• 25 أيلول 2026
  • مقابلة خاصة

بقلم :  د. نائلة الوعري*

 

وأنا أعيد ترتيب مكتبتي، وقعت عيني من جديد على كتاب «مقاربات بلقانية عن القدس خلال الحكم العثماني» لصديقي الأستاذ الدكتور محمد م. الأرناؤوط، الصادر عام 2020 عن دار الآن ناشرون وموزعون. وكان لي شرف الاطلاع على مادته وقراءته قبل طباعته، وقد سعدت بفكرة اختياره لهذا الموضوع المهم. ثم كتبت عنه بعد صدوره قراءة ومراجعة، لما وجدته فيه من مادة علمية قيّمة وإضافة نوعية إلى دراسات القدس وتاريخها.

لم تكن عودتي إلى الكتاب بقصد تكرار ما كتبته سابقًا، بل لأن موضوعه أعاد إثارة اهتمامي، وفتح أمامي مجالًا أوسع للتفكير في الروابط التي جمعت القدس بشعوب البلقان، مسلمين ومسيحيين، وفي الأديرة والأوقاف والمؤسسات التي أقامتها الطوائف المسيحية في المدينة، وما أدته من أدوار دينية واجتماعية وإنسانية.

ارتبطت شعوب البلقان بمدينة القدس بروابط روحية وتاريخية عميقة، لم تقتصر على طائفة أو ديانة واحدة. فبعد أن خضعت معظم بلاد البلقان للحكم العثماني، ثم دخلت القدس تحت الحكم نفسه سنة 1517، أصبحت المنطقتان تابعتين لدولة واحدة، الأمر الذي سهّل انتقال الحجاج والزائرين، وعزّز الصلات الدينية والإنسانية بين القدس ومدن البلقان.

وقد قصد مسلمو البلقان القدس قبل أداء فريضة الحج أو بعده، فيما عُرف بـ«تقديس الحج»، أي ختم الرحلة بزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه؛ فكانت القدس محطة روحية على طرق الحج الطويلة التي عبرت أقاليم الدولة العثمانية. ومن هنا لم تكن صلة المسلمين من أهل البلقان بالقدس صلة سياسية فرضتها وحدة الدولة فحسب، بل استندت إلى مكانة المدينة في العقيدة والوجدان، بوصفها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. 

وفي موازاة ذلك، توثقت علاقة مسيحيي البلقان بالقدس من خلال الحج إلى الأماكن المقدسة، والإقامة في الأديرة، وإنشاء الأوقاف وتقديم الهبات والتبرعات. وكان الحاج المسيحي العائد من القدس يحظى بمكانة مميزة في مجتمعه، وحمل بعض الحجاج الأرثوذكس في بلاد البلقان لقب «الحاجي»، في ظاهرة دينية واجتماعية تأثرت بثقافة الحج السائدة في المجتمع العثماني. 

ولم تكن الأديرة في القدس مجرد أماكن للعبادة أو لإقامة رجال الدين، بل كانت مؤسسات متكاملة تستقبل الحجاج والغرباء، وتوفر لهم المأوى والطعام، وترعى الفقراء والمحتاجين. كما ضمت بعض الأديرة مدارس ومكتبات ومطابع وصيدليات، وحفظت في خزائنها المخطوطات والفرمانات والوثائق والسجلات التي تشهد على تاريخ المدينة وعلاقاتها بمختلف الشعوب والطوائف.

وخلال الحكم العثماني خضعت ملكيات الأديرة وأوقافها وحقوقها لنظام إداري وقانوني؛ فكانت الطوائف تلجأ إلى السلطان أو الولاة أو محكمة القدس الشرعية لتثبيت ملكياتها وتجديد حقوقها، أو لحسم الخلافات التي كانت تنشأ بينها حول الأماكن المقدسة والأوقاف. ولذلك تمثل الفرمانات والسجلات العثمانية مصدرًا مهمًا لمعرفة تاريخ هذه الأديرة، وما طرأ على ملكياتها ووظائفها من تغيرات. ولم تكن العلاقة بين الدولة والطوائف خالية من المشكلات، لكنها تكشف عن وجود نظام حاول تنظيم الحقوق المتداخلة في مدينة تتعدد فيها الطوائف والمصالح والمقدسات.

