- 26 كانون الثاني 2026
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي :
نشر الملحق الثقافي لصحيفة العربي المعروف باسم " ضفة ثالثة" مقالة موسعة للكاتب " راسك المدهون بعنوان " ضفاف فوق جبل النجمة استعادة فلسطين الاولى" عن اخر اصدار الكاتب المبدع الصديق " زياد خداش" والذي يحمل عنوان " ضباب فوق جبل النجمة " وهي رواية.
ونحن في " أخبار البلد" اذ نهنئ الصديق الروائي النشيط المثابر " زياد خداش" على عمله الأدبي الجديد يسعدنا ان نعيد نشر ما كتبه الصحفي " راسم المدهون" عن تلك الرواية في " ضفة ثالثة" :
بعد رحلة طويلة مع سرد القصة القصيرة، يشرع زياد خداش ذاكرته وموهبته معًا لاقتراح سردي آخر مختلف وله خصوصياته وأدواته، هو "النوفيلا"، أو الرواية القصيرة، إذا شئنا الدقة المكثفة، بما هي جنس أدبي يقارب الرواية ويشبهها من دون أن يكون رواية، ويحتفظ في الوقت نفسه بقرابته العضوية مع القصة القصيرة، مع افتراق بيّن مع شروطها وأدواتها. في نوفيلا "ضباب فوق جبل النجمة" يذهب زياد خداش لعقود من السنوات سبقت نكبة عام 1948، فيفتح كتاب فلسطين الكاملة قبل أن تمزق صفحاته يد العدوان، ويبدأ من هناك سردية حميمة لا تكتفي باستعارة الحدث الواقعي ذاته، ولكن تضيف له "محاكاة" مباشرة لشخصيات فلسطينية من أعلام تلك المرحلة الكبار من الموهوبين، والذين قدموا للحياة الثقافية الفلسطينية ما أصبح إلى اليوم إرث الشعب الفلسطيني الثقافي والعلمي، الذي لم يزل راسخًا في الوعي الجماعي الوطني، ونراه في رواية خداش يسكن السطور بتفاصيلها كشخصيات أصيلة تحضر روائيًا، ولها صفاتها الدرامية مثلما لها حضورها التاريخي.
في "ضباب فوق جبل النجمة" تقرأ الرواية حدث النكبة من خلال مقدماتها الأولى، كما من خلال ملاحظة حضور الفعل الفني والأدبي في المجتمع الفلسطيني، خصوصًا في القدس. الحضور هنا يأتي قويًا، ويمتلك قدرته الهائلة على التأثير بامتلاكه لحيوية الحوار مع قارىء من أيامنا الراهنة من خلال الحضور التاريخي الممتد لأولئك الرجال والنساء من أجيال فلسطينيين عاشوا في وطن الفلسطينيين قبل النكبة، وظلوا بعدها يحتفظون برمزيتهم، وبما حققوه من إنجازات منحت أسماءهم تأثيرها في الوعي من خلال تجذرها في السياق التاريخي ومسار الأحداث السياسية، تمامًا كما من خلال حضور بارز في الوعي الثقافي والأكاديمي كرموز خالدة تسطع صور أصحابها في الوعي والذاكرة، وتجسد إبداعاتها المتنوعة إرثًا هائل التأثير على راهن أيامنا الفلسطينية.
يختار زياد خداش أن يكون هو "الراوية"، وهو اختيار يمنحه منذ البداية امتلاك زمام المبادرة وقوة حجة السرد في التعبير بطلاقة وصدق، فنجد أنفسنا كقراء أمام سردية تقارب المذكرات، أو اليوميات، بما هي سطور شخصية حميمة، وتتدافع أحداثها وتفاصيلها بحقيقيتها وانتسابها لعوالم كانت ذات يوم، وتمتلك في الوقت نفسه تعبيرها الساطع عن أحداث تاريخية وقعت في مدن فلسطين وقراها، وبالذات مدينة القدس، بما تحمله من رمزية كبرى وموقع واقعي يحتضن ذاكرة الفلسطينيين وأيام كفاحهم، ومن بعده مأساتهم الكبرى.
هي "لعبة" فنية تستدرج التراجيديا لتهبط بها من وقائع وتفاصيل الحدث التاريخي إلى سبك روائي ينتمي للمتخيل، وتنهض بعمارته الفنية ليسكن سطور الفن الروائي. هنا بالذات تتحاور السردية الروائية الأدبية والفن مع شخصيات كبرى وعظيمة الحضور في وعي الفلسطينيين وتاريخهم، مثل جبرا إبراهيم جبرا، وروحي سامح الخالدي، وفدوى طوقان، وخليل السكاكيني، وغيرهم من الأعلام الخالدين، وهذه تحسب للرواية، إذ تأتي بكل أولئك الأعلام وتكرس إنسانيتهم الواقعية باعتبارهم مواطنين فلسطينيين، وليسوا أعلامًا فنيين يسكنون الكتاب ويقفون على مساحة متخيلة كما هي صورة المبدعين عادة في مخيلة الناس العاديين. هي "لعبة" فنية تزج أولئك المبدعين الكبار في السياق الاجتماعي الواقعي اليومي باعتبارهم بشرًا حقيقيين لا يسكنون الكتب وحسب، ولكنهم يمشون في الشوارع والحارات والمناسبات الوطنية، ويتحاورون مع غيرهم تحت ضوء الشمس، وفي الأماكن العامة.
