- 28 أيلول 2026
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - يركز الباحث والناشط المقدسي ”مالك زبلح“ في حلقته الاسبوعية التي ينشرها في ”اخبار البلد“ المقدسية على دور الالبوم العائلي المقدسي في الحفاظ على ذاكرة المدينة وعلى السردية الخاصة عبر العبر الصور
تشكّل ألبومات العائلات المقدسية سجلاً لحياة المدينة كما عرفها أهلها. تتجاور فيها صور المدرسة والزيارات والأعراس، وقد تفصل بينها سنوات لا يتذكرها أحد. وتتيح مؤسسة "خزائن"، ضمن مجموعة مركز خليل السكاكيني الثقافي، صورة لهالة ودمية، ابنتي الأديب والمربي المقدسي خليل السكاكيني، تقفان برفقة قريبتهما أمام واجهة حجرية ( انظر إلى الصورة: https://www.khazaaen.org/ar/node/5383)، ذكر وصف الأرشيف صلة المرأة الثالثة بالشقيقتين، لكنه لا يورد اسمها أو تاريخ التصوير ومكانه. ونعرف من مذكرات هالة ومصادر أرشيفية أخرى أن الأسرة عاشت في حي القطمون غربي القدس قبل تهجيرها قسراً عام 1948. وقد كتبت هالة عن زيارتها بيت العائلة بعد سنوات من مغادرته، لكن ذلك لا يحدد موقع الواجهة الحجرية الظاهرة في الصورة، ولا يثبت أنها واجهة البيت. ويبقى اسم القريبة ومكان اللقاء من التفاصيل التي قد يعرفها أصحاب الصورة، وتحتاج إلى أن تُسجَّل كي تنتقل حكايتها إلى من يراها بعدهم.
القدس في صور حياتها اليومية
تظهر هالة السكاكيني في صورة أخرى من المجموعة نفسها مع صديقاتها بعد انتهاء امتحانات الثانوية العامة "المتريك" عام 1942 (انظر إلى الصورة: https://www.khazaaen.org/ar/node/5335 ) تحدد بيانات الأرشيف السنة والمناسبة، وتكشف جانباً من حياة الشابات في القدس زمن الانتداب البريطاني. حيث اجتمعت الطالبات بعد تجربة دراسية مشتركة، والتقطن صورة أردنَّ الاحتفاظ بها. يفتح مثل هذا اللقاء أسئلة عن المدرسة التي جمعتهن، والأحياء التي جئن منها، والعلاقات التي بقيت بينهن بعد تلك المرحلة.
تضيف مثل هذه الصور إلى معرفتنا بالمدينة تفاصيل لا نجدها عادةً في سرد الوقائع السياسية. تظهر الفتيات هنا طالبات وصديقات، وقد تظهر بعضهن في صور أخرى برفقة عائلاتهن أو في مناسبات تجمعهن بأهل الحي. وتتيح متابعة الأشخاص في أكثر من مناسبة تتبّع العلاقات بين المدرسة والبيت، وبين العائلة والحي، وصلات أهل القدس بأماكن الدراسة والعمل خارجها. وقد يظهر في خلفية صورة عائلية مدخل مدرسة أو واجهة متجر أو شارع تغيّرت معالمه. يحتاج تحديد هذه الأماكن إلى شهادة ممن عرفوها أو إلى مادة أرشيفية أخرى، لكن ظهورها يفتح أسئلة عن عمران المدينة وحركة أهلها وحياتهم الثقافية.
ولا تعني قراءة الحياة اليومية فصلها عن أحداث زمنها. فقد درست عائلات مقدسية وعملت واحتفلت في ظل الانتداب البريطاني، ثم غيّرت النكبة أماكن إقامة كثير منها وصلاتها بالمدينة. التُقطت صورة الصديقات لتبقى ذكرى انتهاء الامتحانات، وقد يعود إليها الأبناء والأحفاد بعد عقود ليسألوا عمّا جرى للطالبات وللقدس. هكذا تحتفظ الصورة بمعنى أرادت صاحباتها تذكّره، وتكتسب معنى آخر من الحياة التي أعقبت التقاطها.
وتذكّرنا مجموعة السكاكيني بأن الصور المتاحة لم تتوزع بالتساوي بين عائلات القدس، إذ استطاعت بعض الأسر التصوير والاحتفاظ بألبوماتها، فيما فقدت أسر أخرى صورها أو لم تملك فرصة مماثلة لتوثيق حياتها. كما اختارت كل عائلة ما تحفظه في ألبومها من أشخاص ومناسبات. تمنحنا صور السكاكيني معرفة بحياة الأسرة، وتدفعنا إلى البحث عن عائلات وأحياء لا تظهر بالقدر نفسه في الأرشيف المتاح.
صورتان تكشفان ما غيّره التهجير
تكشف صورة أخرى لعبلة الدجاني الداودي جانباً من حياتها في حي البقعة السفلى غربي القدس، حيث تظهر وهي تجرّ دراجتها الهوائية أمام بيت عائلتها عام 1943. وبعد عقود، تظهر مرة أخرى على كرسي متحرك أمام البيت نفسه (انظر إلى الصورتين: Jerusalem Story) بقي المكان معروفاً لها، لكن تهجير أسرتها عام 1948 غيّر علاقتها به: فقد كانت تعيش فيه وتتحرك في حيّها، ثم عادت إليه زائرة.
