- 1 آذار 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : الدكتور زيدان عبد الكافي الكفافي
ما دفعني لكتابة هذه الخاطرة أن مجموعة من الأعراق والتي حملت علم العروبة، أو لنقل القومية العربية، بدأت تخلع عباءة العروبة عن كتفها. وهذا الأمر، برأينا، لا يخدم إلاّ مصالح المشروع الصهيوني، وهو تفتيت الدول العربية إلى قوميات صغيرة تستقل كل منها بنفسها عن الأخرى، تتصارع فيما بينها، ومن ثم تطلب العون من غيرها، أو تستنصر بواحدة من القوى الكبرى على أهلها. هذا الأمر يذكرني بما كان حاصلاً في العصور القديمة بين حوالي 1550 – 1150 قبل الميلاد. وأقدم أدناه دروس مستفادة من التاريخ العربي:
الدرس الأول (الفترة بين حوالي 1550 – 1150 قبل الميلاد):
خضعت بلاد الشام خلال هذه الفترة من الزمان لسلطتين، هما: الحثية في بلاد الأناضول/ تركيا الحالية والتي سيطرت على المنطقة إلى الشمال من مدينة حلب (يمحاض/يمخاض)، والمصرية/ الدولة الحديثة والتي سيطرت على المنطقة الواقعة جنوبي مدينة حلب.
ساد في بلاد الشام خلال هذه المرحلة نظام سياسي هو المعروف ب (الدولة المدينة أي city-state)، أي أنه كان لكل مدينة حاكم يحكمها، فتعارضت مصالح هذه المدن مع بعضها بعضا، وكانت هناك صراعات بينها. وبناء عليه، فعندما كانت السلطة المصرية قوية خلال الفترة بين حوالي 1550 – 1400 قبل الميلاد)، كانت الأمور تسير بكل يسر، وما كان على حكام المدن سوى دفع الجزية السنوية للمندوب السامي المصري (يسمى "رابسو"). لكن وخلال الفترة بين حوالي 1400 – 1350 قبل الميلاد، أي الفترة التي أطلق فيها دعوته لعبادة إله واحد، ولم يعد الملك المصري يهتم بالأمور العسكرية، أخذت ممالك المدن تتصارع مع بعضها بعضاً، مما جعل كل منها تطلب العون والمساعدة من مصر، فكانت رسائل تل العمارنة.
بقي الأمر على حاله حتى حوالي 1200/1150 قبل الميلاد) حين تحطمت الإمبراطوريات الثلاث الحثية في بلاد الأناضول، والكاشيه في بابل، والمصرية في وادي النيل. أتاح هذا الأمر للسكان المحليين في بلاد الشام بتشكيل دول لهم، فكانت الآرامية، والعمونية، والمؤآبية، والأدومية ومملكة قيدار، وغيرها. وعلى مدى التاريخ لم نقرأ عن أي صراع جرى بين هذه الدول، بل تحالفت مع بعضها بعضا ضد الآشوريين وتجلى هذا في معركة (قرقور/قرقر) بشمال غرب سوريا الحالية/ جنوبي مدينة حلب التي جرت في عام 853 قبل الميلاد. ويذكر النص المكتوب الذي تركه الملك الآشوري " شلمنصر الثالث" اسم الملك العربي "جنديبو" ملك قيدار، وهذا يمثل أول ذكر لكلمة عربي. وللأسف فإن كثير من الناس يعدّون أن العرب يبدأ تاريخهم بهذا الذكر، وبرأينا هذا يخالف الحقيقية، لأن ما سموا بالعرب في هذه المسلة هم نفس الناس الذين كانوا موجودين قبل ذكرهم فيها.
