفِ الضَّبَابِ.
فَلَقَدْ كَانَ شِتَاءُ القُدْسِ رَمَادِيّاً، وَحُزْنُهَا رَمَادِيّاً، حَتَّى أَسْلَاكُهَا الشَّائِكَةُ الَّتِي تَنْتَصِبُ مِنْ "بَابِ العَمُودِ" امْتِدَاداً إِلَى "جِنِينَ"، وَالَّتِي تَسْتَحْضِرُ النَّكْبَةَ؛ غَرِقَتْ بِاللَّوْنِ الرَّمَادِيِّ.
كَانَ قُرْبُ أَرِيحَا وَاخْتِلَافُ مَنَاخِهَا وَجُغْرَافِيَّتِهَا وَطُقُوسِهَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ الشَّاسِعُ عَنِ القُدْسِ يَمْنَحَانِنَا هُرُوباً مُؤَقَّتاً وَسَلِساً مِنْ كَآبَةِ القُدْسِ المَكْلُومَةِ؛ فَهُنَاكَ.. بَعِيداً عَنِ القُدْسِ، كَانَ يَلْتَمُّ شَمْلُ العَائِلَةِ وَالأَصْدِقَاءِ فِي إِطَارٍ جَمِيلٍ تَحُفُّ بِهِ الطَّبِيعَةُ الخَضْرَاءُ، وَتَعَانِقُ البَسَاتِينُ الأُفُقَ البَعِيدَ. يَحُلُّ الرَّبِيعُ فِي أَرِيحَا مَعَ الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ مِنْ شُبَاطَ؛ فَشِتَاؤُهَا قَصِيرُ العُمْرِ، وَرَغْمَ أَنَّ "المَرْبَعَانِيَّةَ" تَبْدَأُ فِي العِشْرِينَ مِنْ كَانُونَ الأَوَّلِ لِتَمْتَدَّ أَرْبَعِينَ يَوْماً، إِلَّا أَنَّ بَرْدَهَا كَانَ حَانِياً وَلَطِيفاً، نَادِراً مَا تَهْوِي فِيهِ الحَرَارَةُ لَيْلاً، بَيْنَمَا تَظَلُّ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ تَبُثُّ دِفْئاً يُنْعِشُ الرُّوحَ. كُنَّا نَقْطَعُ المَسَافَاتِ سَيْراً فِي الحُقُولِ، وَنَرْكَبُ الدَّرَّاجَاتِ الهَوَائِيَّةَ، نَشْعُرُ بِالخِفَّةِ وَانْعِدَامِ القَلَقِ، مَسْحُورِينَ بِخَرِيرِ الجَدَاوِلِ وَزَقْزَقَةِ العَصَافِيرِ وَثُغَاءِ قُطْعَانِ الغَنَمِ وَالجِدْيَانِ الَّتِي تَرْعَى فِي المَرَاعِي.
لا تَزَالُ رَائِحَةُ "مَقْلُوبَةِ" جَدَّتِي تَحْمِلُنِي إِلَى بَهْجَةِ تِلْكَ الزِّيَارَاتِ الْأُسْبُوعِيَّةِ؛ حَيْثُ كَانَتْ مَائِدَتُهَا مَحْفَلًا لِلْأَهْلِ وَالْأَصْدِقَاءِ، تَزِينُهَا السَّلَطَةُ الْخَضْرَاءُ الطَّازَجَةُ مِنْ حُقُولِ أَرِيحَا الَّتِي كَانَتْ بِحَقٍّ "سَلَّةَ فِلَسْطِينَ الْغِذَائِيَّةَ". وَمَا إِنْ تَنْتَهِي الْمَائِدَةُ، حَتَّى يَنْتَشِرَ فِي الْأَرْجَاءِ عَبَقُ الْقَهْوَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُفَعَّمَةِ بِرَائِحَةِ الْهَيْلِ الَّتِي كَانَتْ تَمْلأُ الدَّارَ اسْتِعْدَاداً لِاسْتِقْبَالِ الزُّوَّارِ.
