• 20 أيلول 2026
  • مقابلة خاصة

 

 

بقلم : الدكتور علي قليبو 

 

جذب انتباه الباحث ما يُكتَبُ عَنْ مسكوكات غزة الفضية التي تعود إلى العصر الأخميني في الخطابين الاستشراقي والتوراتي؛ حيث دأبت تلك القراءات الاستحواذية على إزاحة الموروث التاريخي والحضاري لشعب الجبارين ذوي الأرومة النطوفية العمورية المتجذرة في فلسطين (Bar-Yosef, 1998; Whitelam, 1996)، متدثرةً بنحت مصطلحات مصطنعة مثل "المسكوكات الفلستو-عربية" (Philisto-Arabian) أو "الفينيقية-العربية" (Phoenicio-Arabian) (Gitler & Tal, 2006). ويعكس هذا التزييف التأويلي عجزاً معرفياً عن تفسير البنية السياسية اللامركزية المعقدة للقبائل الأدومية القيدارية وتحالفاتها (Knauf, 1990; Levin, 2026)، التي شكلت مع غزة مجالاً اقتصادياً قبلياً سيادياً موحداً (Tal, 2019)؛ تتداخل فيه المصاهرات والبطون والأفخاذ لتبسط طابعها السياسي، الاقتصادي، السيادي، والديني على معدن المسكوكات كمجتمع مستقر (Lévi-Strauss, 1949; Schloen, 2009). إذ يعمد هذا الخطاب إلى تصوير المنظومة القبلية اللامركزية الأدومية في حوض جبل الخليل الثقافي كحدث طارئ وافد (Hensel, 2022)؛ وهو افتراض توراتي ناجم عن قصور معرفي (Foucault, 1972; Said, 1978) يستعصي عليه استيعاب الهوية الحضارية الفلسطينية بمنظومتها القبلية العشائرية وأرومتها الكنعانية واستمراريتها التاريخية (Thompson, 1999).

إن هذا المحو التصنيفي يفرض ازدواجية قسرية تفصل غزة عن عمقها التاريخي؛ بربطها تارة بالقبائل الأعرابية المهاجرة براً من الحجاز واليمن، وطوراً بالفينيقيين والفلستيين بحراً، لعزل الحاضرة القيدارية ونفي جذور الاستقرار الأصيل المتجذرة في حوض جبل الخليل الثقافي. ويستهدف هذا الخطاب تجريد المنظومة القيدارية الأدومية من هويتها كحاضرة سيادية قبلية متصلة بامتداد الحواضر الكنعانية اللامركزية منذ العصر البرونزي، ونزعها من أرومتها النطوفية الكنعانية العمورية؛ نفيًا لصفة الاستقرار والأصالة عن جغرافيتها المستقلة، وتحويلاً لها إلى مجرد ممر جيوإستراتيجي لوجستي عابر (Corridor) لمختلف الجيوش الاستعمارية (Gitler & Tal, 2006; Mildenberg, 1990; Tal, 2019).

ويكشف التفكيك البنيوي لهذا التطويع القرابي في نظام عقائدي توراتي طابعُه الاختزال المعرفي، الإجراءات السيادية المتدرجة التي مارستها السلطة النصية لتعريف الكنعانيين وعزلهم عبر شبكة من الإزاحة الجغرافية، وشيطنة الهوية، والإقصاء السياسي، وصولاً إلى الطمس والمحو التاريخي الشامل؛ حيث عُدِّل الصراع المادي الحقيقي حول السيادة، وطرق التجارة العالمية، ومصادر المياه الحيوية، وأماكن القداسة، ليتحول تارة إلى دراما صراع "أخوي" بين "يعقوب" و"عيسو" لانتزاع شرعية الأدوميين، وتارة بين "داوود" و"جلعاد"، أو قصة "يوسف وأشقائه" لاحتواء حركية الجغرافيا بين كنعان ومصر، انتهاءً باختزال العلاقات التاريخية إلى ثنائية "الخير والشر" في دراما عائلية متخيلة كقصة "شمشون ودليلة"؛ وهذه الأمثلة تشكل غيضاً من فيض القصص التوراتية.

تفكيك المرجعية اللاهوتية والمحو الجغرافي للديار الكنعانية

ومن مفارقات السردية التوراتية، تحوّله إلى إسناد مرجعي تدويري؛ علماً بأن التوراة ليس كتاباً في التاريخ، ولا في الجغرافيا، ولا في علم الاجتماع، بل نص لاهوتي دأب على انتزاع المنظومة الأدومية ــ ومن قبلها العمالقة واللحيانيين ــ من التحالفات القبلية الكنعانية ذات الأرومة النطوفية الكنعانية العمورية، وإقحامها قسراً ضمن أشجار أنساب افتراضية تخلط بين خطوط عيسو (أدوم) وإسماعيل (قيدار)، لتحويل المكون الاجتماعي الأصيل إلى مجموعة أعرابية عشوائية هجينة، ومبتورة الصلة بجذور ديارها واستمرارية ثقافتها المادية (Eph'al, 1982; Thompson, 1999). وهو ذات الفخ المعرفي الذي تبناه المؤرخون العرب والإخباريون في القرون الهجرية الأولى (كابن إسحاق، وابن الكلبي، والطبري) وضَمّوا بموجبه تلك الأنساب الاستحواذية بالكامل إلى مدوناتهم عبر بوابات "الإسرائيليات" نتيجة لغياب علم الآثار وفك النقوش في عصرهم. وفي الجانب المقابل، تتهاوى هذه المنظومة العبرية الأسطورية الطابع أمام ما أسفرت عنه كشوفات علم الآثار الحديث من نقوش وسجلات مادية؛ سواء أكانت النقوش الفرعونية في رسائل تل العمارنة التي توثق فاعلية دول-المدن الكنعانية، أم الحوليات الإدارية الآشورية، والبابلية، والكلدانية، والأخمينية اللاحقة، مضافاً إليها المسكوكات الفضية المحلية في غزة والأوستراكا الأدومية (Habermas, 1984; Said, 1978; Thompson, 1999).