الدرس الثاني من معركة ذي قار (التاريخ غير محدد لكن هناك عدة مقترحات هي 604م، 609/ و624م) حتى اليرموك (636م):
وددت أن أبدأ بمعركة ذي قار لأنها برأي الكثيرين أنها كانت منعطفاً في تاريخ العرب قبل الإسلام. فمن المعلوم أن النظام السياسي في بلاد العرب كان منقسم بين نظام الدولة الوطنية تحت وصاية الفرس أو الرومان، أو قبائل تتحد وتتفرق بناء على عوامل مختلفة. لكن حادثة جمعت شملهم، إذ أن امبراطور فاس "كسرى أبرويز" غضب على ملك الحيرة العربي "النعمان بن المنذر" الذي لجأ إلى هانئ بن مسعود الشيباني فاستودعه أهله وماله وسلاحه، استسلم بعدها لكسرى الذي قتله. بعدها أرسل كسرى إلى هانئ بن مسعود طالباً منه تسليم وديعة النعمان، فأبى. وهذا ما أغضب كسرى على بني شيبان، فقرر القضاء عليهم بالقوة. ولتحقيق هدفه جهز جيشاً ضخماً لمهاجمة بني شيبان، فلما علمت هذه القبيلة العربية بما يحضر له كسرى، استجارت بالقبائل العربية ومنها قبيلتي بكر ووائل. والتقى الجيشان في بطحاء ذي قار، وهي منطقة تابعة لقبيلة وائل في منطقة قريبة من الكوفة الحالية.
وكان من نتيجة المعركة أن تحقق النصر للقبائل العربية التي حاربت إلى جانب بني شيبان، وعزل حاكم الحيرة "إياس بن قبيصة" وتعيين حاكم فارسي عليها، وتمرد قبيلة بني بكر بن وائل في البحرين، تبعتها القبائل العربية الأخرى في وسط الجزيرة العربية. وحاول الفرس إرضاء المناذرة بتعيين أحد أبناء النعمان حاكماً عليهم وهو "المنذر" في محاولة منهم لعودة الأوضاع مع المناذرة لما قبل المعركة، لكن الأمور تغيرت بظهور الإسلام. وتذكر كتب التاريخ أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قال بعد هذا الانتصار العربي " هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا. "
هذا درس لنا يشير إلى أن الانتصار يأتي مع الوحدة، وليس بالفرقة
الدرس الثالث: المسيح مسيحنا، والمسيحية نحن أهلها (من القرن الأول الميلادي وحتى 636م):
جاء الاسكندر المقدوني إلى منطقة شرقي المتوسط محتلاً في حوالي 333 قبل الميلاد، وكانت تسود المنطقة ممالك عربية، مثل مملكتي تدمر، والأنباط، وكانت الحضارة الشرقية بكل سماتها ولغاتها، ولهجاتها هي المسيطرة في هذه البلاد. جاء الاسكندر حاملاً معه ثقافة وحضارة غربية، أخذت مكانها في الحواضر العربية، خاصة. وجلب معه مخططات لبناء مدن حسب مخططات المدن اليونانية، وبنى ومن بعده الرومان المعابد للآلهة اليونانية والرومانية، وكذلك اللغة اليونانية ومن ثم اللاتينية. لكن هذا لم يستطع إلغاء ما كان موجوداً من سمات حضارية شرقية من بناء ولغة وعادات وتقاليد، فانتشرت الكتابات النبطية والصفوية والثمودية، وكانت التجارة العربية من جنوبي الجزيرة العربية إلى موانئها في غزة مروراً بعاصمة الأنباط البتراء. وعلى الرغم من الاحتلال والسيطرة العسكرية الرومانية على المنطقة إلاّ أن المناطق العربية كانت تربطها مع بعضها بعضاً خطوط تجارية، مثل طريق البخور، وطريق تراجان التي ربطت بصري في حوران مع مدينة "إيله/العقبة". وهذا يعني، أن سكان البلاد العربية هم الذين سيطروا على التجارة والزراعة في مناطقهم، ووصلوا بمنتجاتهم إلى أماكن عالمية بعيدة. باعتقادنا أن العرب سكان شبه الجزيرة وشرق البحر المتوسط قد وصلوا إلى مرحلة فكرية متقدمة، يؤشر على هذا الكتابات والمخلفات الأثرية التي هي متوفرة بين أيدينا الآن.