تروي عبلة في شهادة نشرتها "شبكة أخبار البلد" أنها استعارت دراجة قريبها عادل وطلبت منه التقاط الصورة (اطّلع على النص: أخبار البلد). وتذكر زيارتها للبيت بعد سنوات ووقوفها عند بوابته من دون أن تتمكن من الدخول. هنا تمنح شهادتها الخاصة بالصورة الأولى "أسماءً وظروفاً" لم تسجلها العدسة، كما توضح ما تغيّر بين الوقوفين أمام البيت.
تتسع الحكاية بما ترويه عبلة عن تجارة والدها وأماكن التسوق ودور السينما التي عرفتها في القدس. تضع هذه التفاصيل البيت ضمن حياة عائلية امتدت في المدينة، وتُظهر ما انقطع منها بفعل التهجير. ولم تتوقف حياة عبلة عند ذلك الفقد، فقد تزوجت وأنجبت وحملت حكاية المكان إلى أبنائها. تحفظ الصورتان مرحلتين من عمرها، فيما تصل شهادتها ما جرى بينهما.
عرس بيت صفافا على جانبي السلك
تحفظ مجموعة مصطفى عثمان في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي صورة لعرس أقيم على جانبي السلك الفاصل في بيت صفافا عام 1962 (انظر إلى الصورة: https://palarchive.org/index.php/Detail/objects/23586/lang/ar_PS ) ويذكر وصف الأرشيف الخاص بالصورة اسم صاحب العرس، ويشير إلى أن معلومات الصورة جاءت من مقابلة مع مصطفى عثمان. نجد أن العرس جمع أهل المناسبة، فيما فرض السلك الذي قسم القرية بعد النكبة أن يقفوا على جانبيه. هكذا دخل التقسيم في ترتيب يوم عائلي أراد أصحابه أن يحتفلوا فيه.
تُبقي قراءة الصورة أصحاب العرس ومناسبتهم في المشهد. فالسلك يفسر طريقة اجتماعهم، لكنه لا يختصر حكايتهم. نرى عائلة واصلت لقاءها رغم الفصل، ونرى كيف صار عليها أن تراعي الخط الفاصل حتى في احتفالها. تنقل الصورة أثر التقسيم كما عاشه الناس في مناسبة محددة، بما لا تستطيع الخريطة وحدها إظهاره.
وتضم المجموعة قصاصة من صحيفة "فلسطين" تعود إلى عام 1949 (انظر إلى القصاصة: https://www.palarchive.org/index.php/Detail/objects/26563/lang/ar_PS ) تشير القصاصة الى المطالبة بتعديل خط تقسيم بيت صفافا. وتسجل النقاش حول الخط في سنواته الأولى، ثم تُظهر صورة العرس حضوره في حياة العائلات بعد ثلاثة عشر عاماً. تساعد المادتان معاً على قراءة تاريخ السلك وأثره في لقاء ظل أهله حريصين على إقامته.
من يحتفظ بحكاية الصورة؟
تتفرق حكاية الصورة أحياناً بين أكثر من مكان. فتحتفظ عائلة بالنسخة، وتتذكر قريبة أسماء من ظهروا فيها، فيما تبقى دعوة المناسبة أو رسالتها لدى شخص آخر. وإذا وصلت الصورة وحدها إلى الأرشيف، فقد يعرف الناس شكل اللقاء من دون أن يعرفوا من جمعته المناسبة أو متى التُقطت.
تجمع "خزائن" الصور ضمن مجموعات تحمل أسماء أصحابها، وتحفظ إلى جانبها رسائل ودعوات وأوراقاً شخصية تساعد على تتبع حكايات الأشخاص وعلاقاتهم. وتوضح مؤسسة "خزائن" أن إتاحة المواد الشخصية ترتبط بموافقة أصحابها، (لمزيد من التفاصيل اطلع على: https://www.khazaaen.org/ar/faq ).
تستطيع العائلة تسمية من تعرفهم في صورها وتحديد ما ترغب في مشاركته، فيما يساعد تسجيل مصدر كل معلومة على التمييز بين ما يتذكره أحد أفرادها وما تؤكده مادة محفوظة. لكن صوراً كثيرة تبقى خارج المجموعات الأرشيفية: حيث فقدت أسر ألبوماتها، كما لم تصل مواد أسر أخرى إلى المؤسسات، وتظهر في بعض الصور وجوه بلا أسماء. لذلك لا يكفي حفظ نسخة رقمية من الصورة. نحتاج أيضاً إلى من يعرف أصحابها وتوثيق أسمائهم ومكان التقاطها وتاريخها إن أمكن، مع ذكر من قدّم هذه المعلومات. وعلى الأرشيف أن يبيّن ما بقي مجهولاً، كي يستطيع من يعرف تفصيلاً غائباً أن يضيفه لاحقاً.
صور المدينة في أيدي أبنائها
تصل صور القدس إلى أبنائها محمّلة بما عرفه أهلها عنها، وبأسئلة لم يجدوا لها جواباً. فقد يضيف أحدهم اسم قريبة ظهرت في طرف صورة، أو تصحّح شهادة جديدة مكان التقاطها. ولهذا يحتاج الألبوم إلى من يسجّل أسماء أصحابه ورواياتهم، ويبيّن ما بقي مجهولاً، مع احترام حق العائلة في تحديد ما تشاركه من صورها.
وحين يقرأ الأبناء هذه المواد، يتعرّفون إلى حياة المدينة عبر أشخاص عاشوها، ويستطيعون متابعة ما تغيّر في أماكنها وعلاقات أهلها. وربما تقودهم صورة واحدة إلى قريب يحمل صورة أخرى أو يتذكّر واقعة لم تُسجّل. بذلك تبقى حكاية القدس قابلة للإضافة والتصحيح، ويظلّ لأهلها دور في روايتها عبر الأجيال.