دير الصرب والحضور البلقاني

يبرز دير الصرب في القدس بوصفه أحد الشواهد المهمة على عمق العلاقة بين المدينة وبلاد البلقان. والمقصود به دير رؤساء الملائكة ميخائيل وجبرائيل، القريب من كنيسة القيامة، الذي ارتبط بالرهبان والحجاج الصرب، وتلقى الرعاية والدعم من الحكام والأمراء الصرب قبل الحكم العثماني.

ولم ينقطع الاهتمام الصربي بالقدس بعد انهيار الدولة الصربية وخضوع بلادها للحكم العثماني؛ فقد واصل رجال الدين والأمراء والأعيان تقديم المساعدة للأديرة والأوقاف الصربية في فلسطين. كما تولى الرهبان الصرب، خلال مرحلة من القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر، إدارة دير مار سابا في برية القدس، وحصلوا على فرمانات تتصل بترميمه وتثبيت حقوقهم فيه. 

وقد أدت هذه الأديرة وظائف تجاوزت العبادة؛ فكانت أماكن لإقامة الرهبان واستقبال الحجاج القادمين من بلاد الصرب وغيرها من البلدان السلافية، كما ضمت غرفًا للضيافة ومرافق لخدمة الزائرين. وأسهمت أوقافها وما كانت تتلقاه من مساعدات في استمرارها، غير أن ضعف الموارد وتراكم الديون والصراعات الكنسية أدت لاحقًا إلى تراجع الوجود الصربي المستقل وانتقال إدارة بعض هذه المؤسسات إلى بطريركية الروم الأرثوذكس.

ومن هنا فإن دراسة دير الصرب لا تقدم تاريخ مبنى ديني فحسب، بل تكشف شبكة من العلاقات الدينية والسياسية والمالية امتدت بين القدس وبلاد الصرب. كما تبيّن أن الحضور البلقاني في المدينة لم يكن حضورًا عابرًا مرتبطًا بمواسم الحج وحدها، بل كان حضورًا مؤسسيًا ترك آثاره في الأديرة والأوقاف والمخطوطات.

دير اللاتين: العبادة والرعاية الإنسانية

ومن الأديرة التي أدت دورًا دينيًا واجتماعيًا بارزًا دير المخلّص، المعروف في القدس بدير اللاتين أو دير الفرنج، والقريب من الباب الجديد داخل البلدة القديمة. وقد اشترى الرهبان الفرنسيسكان موقعه من الرهبان الكرج في منتصف القرن السادس عشر، بموافقة السلطان سليمان القانوني، ثم أصبح مقرًا لحراسة الأراضي المقدسة ومركزًا رئيسيًا للحضور الفرنسيسكاني في القدس. 

وظل الدير مفتوحًا لاستقبال الحجاج والغرباء، ولم تقتصر رسالته على إقامة الشعائر الدينية؛ فقد ارتبطت به دار لاستضافة الحجاج عُرفت باسم «كازا نوفا»، كما اضطلع بأدوار إنسانية تمثلت في إيواء الفقراء وإطعام المحتاجين ومساعدة الأسر التي افتقرت إلى المأوى والرعاية. وتكشف هذه الوظيفة عن وجه آخر للأديرة في القدس، إذ كانت ملاذًا للفئات الضعيفة في أوقات الفقر والأزمات، وجزءًا من شبكة التكافل الاجتماعي داخل المدينة. 

كما ارتبط بالدير نشاط صحي وثقافي؛ فقد وجدت فيه صيدلية لخدمة المرضى، ثم أُنشئت فيه مطبعة فرنسيسكانية خلال العهد العثماني. وبذلك جمع دير اللاتين بين العبادة والضيافة والإغاثة والتعليم والطباعة، وأصبح مؤسسة حاضرة في الحياة اليومية للمقدسيين، لا مكانًا مغلقًا يقتصر دوره على رجال الدين.

دير الأرمن: مجتمع داخل المدينة

أما دير مار يعقوب، الذي يمثل قلب الحضور الأرمني في القدس، فلم يكن ديرًا منفردًا بالمعنى الضيق، بل مجمعًا دينيًا وسكنيًا وتعليميًا متكاملًا. فقد اتخذ الأرمن فيه مقرًا لبطريركيتهم، وأقاموا مدرسة للاهوت ومكتبة غنية بالمخطوطات والكتب، إلى جانب الكنائس والمساكن والمرافق المخصصة للحجاج.