ظهر في هذا الخضم السيد المسيح "المعلم والمخلص" المولود في بيت لحم بفلسطين، داعياً إلى دين المسامحة، والعودة إلى طريق الصواب بعدما وجد أن قومه من اليهود قد خرج كثير منهم من الملّة، واتخذوا من الحضارة الغربية نبراساً لهم. وواجه أـتباع المسيح الاضطهاد من اليهود والرومان، مما دفعهم في حوالي 69/70م للهجرة إلى طبقة فحل. وكان المسيح عليه السلام قد سبقهم بالقدوم إلى الأردن، إذ تشير كتابات العهد الجديد أنه قد قدم من طبرية إلى جدارا (أم قيس الحالية) وحادثته مع مرضى أخرج منهم المرض وألبسه لقطيع من الخنازير. إضافة لهذا، فقد قدم عليه السلام إلى مكان تواجد النبي يوحنا المعمدان "يحيى" الذي عمده بمياه نهر الأردن في المعمودية بوادي الخرار.وإذا كان المسيح قد ولد بفلسطين، فإن الغساسنة العرب، سكان الأردن، هم من احتضن الديانة المسيحية. ونستدل على قولنا هذا، بأنك أينما ذهبت في الأردن تجد كنائس قد بنيت فيها، خاصة بعد أن سمح الامبراطور البيزنطي "قسطنطين" في سنة 324م الحرية لأصحاب الديانات بممارسة عقائدهم الدينية. وانتشر بناء الكنائس بشكل كبير خاصة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين.
ومن غرائب الأمور أنه وبعد دخول المسيحية إلى العالم الغربي، أخذوا يزعمون أنهم أصحابها. (سرقوها منّا)، ويزعمون أنهم يدافعون عنها، وحاربنا الفرنجة باسمها وزعمهم الدفاع عنها، وسيطروا على بلادنا لحوالي مئتي عام (1099 –1187م) حتى كانت حطين. وللمعلومة فقد قتل من مسيحي بلاد الشام كما قتل من مسلميها على يد الفرنجة. وما كانت حطين لتكون لولا تمكن الأيوبيين من عمل الوحدة بين مصر وبلاد الشام.
الدرس الرابع: النبي محمد الهاشمي، فخر العروبة وجامع الأمّة:
جاء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم داعياً جميع الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، أي للناس كافة. وبعد أن بشر بالنبوة، أي بعد نزول جبريل عليه، وعودته إلى بيته واستقبال زوجته خديجة له. وقال لها عليه الصلاة والسلام "زمليني، زمليني، دثريني، دثريني"، فقالت له بعدما أعلمها بما رأى وسمع من الملاك جبرائيل، أنه فيه من صفات النبي. ونتيجة للمقاومة الشديدة لأتباع ديانة محمد، كانت الهجرة الأولى إلى أكسوم (الحبشة) المسيحية، كما أرسل الرسل إلى هرقل المسيحي، وكسرى المجوسي يدعوهم إلى الإسلام.
وحّد الإسلام القبائل العربية مجتمعة تحت علم النبي الهاشمي محمد، وكان الانتشار بعدها بعد أن تحققت الانتصارات المتتالية لجيوش المسلمين في القادسية ومؤتة وفحل واليرموك. نتيجة لهذا دخلت أقوام وأجناس جديدة تحت راية الإسلام، واختفت القومية العربية وانصهر الجميع في بوتقة الإسلام، وخيّر السكان العرب وغيرهم من المسيحيين بين الدخول للإسلام أو دفع الجزية.
وتجلى التعاون الإسلامي المسيحي بمعاونة المسيحيين العرب لجحافل الجيوش المسلمة في حروبهم، وفي العهدة العمرية التي وقعها الخليفة عمر بن الخطاب مع صوفرونيوس التي نصت على إخراج اليهود من القدس. خلاصة الأمر احتكم الناس للحديث النبوي الشريف" ليس لعربي فضل على أعجمي إلاّ بالتقوى".
بعد الانتصارات الاسلامية المتوالية سواء أيام الخلافة أو الدولتين الأموية والعباسية، سيطرت الحضارة الإسلامية على منطقة واسعة من اسبانيا وحتى أواسط آسيا. بطبيعة الحال هذا لم يعجب أصحاب الحضارة الغربية، فكان لا بد من صدام بين الحضارة فاتخذ أهل الغرب حماية الديانة المسيحية عكازة لهم، فكانت حروب الفرنجة "الصليبية".
