- 9 شباط 2026
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب خليل العسلي
في الطريق إلى زيارة صديق في مكتبة جامعة القدس في عقبة الرصاص في البلدة القديمة ( قبل ان تتعرض الى ما تعرضت له من أمور لا يرغب أحد بالحديث عنها علانية!! وأدت في النهاية الى اغلاق المكتبة بمقرها الحالي، وحرمان أهل البلدة القديمة من مكانة دافى للكتاب والقارئ مكان للمعرفة… ) لفت انتباهي ان الباب الأخضر الذي يبدو مثل الثقب بالجدار العتيق ويقع على مفرق عقبة الشيخ ريحان وعقبة الرصاص مغلق وان اللافتة المشهورة ذات اللون الاخضر ايضا قد ازلت فسألت صديقي المقدسي الاصيل فقال لي:
أن ابوعلي تعبان ولم يعد يفتح فرنه المعروف للقاصي والداني في القدس والذي كان يقدم فقط اقراص البيض للسائح قبل ابن البلد ..
حزنت كثيرا لان هذا الفرن يكاد يكون الوحيد الذي لا يخبز الخبز في القدس بل هو متخصص في إعداد أقراص البيض اللذيذ أما مع الجبنة الصفراء( والتي تعرف باسم جبنة المثلثات لانها على شكل مثلث) أو مع السجق الحار المبهر، اضافة الى انه كان يستقبل الصواني القادمة من أصحاب المحال التجارية من جميع أسواق البلدة القديمة لطهيها على نار حطب فرنه وخاصة في فترة الظهر، كما أن البيوت القريبة ترسل له صواني اللحمة او البطاطا او الكفتة بالطحينية .
وقال صديق لي أن هذا الفرن هو الوحيد الذي كان يفتح حتى ساعة متأخرة من الليل وقبل سنوات طويلة كان يفتح على مدار الساعة ، ولا زلنا نتذكر افواج الشبان الامريكان الهيبز( وهي حركة شبابية معارضة انتشرت في سنوات الستينات ،السبعينات وضعفت في الثمانين ) وهم يتجمعون في الفرن من أجل تذوق ما يطلقون عليها بيتزا أبوعلي الخاصة ،والتي ذاع صيتها في صفوف السياح ، ولهذا وضع أبو علي لافتة كبيرة باللغة الانجليزية تحمل اسم مخبز الباب الأخضر للبيتزا - ابو علي
وكتب بعض الزوار الأجانب الذين جاؤوا خصيصا لتذوق بيتزا ابو علي في مجلة للسياحة متخصصة بالطعام قائلا:
المكان الأكثر إثارة للاهتمام الذي قمت بزيارته هو المسمى Green Door Pizza Bakery. ليس لها عنوان، وبمجرد أن تتمكن من العثور عليه، سيتم الترحيب بك من قبل رجل يقف في حفرة في الأرض ويصنع بعضًا من البيتزا الأكثر تميزًا التي تذوقتها على الإطلاق. هذا المخبز لو كان في أمريكا لاغلق منذ زمن لأنه لن يجتاز التفتيش الصحي. هناك قطط تتجول والرجل الذي ينتج الفطائر يدخن سيجارة أثناء عمله. لكن هذا النوع من الأجواء هو ما يجعل تناول الطعام عنده مميزًا للغاية.
ويكمل حديثه:
الرجل الذي يصنع البيتزا هو أبو علي. إنه يتحدث القليل جدًا من اللغة الإنجليزية، ولكن بالقدر الكافي ليتمكن من التواصل مع السياح الأمريكيين. عندما دخلنا المتجر، اقتربنا منه في جحره. ابتسم وسألنا: “لحم أم لا لحم؟” اخترت أنا وأصدقائي الثلاثة تجربة الفطائر بدون لحم. يتم تحضير كل فطيرة على حدة باستخدام العجين الذي تم تحضيره مسبقًا. الإضافات الرئيسية المستخدمة في الفطيرة هي الجبن والبيض، على الرغم من إضافة بعض الصلصة والتوابل قبل وضعها في الفرن مباشرة"
لقد كان "أبو علي" صاحب فكر ثوري في عمل الأفران حيث أنه نفل فكرة الفرن التقليدي ليصبح فرن مختلفة ويقدم ما هو مختلف عما تقدمه الافران الاخرى من خبز وغيره ، وبالتالي فانه نقل الوظيفة الاجتماعية لما ينتجه الفرن ( اقراص البيض) الى معنى مختلف ما بين يؤكل بوصفه تجربة حضارية وما يؤكل بوصفة ضرورية يومية.
بعد أيام قليلة من السؤال عن ابوعلى وعن صحته من قبل جيرانه الذي يفتقدونه حيث علل بعضهم هذا الإغلاق والغياب بسبب اختفاء الزبائن وبسبب سوء الأحوال الاقتصادية للبلد وأهلها، فالاجواء في المدينة باتت أكثر توترا وأكثر خوفا اقل امانا وانعدمت راحة البال في المدينة وبات الخارج من بيته مفقود والعائد مولود ، وتمنى محبي وزبائن ابو علي ان يعود الى فتح أبواب فرنه في شهر رمضان القادم إلينا بعد أيام ، خدمة للصائمين وضيوف الأقصى والمدينة كما كان يفعل كل عام .
ولكن .. كان للقدر رأي آخر
فلقد عم الحزن أزقة البلدة القديمة وحاراتها فور انتشار خبر وفاة الرجل الطيب "أبو علي" وغمر اليأس والحزن والغمالمدينة وأهلها. ودمعت عيون الكهول قبل الشباب الذين كانوا يعتبرون فرن ابو علي عنوانا لهم ،ملعب ذكرياتهم الصبيانية ، لم يكن فقط المكان الذي يملأ المعدة بل أيضا المكان الذي يغذي الذاكرة ، ويوثق العلاقة الانسانية ، كان فضاء اجتماعيا تدار فيه العلاقات بين البشر على اختلاف ألوانهم من سياح وضيوف وأبناء المدينة
وهكذا تفقد القدس حجر آخر من لوحة الفسيفساء الملونة الجميلة التي تشكل المجتمع المقدسي وتحمى الذاكرة الجمعية للمدينة وأهلها .