ويأتي هذا التلفيق النَّسَبي المفتعل، في جوهره، كتمهيد بنيوي للاستحواذ الإحلالي الذي يسعى إلى تحويل المنظومة العشائرية القبلية ــ الممتدة بجذورها النطوفية ــ إلى مجموعات عشوائية هجينة، ومبتورة الصلة بديارها الكنعانية (Bar-Yosef, 1998). ويتلازم هذا الإقصاء والتهميش مع سلب المركز الحضاري المستقل لأرض كنعان عبر فرض تسميات خارجية عابرة مثل 'الشام' و'المشرق'، التي تتبدى لاحقاً في سردية الاعتناق الجماعي للأدوميين واعتناقهم اليهودية قسراً؛ لتجريد هذا المكوّن من أصالته وإخراجه خارج مركزه السيادي ودفعه قسراً نحو الهامش والتبعية، لحبس هذه الديار في فضاء تابع ومميع الدلالة، يسلبها خصوصيتها التاريخية وبنيتها القبلية اللامركزية (Said, 1978; Thompson, 1999).

وفي هذا الإطار، أسفرت الكشوفات الأثرية في ماريشا بجوار بيت جبرين عن لقى وقطع فخارية وأشكال طينية تعود إلى القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد ــ أي إبان العصر الأخميني وقبيل الاندماج في الفضاء الثقافي الهيلينستي ــ لتشير مادياً وقاطعاً إلى الختان كعادة محلية قديمة وعريقة تسبق العصر الحشموني بقرون؛ مبرهنةً أركيولوجياً على أن هذا الطقس هو ممارسة بنيوية نابعة من الأرومة الكنعانية-العمورية الأصلية والقبائل الكنعانية عامة وليس فرضاً دينياً طارئاً، مما يُعرّي هذه السرديات النصية ويكشف أنها مجرد نص بلاغي ديني، وأن الحشو اللفظي به إطناب لا علاقة له بالواقع التاريخي، بل هو توظيف بلاغي لتعظيم شأن العبرانيين وتهميش الأدوميين، وتجريد هذا المكوّن الأصيل من سيادته وأصالته (Hensel, 2022; Levin, 2026; Lipiński, 2006; Thompson, 1999).

 

اللامركزية القبلية الأدومية في حوض جبل الخليل الثقافي

يطرح علم الحضارات الإنسانية إشكالية معرفية متعلقة بطبيعة الحركة والتبادل الديناميكي العابر للحضارات، وما يصاحبه من عجز معرفي لدى الإمبراطوريات الكلاسيكية القديمة إزاء المجتمعات القيدارية الأدومية. وتتبدى هذه الإشكالية في العمى الانتقائي والمصادرة المعرفية كإجراءات تلقائية عند التماس الثقافي، تحدد وتحصر آفاق الرؤية؛ حيث تعمل أدوات الإخفاء والمحو البنيوي على خلق فجوات نصّية وتاريخية عازلة تَحجب الأبعاد السيادية للمحيط الكنعاني، وتُسيّج هذه الخصوصية القبلية اللامركزية وأطروحتها الأصيلة (Said, 1978) ومن ثم، يبدو من العبث توقع إدراك موضوعي لواقع هذا النموذج الحضاري اللامركزي من قِبل المنظومات المركزية البابلية، الآشورية، الأخمينية، والفرعونية؛ لأن نظرتها المعرفية محكومة بنيوياً بظواهر اجتماعية قهرية تُسيّج وعي الفرد، وتجعله رهيناً خلف أعراف أفقية وعمودية تشكّل قضبان نافذة سجن الرؤية، وتحول دون النظرة المباشرة. فالإنسان سجينٌ في المحدّدات البنيوية لنسقه الحضاري، لا يرى غير المتاح له رؤيته، ولا يدرك إلا ما له دلالة بنيوية في مجامع مجتمعه، في تعامٍ نسقيّ وعضويّ عمّا يقع خلف تلك القضبان، ليُسقط على الآخر إدراكاً مغايراً محكوماً بأطر معرفته الذاتية كما شكّلته حضارته، لا بالواقع التجريبي المعاش (Said, 1978; Foucault, 1972).

تبعاً لهذا التأسيس المفاهيمي، عجزت تلك الأدبيات الإمبراطورية لقصورها المعرفي، وانحصار آفاق نظرتها، والفجوات العازلة ما بينها، عن استيعاب وإدراك العصبية القبلية المتجذرة في فلسطين منذ فجر التاريخ، والتي تتبدى في تموضع الأنصاب، ومقابر الأجداد، والمزارات الدينية كمساحات استقرار سيادي ثابت، تُعقد فيها التحالفات، وتُبرم العهود، وتُنذر النذور عبر محافل طقسية قوامها تقديم الذبيحة وتشارك الطعام لتجديد الأواصر العشائرية الملزمة للجميع (Durkheim, 1912; Smith, 1889; Thompson, 1999). فشتان بين نسق إمبراطوري يرى الحضارة قصراً مشيداً في عمارة باذخة وأسوار صلبة تخدم سلطة مطلقة، وبين خصوصية هذه الحواضر الكنعانية اللامركزية وتعددها؛ حيث يتكامل السكن الموسمي في بيوت الشعر والكهوف مع حصانة القلاع العتيدة في الثغور، والقرى الحجرية عريقة القدم صلبة الجذور. وهو استقرار مادي عريق وممتد تضيء عتباته الوثائق التاريخية؛ إذ توثق قائمة الفرعون تحتمس الثالث بدقة مائة وتسع عشرة (119) حاضرة سيادية كنعانية كمتصل حضاري وجغرافي ثابت (Breasted, 1906).