فِي تِلْكَ الْمَجَالِسِ، بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، كَانَتْ تَتَجَلَّى الْأَنَاقَةُ وَالْكِيَاسَةُ الْمَقْدِسِيَّةُ الْكَلَاسِيكِيَّةُ؛ رِجَالٌ يَحْتَفُونَ بِهَيْبَةِ لِبَاسِهِمُ الْوَقُورِ، وَنِسَاءٌ يَفِضْنَ حِشْمَةً وَرُقِيّاً، يَتَنَقَّلْنَ فِي حَدِيثِهِنَّ بِسَلَاسَةٍ بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَلُغَاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَتْقَنَّهَا، فِي تَعَدُّدِيَّةٍ لُغَوِيَّةٍ عَكَسَتْ عُمْقَ ثَقَافَتِهِمْ. لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَجَالِسُ لِلْمُتْعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ صَرْحاً لِلْقِيَمِ الْعَائِلِيَّةِ الْمُحَافِظَةِ الَّتِي تُقَدِّسُ احْتِرَامَ الْكَبِيرِ؛ حَيْثُ يَمْتَزِجُ رَنِينُ الْفَنَاجِينِ بِصَوْتِ نِقَاشَاتِهِمُ الرَّصِينَةِ الَّتِي تَنْضَحُ بِوَعْيٍ سِيَاسِيٍّ عَرَبِيٍّ وَطَنِيٍّ. لَقَدْ كَانُوا يَحْمِلُونَ هُمُومَ أُمَّتِهِمْ بِكِبْرِيَاءٍ صَامِتٍ، مُتَمَسِّكِينَ بِالْأُصُولِ وَبِالْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الْمُتَوَارَثَةِ؛ كَأَنَّمَا كَانَ الْحِفَاظُ عَلَى رُقِيِّهِمْ هُوَ السَّدَّ الْمَنِيعَ أَمَامَ مَحَاوَلَاتِ الِانْكِسَارِ.
لَمْ تَكُنْ أَرِيحَا مُجَرَّدَ مَشْتًى، بَلْ كَانَتْ بَيْتَنَا خَارِجَ البَيْتِ؛ حَيْثُ كَانَ لِأَجْدَادِ الجَمِيعِ مَلَاذٌ ثَانٍ هُنَاكَ. وَمِنْهُمْ جَدَّتِي "أُمُّ مُحَمَّدٍ" الَّتِي كَانَتْ تَقْضِي الشِّتَاءَ كُلَّهُ فِي رِحَابِهَا، يَصْحَبُهَا شَقِيقَاتُهَا وَوَالِدَتُهَا، وَعَمِّي وَأَبْنَاءُ عَمِّي، وَالأَقَارِبُ وَالأَصْدِقَاءُ، فِي ارْتِحَالٍ جَمَاعِيٍّ إِلَى ذَلِكَ المَسْكَنِ الدَّافِئِ. فِي الحَقِيقَةِ، كَانَ يَبْدُو أَنَّ أَهْلَ القُدْسِ جَمِيعَهُمْ قَدْ هَرَبُوا إِلَى أَرِيحَا؛ يَبْدَأُ الرَّحِيلُ مَعَ مَطْلَعِ كَانُونَ الأَوَّلِ، وَيُؤَجَّلُ الرُّجُوعُ قَدْرَ الإِمْكَانِ، حَتَّى عِيدِ الفِصْحِ أَوْ انْقِضَاءِ مَوْسِمِ "النَّبِيِّ مُوسَى". آنَذَاكَ، ازْدَهَرَتِ المَطَاعِمُ وَالمُتَنَزَّهَاتُ الَّتِي اصْطَفَّتْ عَلَى طُولِ الشَّارِعِ الرَّئِيسِيِّ المُؤَدِّي إِلَى جَبَلِ "قُرُنْطُلَ"؛ حَيْثُ يَرْتَدِي الجَمِيعُ أَجْمَلَ ثِيَابِهِمْ لِلتَّنَزُّهِ بَعْدَ الظَّهِيرَةِ. كَانَ أُولَئِكَ هُمْ "المَقْدِسِيُّونَ القُدَامَى"؛ تِلْكَ الطَّبَقَةُ المُثَقَّفَةُ، الأَنِيقَةُ المَلْبَسِ، اللَّطِيفَةُ المَعْشَرِ، يَقْضُونَ "الوَقْتَ الضَّائِعَ" فِي شَتَاتِ النَّكْبَةِ، مُنْتَظِرِينَ حُلْمًا لَمْ يَتَحَقَّقْ، وَمُتَعَلِّقِينَ بِأَوْهَامٍ وَرْدِيَّةٍ وَوُعُودٍ سِيَاسِيَّةٍ كَاذِبَةٍ. لَقَدْ صَمَدُوا مُحَافِظِينَ عَلَى آخِرِ مَلَامِحِ عَصْرِهِمُ الذَّهَبِيِّ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلُوا.. وَالآنَ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
كانت زياراتُنا لأريحا درساً حيّاً في فلسفةِ التاريخ، وجسراً معرفيّاً يربطُها بالقدسِ برباطٍ وثيقٍ نسجهُ جدّي، "يعقوب حسين نسيبة"، بشغفِهِ العميقِ ورؤيتِهِ التاريخيةِ الثاقبةِ؛ وهو الذي دَرَسَ عِلْمَ الآثَارِ فكان تلميذاً للعالِمِ العظيم "ويليام فوكسويل أولبرايت"؛ فكانَ يصطحبُنا لنستكشفَ معالمَ المدينةِ في حضرةِ عالمةِ الآثارِ البريطانية "كاثلين كينيون"، وهي تنقّبُ في "تلِّ عينِ السلطانِ"؛ مستنطقةً أطلالَ الحضارةِ المندثرةِ لتكشفَ أسرارَ الثورةِ الزراعيةِ الباكرةِ في العصرِ الحجريّ.