وضمت المنطقة الأرمنية بيوتًا استُخدمت في الأصل لإيواء الحجاج، ثم تحولت لاحقًا إلى مساكن للعائلات الأرمنية. كما اشتمل المجمع على مدرسة ومتحف وعيادة ومكتبة ومطبعة، فغدا مركزًا لحفظ الهوية الدينية والثقافية الأرمنية، ومكانًا تواصلت فيه العبادة مع التعليم والطباعة وحفظ المخطوطات. 

وكانت الأوقاف عنصرًا أساسيًا في استمرار هذا الحضور؛ إذ وفرت موارد للمؤسسات الدينية والتعليمية، وأسهمت في استقبال الحجاج وخدمة أبناء الطائفة. ولذلك شكّل دير الأرمن ومحيطه جزءًا مميزًا من النسيج العمراني للبلدة القديمة، وأصبح الحي الأرمني شاهدًا على رسوخ جماعة حافظت على وجودها وذاكرتها ومؤسساتها عبر قرون طويلة.

أديرة أخرى في نسيج القدس

ولا تكتمل صورة الأديرة في القدس من خلال هذه النماذج وحدها؛ فالمدينة عرفت الأديرة اليونانية الأرثوذكسية، ودير مار مرقس للسريان، والأديرة القبطية، ودير السلطان المرتبط بتاريخ الأقباط والأحباش، إلى جانب المؤسسات الروسية والكنائس والأديرة التي أقيمت داخل الأسوار وخارجها.

وقد امتلكت كل طائفة أوقافًا وحقوقًا وأماكن للعبادة والإقامة، وكانت الأديرة وسيلة لحفظ حضورها في المدينة وخدمة حجاجها. كما احتوت هذه المؤسسات على تراث كبير من المخطوطات والوثائق والكتب بلغات متعددة، من العربية واليونانية والأرمنية والسريانية إلى السلافية واللاتينية، مما جعل القدس مركزًا للتفاعل بين ثقافات مسيحية متعددة، لا مجرد مقصد ديني موسمي. 

ومع ذلك، لم تكن العلاقات بين الطوائف خالية من التنافس والخلاف، ولا سيما حول ملكية الأديرة وحقوق الصلاة في كنيسة القيامة وغيرها من الأماكن المقدسة. وقد تدخلت الدولة العثمانية مرارًا لتنظيم هذه الحقوق، وتثبيت الوضع القائم، والنظر في الشكاوى والادعاءات المتعارضة. ويكشف ذلك أن تاريخ الأديرة هو أيضًا تاريخ للملكية والأوقاف والقانون والعلاقات الدولية، وليس تاريخًا دينيًا فقط.

خاتمة

إن النظر إلى أديرة القدس من خلال وظائفها المتعددة يكشف أنها لم تكن أبنية صامتة أو مؤسسات منعزلة عن مجتمع المدينة. فقد كانت دورًا للعبادة، ومنازل للحجاج، وملاجئ للفقراء والغرباء، ومراكز للتعليم والطباعة وحفظ المخطوطات، ومستودعات لذاكرة الطوائف وصلاتها بالعالم الخارجي.

كما تكشف الروابط البلقانية، الإسلامية منها والمسيحية، اتساع المكانة الروحية للقدس وقدرتها على جمع شعوب تفصل بينها المسافات وتختلف لغاتها وعقائدها. قصدها المسلمون من بلاد البلقان للصلاة في المسجد الأقصى وتقديس حجهم، وقصدها المسيحيون للحج والإقامة في أديرتها ودعم أوقافها، فغدت المدينة جسرًا روحيًا وإنسانيًا بين فلسطين والبلقان.

ومن هنا تكتسب دراسة الأديرة وأوقافها ووثائقها أهمية تتجاوز تاريخ الطوائف ذاتها؛ لأنها تعيد بناء جانب من تاريخ القدس الاجتماعي والإنساني والعمراني. فالأديرة، بما حفظته من مخطوطات وسجلات وذاكرة، تشهد على مدينة عاشت فيها جماعات متعددة، وأسهمت كل جماعة منها في تشكيل نسيجها الحضاري. وحماية هذا التراث اليوم ليست شأنًا كنسيًا خاصًا، بل هي جزء من حماية ذاكرة القدس وهويتها التاريخية الجامعة.                                                        

*باحثة في التاريخ الحديث