بالمقابل، نجد أن الدورة الزراعية الموسمية ونمط الحياة الزراعي-الرعوي المتكامل يتطلبان حركة انتقال محكمة؛ حيث تنتقل القرية بنظام من المرتفعات الجبلية صوب السهل الساحلي لزراعة الحبوب وحصادها ثم تعود إلى قراها صيفاً، أو ترتحل شرقاً نحو الغور وجنوباً صوب وادي عربة لتأمين الرعي ودورة الإنتاج. إن هذا التحرك السنوي الدائري تسبب في سوء فهم بنيوي عميق لدى الأدبيات المركزية التي عجزت عن استيعاب هذا المتصل الإيكولوجي، فوصمته خطأً بالبداوة العابرة. بينما في جوهر الأمر، لم تكن هذه المنظومة التكافلية والتحالفية مجرد ردة فعل طارئة، بل هي بنية مستقرة وديناميكية عابرة للعصور منذ العصر الحجري الحديث وحتى العصور الكلاسيكية، وما زالت مستمرة حتى عصرنا هذا؛ حيث تشكل منظومة وظيفية مرنة تدير النواحي السياسية والاقتصادية للمُكوِّن الاجتماعي الأصيل، وتضمن التكافل العشائري المشترك (Bienkowski, 2025; Lévi-Strauss, 1949; Levin, 2026; Tal, 2019).

امتداداً لهذا النمط الاستقراري المرتكز على ثنائية أنثروبولوجية تزاوج بين انسيابية التدفق الجغرافي وحرية الحركة بين الساحل والداخل، وما بين حوض جبل الخليل الثقافي ووادي عربة وامتداده شمالاً إلى الغور، وبين تماسك الروابط والتحالفات السيادية دون تفكك؛ تتجلى السيادة القيدارية الأدومية كبنية سياسية لامركزية معقدة. فالقبيلة في حوض جبل الخليل الثقافي الممتد ليست تنظيماً عشوائياً عابراً، بل هي منظومة شبكية حية تُرسي السيادة وتصونها بآلياتها الخاصة المتمثلة في نبض القرابة، وجدلية التحالف، والروابط الروحية والمادية المتجاوزة للمكان. وهي سيادة لا تصدر عن مركز إداري فوقي، بل تُدار بديناميكية ومرونة عبر تلك المراكز الوظيفية التكافلية لتأمين حماية القوافل وصك العملة في غزة بكفاءة وتكافؤ مادي؛ مما يكشف عن العبقرية الهيكلية والتنظيمية الكامنة في قدرة شبكة القبائل اللامركزية على ترسيخ السيادة، وصك العملة، وإدارة الاقتصاد بكفاءة تضاهي، بل وتتفوق على الإمبراطوريات المركزية (Tal, 2019; Thompson, 1999).

الأرومة النطوفية الكنعانية العمورية

في مواجهة هذا العجز المعرفي وما ينتجه من تصنيفات وهوية قسرية هجينة تعكس عجزاً بنيوياً عن إدراك الخصوصية الكنعانية، يتبدى التاريخ المادي الذي يكشف عنه علم الآثار ليردّ ببرهان قاطع؛ حيث انتقل الأجداد النطوفيون قبل نحو اثني عشر ألف عام ــ عند نهاية عصر البليستوسين وانحسار عصر الجليد الأخير ــ من ترحال الصيد واللجوء العابر للكهوف، إلى بنية اجتماعية مستقرة صاغت الروابط العشائرية الأولى في جبال الكرمل، والجليل، وأريحا، وحوض جبل الخليل؛ متمثلةً مادياً في استئناس الكلب وتدجين الجدي والنباتات في المواقع النطوفية الأولى مثل عين ملاحة والكرمل، إلى جانب قمح 'إيمر' البري، كأدوات حمائية ومعيشية وفية لصيانة الديار، لتتأسس معها مفاهيم المسكن، والحِمى، والتوطن المستدام (Bar-Yosef, 1998; Goring-Morris & Belfer-Cohen, 2011).

لم يكن هذا الاستقرار مجرد استجابة مناخية، بل كان صياغة واعية لعلاقة الإنسان بمحيطه ومقدساته؛ حيث شُيِّدت البيوت الدائرية والأنصاب. وجاء توظيف تلك الرجم من الحجارة الفجّة كساعة كونية وكأول تقويم زراعي يضبط المواسم لأحقاب ممتدة، في خطوة تمهيدية سبقت الاستقرار الحضري واكتمال الثورة الزراعية في مدينة أريحا المسوّرة، ولتطورها اللاحق إلى رَجَمٍ شاسعة الامتداد تتألف من خمس حلقات كـ 'رجم الهري'، تَبِعَها بعد قرون انتشارٌ شاسع لقبور الأجداد؛ متمثلة في غرف جنائزية من الدَّلْمَن (Dolmens) ــ المكونة من بلاطات حجرية عمودية ضخمة ترفع فوقها سقفاً من ألواح صخرية فجّة ومسطحة تشكّل طاولات حجرية مهيبة، وعادةً ما تنتشر هذه الدلمنات في حقل واحد كأنها فضاء جنائزي مقدس في حضارات شاع فيها تقديس الأجداد وتبجيلهم، بل وتأليههم (Durkheim, 1912) ــ التي انتشرت بأرجاء أرض كنعان، وتحديداً في الغور الأردني، والموجب، ومُوآب على مقربة من جبل شيحان (نصب شيحان الأثري)، وامتداداً إلى مرتفعات الجليل وحواف مرج بني عامر (Lipiński, 2006)؛ تأصيلاً لبنية الزَّمَن والفَضَاء المُقَدَّس منذ الألفية الحادية عشرة قبل الميلاد (Schmidt, 2006).