لقد أَتْحَفَ هذا المشهدُ الذاكرةَ بمنظورِ جدّي الفريدِ لأريحا؛ إذ كان يراها مسرحاً تتقاطعُ فيهِ تجليّاتُ السماءِ بمطامعِ الملوكِ. وفي قلبِ هذه المدينةِ—الأقدمِ على وجهِ البسيطةِ— تداخلتِ الأسطورةُ بالواقعِ الأنثروبولوجيّ؛ فمن قصةِ "زكّا" جابي الضرائبِ وتوبتِهِ، وصولاً إلى شموخِ جبلِ التجربةِ ("قَرَنْطَل")، ذلك الشاهدِ الصامتِ على المواجهةِ الأزليةِ بين الخيرِ والشرِّ، حيثُ انْتَصَرَتِ الروحُ بجوهرِها السامي على كَدَرِ المادةِ وزخرفِها الفاني.
لم تَكُنْ أَرِيحَا بَعِيدَةً عَنْ صِرَاعَاتِ القُوَى العُظْمَى فِي العُصُورِ الكِلَاسِيكِيَّةِ؛ فَقَدْ كَانَتْ "وَاحَةَ النَّخِيلِ" مَطْمَعاً لِلْمَلِكَةِ المَقْدُونِيَّةِ "كِلِيُوبَاتْرَا"، الَّتِي سَعَتْ لِامْتِلَاكِهَا بِجَمَالِهَا وَخَيْرَاتِهَا، لِتَدْخُلَ فِي مُسَاوَمَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ مَعَ المَلِكِ الأَدُومِيِّ "هِيرُودُسَ" (الحَرْد)، الَّذِي بَنَى فِيهَا قَصْرَهُ الشَّتْوِيَّ المَنِيفَ بِأُسْلُوبِهِ المِعْمَارِيِّ الفَرِيدِ، تَارِكاً بَصْمَةَ البَطَالِمَةِ وَالرُّومَانِ بِطَابَعِهَا العَرَبِيِّ عَلَى ضِفَافِ وَادِي القِلْطِ.
وَمَعَ بُزُوغِ فَجْرِ الإِسْلَامِ، تَحَوَّلَتْ أَرِيحَا إِلَى سَاحَةٍ لِلتَّأَنُّقِ المِعْمَارِيِّ الأُمَوِيِّ؛ حَيْثُ شَيَّدَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ قَصْرَهُ الَّذِي يُعَدُّ دُرَّةً فِي فَنِّ الفُسَيْفِسَاءِ وَالعِمَارَةِ، وَكَأَنَّهُ يَنْقُلُ سُكُونَ الغَوْرِ. ثُمَّ جَاءَ الصَّلِيبِيُّونَ لِيُعِيدُوا صِيَاغَةَ اقْتِصَادِ المَدِينَةِ مِنْ خِلَالِ "طَوَاحِينِ السُّكَّرِ" الَّتِي بَقِيَتْ مُزْدَهِرَةً حَتَّى نِهَايَةِ عَصْرِ المَمَالِيكِ، وَمَا زَالَتْ أَطْلَالُهَا تُخْبِرُنَا عَنْ عَصْرٍ كَانَتْ فِيهِ أَرِيحَا تُصَدِّرُ السُّكَّرَ وَالقُطْنَ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ، تَمَاماً كَمَا تُصَدِّرُ الدِّفْءَ وَالسَّكِينَةَ.
