• 24 كانون الثاني 2026
  • مقابلة خاصة

 

القدس - أخبار البلد - كتب خالد الاورفالي : 

"بدأوا بالحرم الإبراهيمي اليوم وسيكون المسجد الأقصى تاليًا.. ومن يوقفهم؟" سؤال يتكرر في فضاء القدس عامة وفي فضاء البلدة القديمة  التي تعيش ببركة الأقصى ،هذا السؤال من يوقفهم والمقصود الإسرائيليين  من مخططهم المعلن بالسيطرة على المسجد الاقصى هو الذي يقلق المقدسيين بشكل خاص فهم كما يقول  الحاج عبد العزيز عبد الله ٧٧ عام من  حارة السعدية ل " أخبار البلد"  مضيفا  " نحن خط الدفاع الأول ونحن من سنوقفهم قدر الإمكان، فهناك حدود لقدراتنا أمام الآلة العسكرية الضخمة لاسرائيل، ولكن بالتأكيد سوف نوقفهم كما اوقفناهم في هبة باب الرحمة وقبلها في هبة الأبواب الإلكترونية  وفي انتفاضة الاقصى وغيرها من هبات قدمنا خلالها المئآت من أبناء القدس شهداء "

 وأكمل  الحاج عبد العزيز الذي كان معلما للغة العربية في إحدى مدارس القدس حديثه وقد وضع يديه على عصاه أثناء جلوسه قبالة باب القطانين وخلفه تشع قبة الصخرة ضوء ذهبيا وهيبة عظيمة " إن أملنا بالله كبير ان لا نصل الى ذلك اليوم الأسود الذي نعتقد فيه ان الاقصى في خطر محدق لانه عندها سيهب كل ابناء القدس شيبا وشبابا نساءا ورجالا دفاع عنه فنحن بدون الاقصى لا هوية لنا ولا مدينة نستحقها ، لكنني لا أخفيك أن القلق الحقيقي المرعب بدأ يتسرب الى نفوسنا وعقولنا  من ذلك الخطر . وهنا تدخل  الشاب خليل محسن ٢٤ عاما يعمل في حانوت بالقرب من باب الحديد في القدس  بعد ان تمكن من الدخول الي الاقصى لاداء صلاة العصر  اسمع ما حدث لنا يا استاذ عبد العزيز : انه ذات يوم اقترب منه يهودي وانا اجلس امام الحانوت وبدون مقدمات قال لي  قريبا لن تجلس هنا بالقرب من المسجد لأنه سيكون لنا  مهما طال الوقت ، فنحن لنا نفس طويل يمكننا أن ننتظر مئة عاما حتى نسيطر على " جبل الهيكل" الاقصى كما تسمونه  لن نتركه لكم  ، عندها فعلا شعرت بالخطر ، فرد عليه استاذه الذي علمه العربية لا تقنط من رحمة الله ، الله يفرجها يا ولدي " 

 لم يخفى  الشيخ محمد حسين مفتى القدس والديار الفلسطينية وخطيب المسجد الأقصى قلقه مما يحدث في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل بعد ان اعلنت السلطات الاسرائيلية انها ابلغت  إدارة الحرم الإبراهيمي بأن الأعمال في الحرم قد نُقلت من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى ما تسمى هيئة التخطيط المدني الإسرائيلي.وينبع هذا القلق من امكانية ان تقدم السلطات الاسرائيلية على نفس الخطوة في المسجد الاقصى الشقيق للحرم الابراهيمي فكل الخطوات التي قامت بها السلطات الاسرائيلية في السنوات الاخيرة وتسارعت في العام القادم تشير الى ان اسرائيل تسير في هذا الاتجاه، ، ولكن الشيخ محمد حسين قال ان الله معنا وان شاء الله لن يحدث اي مكروه للمسجد الأقصى.