تتضح الخصوصية الإثنوغرافية المتعلقة بالمنظومة القبلية اللامركزية التوظيفية التكافلية عند دراستنا للأرومة المحلية من المنظور الأنثروبولوجي؛ حيث يتبدى هذا المكون التوظيفي في تخصصات هندسية ومعيشية موزعة جغرافياً؛ إذ يُكشف في حواضر كنعانية مثل القدس وجنين، ولاكيش، ومجدو، وحاصور، وجيزر عن عبقرية شق أنفاق المياه الباطنية الاستراتيجية، في حين يتركز نمط سكن الكهوف وتطويع الصخر في حوض جبل الخليل الثقافي. ويمتد هذا الحوض بحدوده الجيوسياسية والإيكولوجية من مرتفعات القدس وبيت لحم، مروراً بقلب جبال الخليل، ليتصل هيدرولوجياً وجغرافياً عبر مسار وادي السبع الذي يصب في وادي غزة ليشملها بالكامل، كما يتبع مجرى وادي القف ليمتد عبر بيت جبرين وصولاً إلى عسقلان على السهل الساحلي، مشكلاً متصلاً سيادياً مستقراً يربط الجبل بالبحر والبر. وتفتقر فكرة الهجرات الإحلالية الوافدة من زاجروس أو الأناضول لتفسير هذه النظم المعمارية إلى السند الجيني السليم؛ فالتغير في ملامح وسحنة السكّان عبر الزمن لا يعود إطلاقاً إلى هجرات كبرى وافدة أحلت نفسها مكان السكّان الأصليين، بل يُعزى بيولوجياً وجينياً إلى آليات التطور الطبيعي والانحراف الجيني وتفاعل الجينات السائدة والمتنحية داخل المجمع الجيني الواحد؛ وهو ما يحكمه نكاح الأقارب في بعض العشائر لحفظ تماسك البنية، بالتوازي مع اتساع نطاق تغريب النكاح في الحواضر والمجتمعات الأكثر كثافة سكانية. ويعكس هذا التمايز الواعي بين النمطين تنظيماً بيولوجياً وسلوكياً راسخاً ومستقراً في وعي الأجداد النطوفيين والعموريين الكنعانيين منذ فجر التاريخ؛ حيث أدارت هذه المجتمعات المحلية مجمعها السكاني بذكاء إيكولوجي متطور وازن ما بين الانغلاق لحفظ الملكية والتماسك العشائري، وبين تغريب النكاح كآلية لحفظ حيوية النسل ومنع الذبول والضعف البنيوي، وضمان استمرارية الجسد الكنعاني عابراً للأزمان (Lacan, 1977; Lazaridis et al., 2016).

تكتسب البيانات البيولوجية والتاريخية التي كشف علم الآثار النقاب عنها مستندها الإثنوغرافي من الدراسات الميدانية الموثقة في كتاب "أرض الأجداد"، وعلى صفحات الدورية الشهرية (This Week in Palestine) التي تتناول نمط السكن في مدن الكهوف في رابود والظاهرية والتراث غير الملموس؛ متمثلاً في التطريز الفلسطيني الذي يتميز بالجودة العالية والجمال الفني، وصناعة القماش المجدلاوي، وحياكة البُسط، إلى جانب الإشارة إلى تخصص قبيلة التَّعَامِرَة وعشائرها في شمال حوض جبل الخليل الثقافي وانفرادهم في فن البناء الحجري ونقش الحجارة والحرف المتعلقة بالبناء كظواهر حضارية متوارثة. ويظهر هذا التقسيم الوظيفي للعمل كمتصل بنيوي ثابت؛ فالتخصص المتوارث في قطاع العمارة، يقابله انفراد عشائري في خربة رابود بإنتاج التطريز تلبية للأنماط الرمزية السائدة والمطلوبة في كل قرية، مما يشير إلى استمرارية التوظيف العشائري في المنظومة القبلية التكافلية الكنعانية عامة والتحالفات القبلية الأدومية خاصة، وتجذره في الأرومة النطوفية الكنعانية العمورية، بعيداً عن فرضيات الانقطاع العرقي (Ibn Khaldun, 1377; Qleibo, 2022).

تتطابق هذه الاستمرارية الديموغرافية مع الذاكرة الشفوية والتاريخية التي حفظت مهابة هذا الوجود المستقر لأجدادنا الأوائل من العماليق، وهو ما خلّده النص القرآني جهارةً بوصفهم "القوم الجبارين" في صلب جغرافيا فلسطين وتخوم الأرض المقدسة: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (المائدة: 22)، مؤكداً أصالة نمط الاستقرار والتكافل وتطويع الحجر والمياه، في تفنيد ديني وأثري قاطع لمقولات الإبادة والشيطنة والنفي التوراتية الاستحواذية (Al-Jallad, 2018; Lipiński, 2006; Thompson, 1999). إن عزل بلاد أدوم وجنوب فلسطين بوصفها مجرد بيداء عابرة هو نفس التهميش البنيوي الاستشراقي؛ فحوض جبل الخليل الثقافي لم يكن فضاءً فارغاً، بل حاضرة ووحدة متجانسة تشكل شرياناً تجارياً متصل الحركة يتوسط الحضارات القديمة، حيث صهر شعب الجبارين لسانهم ومعارفهم عبر القرون لتتوج سيادتهم بفضة دار سك غزة وبلسانها وقلمها الأصيل، بعيداً عن تسميات تلك المركزيات الغريبة وإسقاطاتها التاريخية (Habermas, 1984; Ricoeur, 1984; Thompson, 1999).