الدرس الخامس: من صلاح الدين (1187م) إلى الشريف الحسين بن علي (1916م):
كما ذكرنا أعلاه، اختفت الذات العربية في الإسلام وسيطرت أعراق أخرى عليها باسم الإسلام، وبعد معركة عين جالوت التي جرت في عام 1260 ميلادية والتي انتصر فيها المماليك بقيادة سيف الدين قطز على جيش المغول الذي انتصر على الدولة العباسية ودمر بغداد وقتل الخليفة "المستعصم بالله" فسقطت معه الخلافة العباسية. وكان لانتصار المماليك في هذه المعركة دوراً هاما في تغيير موازين القوى في بلاد الشام بشكلٍ خاص. بعد الانتصار في عين جالوت أعلن سيف الدين قطز توحيد مصر وبلاد الشام، وأرجع بعض الأمراء الأيوبيين إلى مناصبهم.
كيف أصبحت علاقات الشرق والغرب بعد معركة حطين؟ نعلم أنه بعد هذا الانتصار بقي الفرنجة في فلسطين لمدة تقرب من المئة عام. لكنهم بعد خروجهم الكامل، نرى أنهم طردوا عسكرياً من البلاد لكنهم بقوا على تواصل مع المنطقة من خلال إرسال البعثات الاستكشافية، والحملات التبشيرية. كما حصل خلال القرن الخامس عشر الاستكشافات الجغرافية، وامتدت خطوط تجارية بين الغرب والشرق. لكن يجب ألا ننسى ثورة الراهب والقس ، وأستاذ اللاهوت الألماني مارتن لوثر (1483 – 1546م) البروتسنتية، الذي اعترض على صكوك الغفران التي تصدرها الكنيسة الكاثوليكية، وكذلك رسالته الشهيرة التي تتعلق بسلطة البابا. هذا المتغير الديني المسيحي، أصبح له تأثير كبير وانعكاسات ليس فقط في أوروبا، بل على منطقتنا، فهو من حرر اليهود من ذنب قتل المسيح عليه السلام.
احتل العثمانيون مصر في عام 1517م، أعلنوا بعدها تبعية الحجاز لحكمهم مما دعى أن شريف مكة لمبايعة السلطان سليم في الأستانة (القسطنطينية)على الحكم بإرساله نسخة فضية من مفتاح الكعبة ونسخة من القرآن الكريم. أعطى هذا الأمر السلطان العثماني الحق في أن يطلق على نفسه لقب "خليفة"، وبهذا أصبح مسؤولاً عن القيادة الدينية للإسلام. أما الحكام المحليين في العراق، وبلاد الشام ومصر، فقد أعلنوا الولاء الإسمي للسلطان العثماني. وبرز منهم أحمد باشا الجزار والي عكا، ومحمد علي (الألباني الأصل) والي مصر. وأرسل الأخير ابنه إبراهيم في عام 1831 لغزو بلاد الشام، وكاد أن يصل لسواحل البسفور لولا تدخل الدول الأوروبية.
خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر حصلت في أوروبا عدة ثورات مهمة كانت ذات أثر سيء على بلاد العالم الإسلامي، الذي أصبح تحت حكم الدولة العثمانية بعد هزيمتهم للمماليك في معركة مرج دابق في عام 1516م بالقرب من حلب. استطاعوا بعدها السيطرة على جميع بلاد الشام، واحتلال مصر من بقايا المماليك. وبقيت بلاد الشام تحت الحكم الدولة العثمانية حتى هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى.
هذا ما حصل بعجالة في المشرق، أما ماذا حصل في الغرب فقد كان التحول كبيراً، فإضافة للمتغير الديني البروتستانتي، حصلت الثورة الصناعية (القرن الثامن عشر/القرن التاسع عشر)، والثورة الفرنسية (1789- 1799م). إذ شهدت أوروبا خلال هذه القرون نهضة علمية كبيرة أدت إلى ظهور اختراعات واكتشافات جديدة، أطلق عليها اسم "الثورة الصناعية". أدت هذه الثورة إلى ارتفاع غير مسبوق في النمو السكاني، وكذلك تأثير كبير على الحياة الاقتصادية والاجتماعية سواء في داخل أوروبا أو خارجها. فأصبحت أوروبا تبحث عن مصادر المواد الخام، والأيدي العاملة الرخيصة، فكانت إفريقيا، وغربي آسيا هي العنوان. وأما الثورة الفرنسية فقد كان لها تأثير كبير على فرنسا وأوروبا وافريقيا وآسيا، إذ نجد أن هذه الثورة صدرت أزماتها للخارج عن طريق الحروب، فكانت حملة نابليون على مصر وفلسطين.