معروف ان  المسجد الإبراهيمي، أو الحرم الإبراهيمي الشريف أطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى النبي إبراهيم “خليل الرحمن”، ويعتبر هذا المسجد أقدم بناء مقدس مستخدم بلا انقطاع عبر التاريخ، وهو رابع الأماكن المقدسة عند المسلمين بعد الحرمين المكي والمدني والمسجد الأقصى بالنسبة للمسلمين عامة، والثاني في فلسطين. كما قال الشيخ مازن اهرام  الذي يجلس في زاوية صوفية بالاقصى يلتقى المريدين كل يوم جمعه 

 مضيفا : "  إن  العلاقة بين المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي ليست مجرد تشابه، بل وحدة قضية  قداسة واحدة، وقف واحد، واستهداف واحد    فالمسجد الأقصى هو رمز السيادة الدينية في القدس  بينما يرمز المسجد الإبراهيمي  إلى الجذور التاريخية في الخليل  كلاهما يشكّلان عمودَي الهوية الإسلامية في فلسطين  ، ومن الناحية القانونية يُعدّ الحرم الإبراهيمي والمسجد الأقصى أوقافًا إسلامية عامة لا يجوز تقسيمها أو تغيير وظيفتها الشرعية وفق أحكام الوقف في الفقه الإسلامي، التي تقرر أن «الوقف لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث».

 وشدد الشيخ مازن اهرام  بنبرته الهادئة  وصوته الخاشعة وهو يجلس أمام عدد من المصلين الذين يحرصون ان يحضرون درسه كل يوم جمعة في الغرفة الصغيرة التي تقع في الجهة الجنوبية من المسجد الأقصى ، تلك الغرفة التي كانت للصوفية والتي تحمل اسم " زاوية  العلوية"  منذ أكثر من مئة سنة ولا زالت : "   على ان اسرائيل لن تتوقف عن محاولة السيطرة على المسجد الأقصى كما فعلت في المسجد الإبراهيمي في الخليل ولكن الوضع في الأقصى  مختلف كليا  فالاقصى ليس مسجدًا محليًا، بل رمزًا إسلاميًا عالميًا  أي تغيير جذري فيه قد يُشعل صراعًا إقليميًا واسعًا  كما ان الأقصى هو جزء من دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية  إسرائيل تعلم أن كسر هذا الوضع رسميًا سيُحرج حلفاءها ويخلق أزمة دولية  ، ناهيك عن  أن أعداد المصلين والمرابطين كبيرة، خاصة في الجمع والمواسم  والقدس ليست مدينة معزولة كحال الخليل ، ورغم كل  ما تقدم بان القلق يسود الشارع المقدسي لأننا نعلم يقينا ان  المتطرفين في الجانب الاسرائيلي اذا بقوا في السلطة فانهم لن يترددوا بالقيام بخطوات تؤدى الى مواجهة واسعة مع كل المسلمين"

  وقال حاتم عبد القادر الناشط المقدسي والوزير السابق في الحكومة الفلسطينية ورئيس الهيئة الاسلامية المسيحية لنصرة القدس " بالتأكيد المسجد الأقصى هو تحت النار الان ، فقد شهد المسجد في الاونة الاخيرة مستوى قياسي غير مسبوق من التصعيد ، مما يعكس تحولا استراتيجيا واضحا في السياسة الإسرائيلية تجاه الحرم القدسي الشريف ، فالانتهاكات والاقتحامات لم تعد تقتصر على أفراد بل تحولت الى ظاهرة منظمة وممنهجة تشارك فيها كافة مكونات الحكم في إسرائيل تقريبا ، وتقودها عقليات دينية متطرفة تهدف بشكل واضح إلى تغيير دراماتيكي في الوضع التاريخي والقانوني القائم وإعادة تعريف المسجد الاقصى  حسب الرواية الاسرائيلية ، ومع هذه المخاطر التي يتعرض لها المسجد الاقصى الان" 