السيادة الأدومية في حوض جبل الخليل الثقافي

إن أكثر ما يستفز القارئ المطلع هو ذلك الإسقاط المتأخر لأشجار أنساب افتراضية مستمدة من القراءات اللاهوتية، والتي تُقحم توليفاً عشوائياً يخلط بين قيدار، والأنباط، والأدوميين، والعمونيين، ويدمجهم بمجتمعات معاصرة لهم كاللحيانيين والثموديين ومجموعات سيناء الرعوية (Eph'al, 1982). ويأتي هذا التوليف المفتعل لتسييج الإنسان وتلفيق سردية إقصائية تجرد صاحب الأرض من لسانه الآرامي الكنعاني وجذوره النطوفية والعمورية، تبريراً لإقصائه والاستحواذ على حواضره التي ازدهرت منذ العصور البرونزية (Eph'al, 1982). إن هذه القراءة تمثل جغرافيا نصية قمعية وإحلالية؛ بيد أن قطعة النقد الفضية المكتشفة في غزة تقوض هذا المفهوم التوراتي من خلال منظور أنثروبولوجي يتخذ من علم الآثار المادي منطلقاً لدراسة السيادة الأدومية في حوض جبل الخليل الثقافي؛ وهو الحوض الذي يمتد غرباً ليشمل مدن الساحل كغزة وعسقلان وبيت جبرين، وجنوباً عبر حواضر النقب كالخالصة ورهط وبئر السبع وعبدة وسبيطة، وصولاً إلى وادي عربة والرقيم وسلع شرقاً، والقدس شمالاً (Lipiński, 2006). ولم يكن هذا الحوض مجرد فضاء فارغ أو تخوم فاصلة، بل حاضرة ووحدة متجانسة أدارت شؤون إنتاجها وتكاملها الاقتصادي في أرض كنعان.

في صلب هذه الحقيقة الأنثروبولوجية والديموغرافية لفلسطين القديمة، لم تكن المجموعات الأدومية والقيدارية يوماً فرعاً ثانوياً في شجرة النسب التوراتية، بل شكّلت كياناً سياسياً واقتصادياً متكاملاً تقوده الجيوش المنظمة وبنى السيطرة على طرق القوافل، تترأسه ملكات حفر التاريخ أسماءهن كنقوش أثرية حيّة مثل الملكة "زبيبة" والملكة "شمس" (Eph'al, 1982) وإذا ما قُرئت هذه البنية من منظور سوسيولوجيا التضامن العضوي والتحليل البنيوي في معرض تحليل التصنيف الثنائي المتقابل المحدد للبناء العقلي والاجتماعي، يتضح أننا أمام منظومة قبلية لامركزية متكافلة؛ تعددت وتمايزت فيها العشائر وظيفياً وطبقياً عبر التاريخ (Bienkowski, 2025). فبينما اختصت بعض القبائل والعشائر بمسؤولية الحماية وتأمين القوافل، تفرّعت عشائر أخرى في بيئتها الطبيعية والثقافية إلى وحدات إنتاجية متكاملة؛ فانخرطت عشائر في الزراعة المدرجة بالمرتفعات وتحويلها إلى سلاسل زراعية تتسلق السفوح، بينما تميزت عشائر حورية بالهندسة المائية وحفر الآبار والأنفاق الأرضية، وتكاملت معها عشائر حرفية تخصصت في صناعة الأواني الفخارية، وغزل القماش والبُسط، وإنتاج الصبغة العمورية الفاخرة (Bar-Yosef, 1998; Goring-Morris & Belfer-Cohen, 2011).

لم يأتِ هذا الإصدار النقدي نتيجة هيمنة مركزية قسرية؛ إذ لم تفرض السلطة الأخمينية نقودها الرسمية كعملة إلزامية، بل أتاحت للكيان الأدومي الحليف مساحة لإصدار نقوده المحلية (Mildenberg, 1990). ونشأ هذا الهامش على تحالفٍ نديٍّ بنيوي بين الاتحاد القيداري والإمبراطور الأخميني قمبيز؛ حيث فرض الواقع اللوجستي اعتراف البلاط بالسيادة القبلية المحلية لأبناء الأرض، وإعفاءهم من الجزية لقاء تأمين طريق البخور وقوافله؛ لتلتحم سيادة دار سك النقود في غزة مع الدور السياسي للتحالفات والمصاهرات العشائرية عبر حوض جبل الخليل، كشاهدٍ مادي ملموس على نظامٍ اقتصادي مستقل يسبق ويقهر وهم التبعية الإمبراطورية المطلقة (Eph'al, 1982; Herodotus, Histories III.5–9; Tal, 2019). ويشمل هذا النطاق مدن الساحل الفلسطيني الجنوبي، وشمال النقب، ووادي عربة، ممتداً إلى الرقيم وسلع كأعماق جغرافية وثقافية صلبة أدارت منظومتها الإنتاجية والسيادية المشتركة، مما يحرم الأدبيات الاستشراقية من فرصة عزل غزة وحصرها في نطاق الميناء العابر أو التخم الهامشي؛ لتصبح القطعة الفضية وثيقة أدومية سيادية، وإثباتاً مادياً ملموساً على أن حوض جبل الخليل الثقافي وغزة يفرضان شروطهما النقدية كوحدة حضارية متصلة ومستقرة في الديار الأدومية (Thompson, 1999).