تمخض ما جرى مع نهاية القرن الثامن عشر في أوروبا عن حملة نابليون العسكرية على مصر وفلسطين في عام 1798م. وإضافة لاحتلال مصر والسيطرة على موقعها المركزي ودورها الحضاري، هدفت هذه الحملة لدراسة البلاد والعباد، ولتحقيق هذا الهدف حمل معه علماء في كل التخصصات. وعلى الرغم من فشل حملته، إلاً أن الفرنسيين هم أسسوا دائرة للآثار المصرية والمتحف المصري. أي خرجوا عسكرياً لكنهم بقوا فكرياً. وعلى الرغم من أن جحافل الجيش العثماني وصلت إلى مشارف مدينة "فينا"، إلاّ أن العثمانيين لم يتنبهوا للتقدم العلمي في أوروبا نتيجة للثورة الصناعية، وكان كل هم العثمانيين هو ولاء الجزيرة العربية للباب العالي والمحافظة على تعاليم الإسلام.
كانت المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن في ذلك الوقت (القرن التاسع عشر)، تحت سيطرة القبائل والعشائر العربية، وكانت العلاقة بينها متذبذبة بين السلم في كثير من الأحيان، والغزوات في قليل منها. ومن يطالع تقارير الرحالة والمستكشفين الذين زاروا المنطقة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يستطيع الاستنتاج أن كل قبيلة من هذه القبائل كانت مسيطرة على منطقة معروفة لها، ومحددة بحدود متعارف عليها ومقبولة من القبائل الأخرى.
منحت الدولة العثمانية في عام 1740م تفويضاً (الامتيازات الأجنبية Capitulations) يسمح للدول الأجنبية بحماية الطوائف الدينية غير الإسلامية، ومن هنا عدت فرنسا نفسها حامية للطائفة الكاثوليكية، وروسيا حامية طائفة الأرثوذكس، ولم تظهر البعثات التبشيرية البريطانية البروتستنتية إلاّ في القرن التاسع عشر. كذلك واعتباراً من عام 1871م ازداد تدخل الألمان في المجالين التبشيري والثقافي. ويرى كثير من الباحثين أن نظام الامتيازات هذا هو الذي كان أحد الأسباب المهمة في ضعف الدولة العثمانية، إذ أنه خرج عن مجال التجارة المتبادلة إلى الدين. واعتباراً من القرن التاسع عشر دار صراعٌ كبيرٌ للسيطرة على ممتلكات الدولة العثمانية في المشرق العربي وأوروبا، وزاد هذا التنافس خاصة بعد حملة نابليون، وكذلك نتيجة لوقوف أوروبا إلى جانب الدولة العثمانية في حروبها ضد روسيا ومحمد علي. والأهم من هذا وذاك زيادة الحملات التبشيرية الأوروبية في الأردن وفلسطين، وكان أحد أهم أهدافها هو اثبات صحة ما جاء في التوراة. ولتحقيق هذا الهدف تم ابتداء من عام 1865م تأسيس المؤسسات المدعومة من الكنيسة، وفي بعض الأحيان بتمويل من الدول الأوروبية لإجراء مسوحات وحفريات أثرية في فلسطين خاصة.
ومن الواجب ذكره حول الأحوال في الأردن خلال نهاية القرن التاسع عشر، أنه وإضافة للسكان الأردنيين وجدت قبائل الشركس والشيشان القوقاز في الأردن ملجأ لهم عندما هربوا من بطش قيصر روسيا. إذ أنه بعد حرب القوقاز التي دامت مدة طويلة مع روسيا القيصرية، وخسارتهم للمعركة بنهاية الأمر، وخوفاً من إبادتهم وللمحافظة على دينهم، هاجرت قبائل الشركس والشيشان قسراً من ديارهم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر (حوالي 1878م) إلى الأردن. ومن المعلوم أن هذه القبائل استوطنت في مناطق عمّان ووادي السير، وناعور، والزرقاء وصويلح. ولقد كان لهم دوراً كبيراً في بناء الدولة الأردنية الحديثة، خاصة في تطوير الزراعة، مع العلم أنهم لا زالوا يحافظون على عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم. يعدُّ الشركس والشيشان مكوناً أصيلاً وركيزة من مكونات المجتمع الأردني.
مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أصبح ضعف الدولة العثمانية ظاهراً للجميع، وبدأ الأتراك بتأسيس جمعيات وأحزاب لهم، ومنها "جمعية الاتحاد والترقي" التي تأسست عام 1889م، أصبحت بعدها "حزب الاتحاد والترقي". وتحولت هذه الجمعية فيما بعد إلى منظمة سياسية واندمجت في حركة "تركيا الفتاة". ومن المعلوم أن هذه الحركة لم تلقى قبولاً لدى السلطان "عبد الحميد الثاني" بسبب دعوتها إلى العلمانية. وللأسف فإن هذه الحركة دعت إلى تتريك الدولة العثمانية، ومحاربة العنصر العربي فيها، ولا ننسى قبولها بإنشاء دولة لليهود في فلسطين. كل هذا دعى الضباط العرب في الجيش العثماني إلى التنبه بضرورة معارضة سياسة هذه الحركة، وتشكيل حركة عربية مضادة لها.
يظهر أن السلطان عبد الحميد كان على علاقة طيبة مع الشريف الحسين بن علي، وكان يعلم أن هذا الأخير يكره الاتحاديين ويحترمه كما هو حاله، لذا بعد وفاة الشريف عبد الإله ابن محمد أمير مكة، ولّاه في عام 1908م إمارة الحجاز. وبناء على هذا الأساس نجزم أن الثورة العربية الكبرى التي أطلقها الشريف الحسين بن علي كانت موجهة ضد "جمعية الاتحاد والترقي" ، وليس ضد الدولة العثمانية.
استطاع حزب الاتحاد والترقي في عام 1909م خلع السلطان عبد الحميد عن كرسيه، وهنا وجد الضباط العرب أنه لا بد من المواجهة مع هذا الوضع، فتوجهوا إلى الشريف الحسين بن علي، رحمه الله، شريف مكة، وطلبوا منه العون لإنشاء وطن عربي في الحجاز والشام والعراق. فقبل رحمه الله الطلب.
دخل العثمانيون الحرب العالمية الأولى التي بدأت يوم 28/ 6/ 1914م وانتهت يوم 11/ 11/ 1918م. إلى جانب ألمانيا والنمسا وبلغاريا ضد بريطانيا، وإيرلندا، وفرنسا وروسيا، ونتيجة لخسارتهم الحرب خسروا جميع أملاكهم في آسيا، وكل الدول الأوروبية التي كانت تحت سيطرتهم. ونعلم أن الشريف الحسين بن علي، طيب الله ثراه، قد استجاب لدعوة الضباط العرب في الجيش العثماني وأعلن في مكان إقامته في مكة ثورته على دولة حزب الاتحاد والترقي يوم التاسع من شعبان منة 1334 هجرية الموافق 10 حزيران من سنة 1916م.واستطاعت جيوش الثورة العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين بن علي إخراج الجيوش العثمانية من الحجاز وبلاد الشام. وهدفت هذه الثورة العربية إلى خلع الطاعة على الدولة العثمانية، وإقامة دولة عربية تضم شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، والأخذ بعين الاعتبار مصالح بريطانيا في جنوب العراق كما تشير إلى ذلك مراسلات الحسين -مكماهون. وقد ساعد انتصارات جيش الثورة العربية دخول الجيش البريطاني إلى فلسطين وانتصاره على الجيش العثماني هناك.
كان الاتفاق بين الحسين بن علي وبريطانيا أنه وبعد انتهاء الحرب وتحقيق الانتصار إقامة دولة عربية على شكل اتحاد أو تحالف بين دول عربية، على أن يرأسها الهاشميون، فيكون الشريف الحسين بن علي ملكاً على شبه الجزيرة العربية، والأمير فيصل ملكاً على سوريا، والأمير عبد الله ملكاً على العراق. ومما يجب ذكره أن الأمير فيصل أعلن في دمشق عام 1918م تأسيس المملكة العربية السورية وعاصمتها دمشق، ووضع دستور يحكمها. لكن الأمر لم يدم طويلاً، فقد أخل الانجليز بما وعدو الشريف الحسين بن علي به، واتفقوا مع الفرنسيين الذين أسقطوا مملكة الملك فيصل الأول السورية في معركة ميسلون عام 1920م، واتفقوا على تقاسم البلاد العرب فيما بينهم (سايكس -بيكو). بعدها أقرت "عصبة الأمم" التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى بوضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والأردن وفلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني.