 وأضاف عبد القادر  ل" أخبار البلد" : " الا انني لا اعتقد ان بمقدور الاحتلال القيام بنفس الخطوات التي قام بها في الحرم الإبراهيمي في المسجد الأقصى  لسببين ، أولهما مظلة الوصاية الهاشمية المدعومة من معظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة ، وثانيهما ردود الفعل وخاصة لدى المقدسيين الذين هبوا في كل المفاصل الخطيرة التي شكلت تهديدا للمسجد الأقصى ، ولا يجوز أن يغير الهدوء الحاصل حاليا إزاء تصاعد الانتهاكات ، فاعتقد ان المقدسيين قادرون على إعادة سيناريو البوابات الإلكترونية إذا شعروا أن المسجد الأقصى يتعرض إلى تهديد وجودي"

 وهذا ما  وافق فيه البروفيسور إسحاق رايتر، رئيس جمعية الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية في إسرائيل (MEISAI)، محاضر في كلية القاسمي، وله عدة مؤلفات عن الأقصى ويعتبر مرجعا للعديد من الجهات الاسرائيلية بخصوص المسجد الاقصى  حيث قال إنه يستبعد أن تقدم الجهات الرسمية نقل ما حدث في الحرم الابراهيمي الى المسجد الاقصى لان رئيس الوزراء بنيامين  نتنياهو لن يسمح بذلك فهو يعرف ابعاد هذه الخطوات  على إسرائيل ، كما أن الادارة الأمريكية لن تسمح بالاستيلاء على الأقصى كما حدث في الحرم الإبراهيمي، فاسرائيل لا تريد أن تغضب  كل من الأردن صاحب الوصاية الهاشمية ولا الولايات المتحدة مضيفا  أن هذا لا يعني أن الجهات اليمينية المتطرفة التي تسيطر على مفاصل السلطة في اسرائيل لن تحاول القيام بذلك بل هي ستحاول ولكن التنفيذ سيكون صعبا للغاية .  

 وكانت الصحفية الاسرائيلية المعروفة عميره هاس قد كتب في عام ٢٠١٩ مقالة في صحيفة هارتس نشرته مترجمة صحيفة الأيام الفلسطينية بعنوان :

" حذارِ من تكرار سابقة الحرم الإبراهيمي في المسجد الأقصى" 

  أكدت فيها " الخوف الفلسطيني من تكرار تجربة الخليل في البلدة القديمة في القدس بشكل عام، وفي المسجد الأقصى بشكل خاص، يوجد له ما يبرره. التعصب العقائدي الديني ذاته، سياسة النهب البطيء ذاتها، ودعم علماني – قومي متطرف يهودي  مسلح

 بعد احتلال  الضفة الغربية على يد الجيش الإسرائيلي في عام ١٩٦٧ سمحت الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين باقامة المستوطنات حول الخليل ، وبعد ذلك اقام المستوطنون بدعم من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وخاصة حكومات العمل المختلفة  والتي كانت هي أول من شرع الاستيطان في الضفة الغربية حتى قبل تسلم اليمين دفة الحكومة في إسرائيل، فكانت النتيجة أن المستوطنين  بمساعدة الجيش اقتحموا قبل مدينة الخليل ومركزها التجاري واستولى على العقارات هناك  و أحاطوا المسجد الإبراهيمي  الذي تعرض لاعتداءات متكررة من قبل المستوطنين بهدف تحويله إلى معبد يهودي، تحت حماية مباشرة من قوات الجيش .

 بالفعل لقد  استولت السلطات الاسرائيلية على اكثر من 60% من مساحة المسجد وحولته إلى كنيس يهودي، بينما بقي 40% منه للمسلمين، وفصلت أجزائه بعضها عن بعض باستخدام حواجز وبوابات حديدية محكمة، مع وضع ثكنات عسكرية للمراقبة داخل المسجد وحوله. وقامت قوات الجيش بنصب أكثر من 22 حاجزا حول المسجد الإبراهيمي، منها نحو 6 حواجز رئيسية تعيق وصول المصلين المسلمين إليه، إلى جانب المضايقات المستمرة للزوار الفلسطينيين. وليكتمل المشهد  أبلغت السلطات الإسرائيلية في يوم 26 فبراير/شباط 2025 إدارة الحرم الإبراهيمي بأن الأعمال في الحرم قد نُقلت من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى ما تسمى هيئة التخطيط المدني الإسرائيلي.