نتبين عبر دراسة العملة الفضية القيدارية طابعها الأيقوني التعبيري، إذ يتجلى البُعد الجمالي والوعي السياسي من خلال البروفيل الجانبي المحفور بعناية على السطح المعدني (Gitler & Tal 2006). ويمثل هذا الحفر تجسيداً بصرياً للسيادة والمهابة كمرزبان فارسي؛ أي كحاكم قيداري تابع للإمبراطورية الأخمينية؛ حيث يظهر رأس الحاكم بملامح وقورة، تبرز لحيته الكثيفة وشعره مُهذَّباً وفق طراز فارسي دقيق، وتنسدل الخيوط المضفرة للشعر الطويل على هيئة ضفائر ممتدة إلى الخلف أسفل التاج. وتبرز وتتسق ملامح وجهه النطوفية بدقة في الأنف الدقيق الطويل والخدود الغائرة، وهي الملامح التي تتوافق تماماً مع التجسيدات الأيقونية للحواضر القيدارية وأصحاب الأرض العموريين ذوي الأرومة النطوفية، كما ظهرت في المنحوتات الآشورية والبابلية والأخمينية المعاصرة، علماً أن الملامح النطوفية تمثل خصوصية انحصرت ــ وفقاً لمعطيات علم الجينات الحديث ــ في القبائل السبعاوية في النقب، مما يؤكد الهوية الثقافية والسيادية المحلية المتجذرة لسكان وحكام هذه الحواضر المتصلة في فلسطين (Bar-Yosef 1998; Meshorer & Qedar 1999).

هذا الحاكم، وإن كان مجهول الاسم، إلا إن التاج الذي يطوق جبين هذا الحاكم هو دلالة قطعية على سلطة القرار السيادية المستقلة التي تمتعت بها دار السك، لتتحول الفضة المضروبة محلياً ــ بفئاتها المختلفة كالأنصاف والدراخم ــ إلى المحرك الأساسي لتمويل القوافل ودفع المكوس والرسوم السيادية لأصحاب الأرض الأصليين (Tal, 2019). ويلتحم هذا مع رموز الجانب الخلفي للمسكوكة، حيث طوّعت دار السك المحلية الأطر الإمبراطورية لتصيغ فوق الفضة معالم حيزها الجغرافي في معالم النقب الشمالي وامتداده إلى غزة؛ فينتصب نقش الجمل، مع زي وطراز لباس الملك وتماهيه السياسي كمرزبان تحت الحكم الأخميني، إلى جانب سرج الشداد، والمذبح، والمزار، والميناء، وعمارات النقب الممتدة إلى غزة، لتشكل التجسيد الأيقوني لشبكة التفاعل المتكامل في صلب حوض جبل الخليل الثقافي، وتعبيراً عن كتلة حضارية متصلة صاغت ملامحها الدينية والاقتصادية والعمرانية من واقعها الذاتي في إطار السيادة المشتركة (Tal, 2019). ويُعيد هذا التلازم البنيوي بين المسكوكة الفضية وجغرافية حوض جبل الخليل الثقافي الاعتبار لعموم فلسطين ولغزة كمركز حضاري سيادي بخصوصيته الفريدة، بوصفها نتاجاً يرتكز على امتداد الأرومة النطوفية الكنعانية العمورية في مواجهة استراتيجيات المحو الممنهج.

لقد نقشت مسكوكات غزة الفضية خلال العهد الأخميني بين عامي 450 و332 قبل الميلاد، وتوقف هذا النشاط السيادي تماماً مع تدمير غزة واجتياحها من قِبل الإسكندر المقدوني عام 332 قبل الميلاد، مما أدى إلى إنهاء الطور الأخميني الحليف وتحويل المدينة قسراً إلى الفلك الهيلينيستي المركزي (Arrian, 2013; Gitler & Tal, 2006).). وتتجلى المفارقة المعرفية هنا في قدرة قطعة فضية مادية صغيرة على تفكيك سرديات إقصائية وميثولوجيات لاهوتية استمرت لقرون؛ كاشفةً آليات التزييف وعزل الآثار وتسليعها لتجريد تاريخ فلسطين الكنعاني من سيادته وأصالته الكامنة في صلب هذه الديار (Said, 1978; Thompson, 1999).

أيقونة الجمل وسرج الشداد

يُفند علم الآثار المادي الخطاب الاستشراقي والتوراتي الذي يختزل نقش الجمل في خانة "البداوة العابرة"؛ حيث تؤكد المعطيات الأثرية أن تدجين الجمل ذي السنام الواحد تم في حوض جبل الخليل الجغرافي، وتحديداً في وادي عربة محولاً الدابة من رمز رعوي طارئ إلى آلة إنتاج وثورة لوجستية وعسكرية لحماية طرق التجارة، مما يقطع الطريق على أوهام النفي وإسقاطات الإزاحة المعرفية (Sapir-Hen & Ben-Yosef, 2014). ويكشف نقش الجمل على مسكوكة غزة عن هذه الثورة اللوجستية التي مكنت من إدارة القوافل وحمايتها عسكرياً عبر خطوط النقل الطويلة؛ فنرى فارساً يعتلي صهوته في وضعية حربية متأهباً للقتال فوق سرج "الشداد"، ممسكاً برمحه وقوسه والزمام، ويرتدي خوذة عسكرية كإشارة بصرية مباشرة إلى السيادة المحلية والهيمنة على شبكة طرق البخور العالمية (Tal, 2019).