في بؤرة حدث الرواية، يختار زياد خدش مرض الجذام كي يلعب "دور البطولة"، فتلك المأساة المروعة التي جسدها ذلك المرض تمتلك في الوقت نفسه رمزيتها الكبرى التي تسلط الضوء على وقائع التاريخ الفلسطيني في النصف الأول من القرن العشرين، حيث السعي الصهيوني الأول للقبض على الوطن الفلسطيني وتحويله إلى "وطن آخر" لا يشبهه ولا يشبه أهله.
نلاحظ في رواية "ضباب فوق جبل النجمة" أنَّ وعي الحقائق التاريخية شبه غائب في أحيان كثيرة، وأهمها أن مشروع الصهيونية كان منذ البداية ينهض على تآمر اليهود الصهاينة القادمين من خارج فلسطين في مقابل انتماء غالبية يهود فلسطين إلى وطنهم الفلسطيني باعتبارهم مواطنين فلسطينيين خضعوا للظلم تمامًا، مثلما وقعوا ضحية مرض الجذام وما رافقه من ملاحقة المرضى، والهروب منهم، بل ومطاردتهم غالبًا من الآخرين.
حكاية "الجذام" هي أيضًا في قلب السردية الروائية وتفاصيلها ومآلاتها الكبرى، وهي تجسيد حاد لاقتران النكبة الضحية لأولئك الضحايا بنكبة كبرى كانت تقترب وتحمل لهم ولأهلهم نكبة إنسانية شاملة سوف تدفع بهم في صورة جماعية للتبدد من بيوتهم، ومن شوارع مدنهم، وتذروهم بعيدًا نحو الشتات في عوالم ومدن غريبة يعيشون فيها كمشردين، ويبحثون عن طرق العودة لاستعادة كيانيتهم وحضورهم الوطني والاجتماعي والإنساني.
في الرواية ثالث الأقانيم الحية "الحب". الحب في الرواية يظل حتى السطور الأخيرة حاضرًا من خلال تعلق بطل الرواية وراويها بحبيبته التي يشك طيلة الوقت أنها تحب صديقه الشاعر، وهو شك يشبه الهاجس أكثر من شبهه باليقين الذي يستند إلى حقيقة واقعية، إذ تقارب قصة الحب كلها أن تكون افتراضًا ينتمي للرغبة الحلمية التي تنتقي حضورها من خلال الخيال، وتضع الحلم ذاته في إطار مكاني يتنقل ويتباعد ويشبه حال الفلسطينيين ذاتهم بما فيه من وقائع نكبات متلاحقة تنتمي لنكبتهم الأساسية، وتأخذ منها تفاصيلها وصورها ومأساويتها. الحب هنا هو قوة رمزية تشع بوهج يقود الوعي نحو استلهام الأمل، ومتابعة حضور هذا الأمل حتى في لحظات نكوصه وتباعده وضعف حقيقيته التي تجعله يكاد يختفي، ولكنه لا يختفي، بل يظل حاضرًا كنقطة ضوء بعيدة تشير إلى "نهاية" جميلة، وتحمل الفرح، وإن تكن نهاية مؤجلة طيلة الوقت.
زياد خداش في تجربته الروائية الأولى يمتحن جنسًا أدبيًا جديدًا بعد تجربة ثرية له مع القصة القصيرة، فيأتي ليوظف تلك الخبرة وما فيها من بلاغة التكثيف وجمالياته، وينجح في توظيف التكثيف في سياق السرد الروائي ببراعة لافتة تجعلنا نصدق، وتمنحنا متعة المتابعة. هو تكثيف يفارق الزوائد والَاضافات والاسترسالات، لتأتي الكتابة سياقًا يحمل التماسك والسلاسة وقوة الشخصيات وتفاعلها مع السرد وما فيه من أحداث ووقائع.
"ضباب فوق جبل النجمة" (منشورات الأهلية ــ عمان 2026) تجربة أخرى لكاتب يقدم وهج السرد، وحرارة الفن الروائي المشغول بفنية عالية، والذي يمنحنا متعة القراءة على نحو مختلف، وفيه كثير من صدقية الكتابة، وحرقة الموهبة.