أَمَّا الأَيُّوبِيُّونَ، فَقَدْ أَرْسَوْا فِيهَا طُقُوساً لَمْ تَكُنْ دِينِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ سِيَاسِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً بِامْتِيَازٍ؛ فَكَانَ تَدْشِينُ مَوْسِمِ النَّبِيِّ مُوسَى رَدّاً عَلَى التَّحَدِّيَاتِ الوُجُودِيَّةِ فِي تِلْكَ الحِقْبَةِ، تَرْسِيخاً لِمَرْكَزِيَّةِ العَائِلَاتِ المَقْدِسِيَّةِ وَعَشَائِرِ جِبَالِ نَابُلُسَ وَالخَلِيلِ؛ كُلٌّ سَاهَمَ فِي مَوْكِبِ النَّبِيِّ مُوسَى حَيْثُ تَجَمَّعُوا بِالقُدْسِ وَمِنْهَا انْطَلَقُوا إِلَى مَقَامِ النَّبِيِّ مُوسَى عَلَى مَشَارِفِ أَرِيحَا، وَهُوَ التَّقْلِيدُ الَّذِي حَفِظَتْهُ عَائِلَتِي (آلُ قْلَيْبُو) وَبَقِيَّةُ عَائِلَاتِ القُدْسِ؛ حَيْثُ كَانَ عَمِّي حَسَن يَحْمِلُ رَايَةَ المُفْتِي المُتَوَارَثَةَ أَبًا عَنْ جَدٍّ فِي مَوْكِبٍ مَهِيبٍ.
كُلُّ هَذِهِ الأَحْدَاثِ وَالشَّخْصِيَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ، مِنْ جُبَاةِ الضَّرَائِبِ إِلَى المُلُوكِ الأُمَوِيِّينَ وَطَوَاحِينِ السُّكَّرِ الصَّلِيبِيَّةِ، كَانَتْ تَعِيشُ فِي وِجْدَانِي وَأَنَا أَرْكَبُ دَرَّاجَتِي بَيْنَ الحُقُولِ؛ أَشْعُرُ بِأَنَّنِي لَا أَقُودُ دَرَّاجَةً فَوْقَ التُّرَابِ، بَلْ فَوْقَ طَبَقَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ مُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ فِي أَرْضِ الأَجْدَادِ.
وَامْتِدَادًا لِتَقَالِيدِ العَائِلَةِ، أَمْتَلِكُ بَيْتًا جَمِيلًا وَبُسْتَانًا هُنَاكَ، أُحَاوِلُ أَنْ أَقْضِيَ فِيهِ عُطَلَ نِهَايَةِ الأُسْبُوعِ، لَكِنِّي أَجِدُ نَفْسِي أَمْكُثُ فِيهِ أَقَلَّ مِمَّا كُنَّا نَفْعَلُ سَابِقًا. لَمْ أَعُدْ أَشْعُرُ بِالدِّفْءِ فِي أَرِيحَا؛ فَالجَوُّ صَارَ بَارِدًا وَمُوحِشًا، وَرَحَلَ كُلُّ مَنْ عَرَفْتُهُ، وَتَغَيَّرَتْ أَرِيحَا وَاكْتَظَّتْ بِالمَبَانِي وَازْدَحَمَتْ شَوَارِعُهَا لِتُصْبِحَ مُنْتَجَعًا تِجَارِيًّا سِيَاحِيًّا، وَفَقَدَتْ طَابَعَهَا الرِّيفِيَّ. لَقَدْ أَمْسَتْ أَرِيحَا فِي وِجْدَانِ أَبْنَاءِ جِيلِي تُشَاطِرُ القُدْسَ ذَلِكَ الإِحْسَاسَ بِلَوْعَةِ الفِرَاقِ، وَالشَّوْقِ إِلَى المَاضِي الحَزِينِ، الَّذِي بِالرَّغْمِ مِنْ كَآبَتِهِ، غَدَا فِي ذَاكِرَتِنَا حَنِينًا إِلَى الأَيَّامِ المُضِيئَةِ.