يبرز في الجانب الآخر للمسكوكة الفضية مذبحٌ طقسي مكعب ذو قرون تتصاعد منه غصينات اللبان، وهو ما يتطابق أركيولوجياً مع المذابح الأدومية والنبطية ومذبح تل بئر السبع الأثري؛ وهي كناية صريحة عن احتكار تجارة البخور العالمية التي كانت حاضرة غزة مصبها ووجهتها الكبرى المتكاملة مع حوض جبل الخليل الثقافي، حيث تتهادى القوافل عبر فيافي النقب بحمولتها لتفريغها في إمبوريوم غزة، لتلتقي عمارة الحجر والمزارات الممتدة من عمق النقب ووادي عربة مع حركة الملاحة والسفن عند الساحل (Tal, 2019). ويمتد هذا التلاحم المادي ليشمل جرار خمر غزة (الأمفورات) ذات التصميم الفخاري المحلي الفريد، وأحمال الحرير والمنسوجات الفاخرة؛ مما يثبت أن الدابة والعملة المحلية هما شريكان في صياغة منظومة الإنتاج المستقلة الممتدة عبر النقب، والحاضنة لرموزها الدينية والاقتصادية النابعة من واقعها الحضاري الكنعاني-الآرامي الأصيل (Lipiński, 2006).

يتكامل هذا الحضور مع نقش الطيور الجارحة، كالصقر والعقاب، التي ارتبطت بالأختام الأدومية المكتشفة كرموز سيادية للحماية، في امتدادٍ رمزي وتوليفي تجسد لاحقاً في القرن الأول قبل الميلاد مع الملك هيرودس "الحَرِد". ويحمل اسم هذا الحاكم في الاشتقاق واللسان الآرامي دلالة دينية وعقائدية عميقة؛ إذ يفيد جذر (ح ر د) في الساميات القديمة معنى الخشوع، والورع، وهو النحت المفهومي الذي تفرعت منه صفات السيادة المشروعة لملوك الأدوميين ليجمع بين التقديس والسطوة الحامية للديار. وتتبدى هذه الهيبة في إطار عقيدة هيلينية توليفية تجميعية غير إقصائية، صهرت الآلهة المحلية والمستوردة في دالٍ واحد؛ حيث تجلى هذا المعبود عبر قنوات لاهوتية متلاحمة تزاوج بين الإله الأدومي "قَوْس" حامي طرق القوافل، وكبير الآلهة الكنعانية "إِيل" (بعل شمين) عريق القدم في الأرومة النطوفية والعمورية، وبين الدال الإغريقي "زِيوْس" تحت مسمى توليفي (Zeus Qos) ليخاطب به الإقليم أعراف الفضاء العالمي. ويتكامل هذا النسيج الروحي مع السند الشمسي والملكي للجوار الفرعوني متمثلاً في "أَتُون" وصورة جناحي "حورس" التي تلتحم اشتقاقياً مع الورع البنيوي الكامن في ملوك الأدوم، محاكيةً نقش العقاب في الإيقونة الفرعونية والرومانية كإعادة إنتاج لرموز السيادة المحلية ودمجها بالسياق العالمي (Al-Jallad, 2018; Lipiński, 2006; Said, 1978; Thompson, 1999).

الأنساب التوراتية كمنظومة محو وطمس وإقصاء

تنتزع دراسة المسكوكات الفضية المكتشفة في غزة إبان العصر الأخميني في القرن الرابع قبل الميلاد العبقرية الاقتصادية والسيادية لفلسطين من فخاخ المحو التاريخي (Gitler & Tal, 2006). وتُحدث هذه الكشوفات انقلاباً معرفياً جذرياً يفكك الآليات الاستشراقية والتوراتية التي دأبت على طمس الهوية الكنعانية-الآرامية الأصيلة (Said, 1978). وتكمن خصوصية هذه المنظور في نقل السجال المعرفي من المربع اللاهوتي الأسطوري المغلق إلى الفلك الأنثروبولوجي ومناهجه الصارمة؛ حيث يعاد الاعتبار للاستقلال الوجودي والسيادي الأدومي في حوض جبل الخليل الثقافي بوصفه عمقاً استراتيجياً ونطاقاً بيئياً وثقافياً متصلاً نابعاً من بنيته الجغرافية المتصلة بعلاقة جدلية منذ الأزل (Lipiński, 2006; Thompson, 1999).

ويرتكز هذا الإطار المنهجي على قراءة العلاقة البنيوية التي تدمج الجغرافيا بالمفاهيم الحضارية المادية، لتغدو الطبيعة امتداداً وانعكاساً مادياً للوعي الفلسطيني الأصيل. هذا الطرح يضرب في صميم الأنثروبولوجيا المادية التقليدية، ويُخرج فلسطين وحواضرها الممتدة من غزة والنقب صعوداً إلى جبل الخليل والقدس من خانة "المسرح الهامشي للإسقاطات التوراتية والاستشراقية". وبذلك، تصبح هذه الجغرافيا الموئل الحيوي الخالص الذي صاغ عبره شعب الجبارين وعيه الكوني الأول بذاته، وحيث أفرزت تجاربه المعيشية أساطيره التأسيسية الواثقة (Bar-Yosef, 1998).

وتتحطم تبعاً لذلك التبعية المعرفية للإسقاطات الدخيلة، ويتحرر التحليل من جعل هذه الأرض مجرد تابع هامشي يدور في فلك أنساب لاهوتية افتراضية صاغها الآخر لتعريف أصحاب الأرض بالنسبة إليه فقط (Said, 1978) وتتحول هذه الأطروحة إلى مشرط معرفي يفكك آليات التأطير الأيديولوجي وتطويع أنسنة الجغرافيا والسياسة التي وظفتها سرديات العهد القديم الاستحواذية لتهميش ممالك المنطقة العريقة وحواضرها الحية. فقد خلّفت وراءها قصصاً توراتية عائلية ودراما متخيلة لإزاحة الصراع المادي الحقيقي حول السيادة، وطرق التجارة، ومصادر المياه، وأماكن القداسة (Said, 1978; Thompson, 1999).