نعلم أنه خلال نهاية القرن التاسع عشر، أي بعد تأسيس الحركة الصهيونية في مؤتمر بازل يوم 29/ 8 من عام 1897م، برئاسة الصهيوني تيودور هيرتزل فتحت أبواب الهجرة لليهود إلى فلسطين، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى. ومما زاد الطين بله، وعد بلفور الذي صدر يوم 2/ 11/ 1917م، الذي أرسله وزير خارجية بريطانيا "آرثر بلفورد" إلى الصهيوني "روتشيلد" يتعهد فيه بإقامة دولة لهم في فلسطين، وهذا الوعد كان سبباً رئيساً في إقامة دولة إسرائيل عام 1948م، وهو عام النكبة الفلسطينية. ومن هنا نستطيع القول إن الاستعمار الغربي حلّ محل الدولة العثمانية، أي هربنا من الدلف إلى تحت المزراب.
كما ذكرنا أعلاه، فقد تشكلت دول في سوريا والعراق والأردن (تأسيس الإمارة في عام 1921) وبقيت فلسطين تحت السيطرة البريطانية، وهذه الدول الثلاث نالت استقلالها في أربعينيات القرن الماضي، عدا فلسطين التي تأسست فوق جزء من ترابها عام 1948م دولة إسرائيل. لقد كان دافع الثورة العربية قومياً، إذ يشهد على ذلك إن جيش إمارة شرقي الأردن كان اسمه "الجيش العربي"، وأن حكوماتها قد شكلها رجال عرب من خارج حدود الإمارة. إذن يمكننا القول إن هذه الثورة كانت تطالب بالعودة إلى الذات العربية في عالم سيطر عليه الغرب. ويظهر من وقائع الأمور أنه بعد تأسيس هذه الدول في بلاد الشام أنها وقعت فريسة للتبعية الغربية، مما أضعفها.
وأما في الوقت الحاضر، فإن هذه المنطقة تتعرض إلى حملة استعمارية جديدة يقودها تحالف صهيوني-أنغليكاني، يختلف في ماهيته وطرقه عن الاستعمار الذي سبقه. ففي الوقت الذي كان فيه الاستعمار في القرون التاسع عشر والعشرين مباشراً، واحتلالياً عسكرياً، تحول إلى استعمار غير مباشر، خاصة بالسيطرة على العقول قبل الأرض، وباستخدام وسائل تختلف عن السابق. ومن هنا نود الإشارة إلى أننا نلاحظ أن أهداف الاستعمار الجديد السياسية تداخلت مع الأهداف الثقافية. فمثلاً، أصبح الغرب هو الذي يمول في كثير من الحالات المشاريع والبحث العلمي الذي يقوم به الباحثون العرب، كما أنهم يسيطرون على دور النشر العالمية المرموقة فينشرون ما يريدون. إذن يتحكم الغرب بوصول المعرفة التي توافق أهدافه، ولا ينشر ما يعارضه. يجب أن يقابل هذه الهيمنة الغربية على العقل العربي، تركيز على التعليم والبحث العلمي المتجرد من الأهواء، وذلك بخلق جيل من الباحثين العرب الذين تأويهم مراكز بحثية علمية عربية.
في الختام، نسأل هل يجب العودة إلى مشروع النهضة العربية الذي أطلقه الشريف الحسين بن علي؟ والذي يقوم على الذات العربية. برأينا أنه
ليس من الضرورة أن نكون دولة واحدة، بل أصحاب لغة وفكر وأهداف واحدة تسعى إلى رفعة العقل العربي ليصبح على نفس سوية العقل الغربي، إن لم يكن أفضل.
والله من وراء القصد
عمّان في 25/ 2/ 2026م.