وبناءً عليه، يغدو الأثر المادي المعاصر للحوادث واللقى اللغوية والنقوشية ــ وفي مقدمتها المسكوكات الفضية المضروبة بدار سك غزة كشاهد سيادي على ثراء وتكامل العبقرية الفلسطينية ذات الأرومة النطوفية العمورية في ديارها ــ هو المركز والمحور المرجعي الثابت؛ لتوثيق الاستمرارية التاريخية والسيادة المطلقة لأصحاب الأرض في فلسطين ضمن محيطهم وسياقهم الحضاري الكنعاني-الآرامي الأصيل (Said, 1978).

المراجع:

  • Al-Jallad, A. (2018). The earliest stages of Arabic: New linguistic and epigraphic evidence. In M. C. A. Macdonald (Ed.), The Arabic script in context: From Late Antiquity to the early Islamic period (pp. 33–58). Brill.
  • Althusser, L. (1971). Ideology and ideological state apparatuses. In Lenin and philosophy and other essays (B. Brewster, Trans., pp. 127–186). Monthly Review Press.
  • Bar-Yosef, O. (1998). The Natufian culture in the Levant: The threshold to the origins of agriculture. Evolutionary Anthropology, 6(5), 159–177.
  • Beeston, A. F. L. (1984). Sabaean Inscriptions. Peeters.
  • Bienkowski, P. (2025). The architecture of Edom: Socio-economic transformations and territorial markers in the Southern Levant. Routledge.
  • Breasted, J. H. (1906). Ancient Records of Egypt (Vol. II). University of Chicago Press.
  • Derrida, J. (1976). Of grammatology (G. C. Spivak, Trans.). Johns Hopkins University Press.
  • Durkheim, E. (1912). The elementary forms of the religious life (J. W. Swain, Trans.). George Allen & Unwin.
  • Eph'al, I. (1982). The ancient Arabs: Nomads on the borders of the Fertile Crescent, 9th–5th centuries B.C. Magnes Press, Hebrew University.
  • Foucault, M. (1972). The archaeology of knowledge (A. M. Sheridan Smith, Trans.). Pantheon Books.
  • Gitler, H., & Tal, O. (2006). The coinage of Philistia of the fifth and fourth centuries BC: A catalogue of the Achaemenid coins of Gaza, Ashkelon, Ashdod, and Yehud. Ennerre.
  • Goring-Morris, A. N., & Belfer-Cohen, A. (2011). Neolithization processes in the Levant: The outer periphery versus the core. Paléorient, 37(1), 9–30.
  • Habermas, J. (1984). The theory of communicative action (T. McCarthy, Trans.). Beacon Press.
  • Hensel, B. (2022). Idumea and the identity discourses of early Judaism: Archaeological and textual reevaluations. Journal for the Study of Judaism, 53(2), 185–214.
  • Herodotus. (1996). The Histories (A. de Sélincourt, Trans.). Penguin Books.
  • Ibn Khaldun, W. d. A. (1377). Al-Muqaddimah [The Introduction].
  • Kaufman, S. A. (1997). Aramaic. In R. Hetzron (Ed.), The Semitic Languages (pp. 114–130). Routledge.
  • Kitchen, K. A. (1994). Documentation for Ancient Arabia (Part I). Liverpool University Press.
  • Knauf, E. A. (1990). The Persians in Kedar. Transeuphratène, 2, 199–213.
  • Lacan, J. (1977). Écrits: A selection (A. Sheridan, Trans.). W. W. Norton & Co.
  • Lazaridis, I., Nadel, D., Frachetti, M., & Pinhasi, R. (2016). Genomic insights into the origin of farming in the ancient Near East. Nature, 536(7617), 419–424.
  • Levin, Y. (2026). The southern topography: Idumean networks, trade routes, and the economy of the Persian period. Brill.
  • Lévi-Strauss, C. (1949). The elementary structures of kinship (J. H. Bell & J. R. von Sturmer, Trans.). Beacon Press.
  • Lipiński, E. (2006). On the skirts of Canaan in the Iron Age: Historical and philological studies (Orientalia Lovaniensia Analecta 153). Peeters Publishers.
  • Meshorer, Y., & Qedar, S. (1999). Samarian coinage (Numismatic Studies and Researches IX). Israel Numismatic Society.
  • Mildenberg, L. (1990). On the money of the Achaemenid Empire. In Trésors et circulations monétaires en Anatolie antique (pp. 57–65). Bibliothèque Nationale.
  • Qleibo, A. (2022). Land of Our Ancestors. This Week in Palestine.
  • Ricoeur, P. (1984). Time and narrative (Vol. 1, K. McLaughlin & D. Pellauer, Trans.). University of Chicago Press.
  • Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
  • Sapir-Hen, L., & Ben-Yosef, E. (2014). The introduction of domestic camels to the southern Levant: Archaeological evidence from the Aravah Valley. Tel Aviv: Journal of the Institute of Archaeology, 40(2), 277–285.
  • Schloen, J. D. (2009). The house of the father as fact and symbol: Patrimonialism in Ugarit and the ancient Near East. Eisenbrauns.
  • Schmidt, K. (2006). Sie bauten die ersten Tempel: Das rätselhafte Heiligtum der Steinzeitjäger. C.H. Beck.
  • Smith, W. R. (1889). Lectures on the religion of the Semites. A. & C. Black.
  • Tal, O. (2019). Coinage of Gaza in the Achaemenid period: Local sovereignty, economic mediation, and territorial markers. Numismatic Chronicle, 179, 45–68.
  • Tal, O. (2023). Persian period coins of the southern Levant: A re-evaluation of minting authorities. Institute of Archaeology.
  • Thompson, T. L. (1999). The mythic past: Biblical archaeology and the myth of Israel. Basic Books.
  • Whitelam, K. W. (1996). The invention of ancient Israel: The silencing of Palestinian history. Routledge.