• 1 تشرين أول 2026
  • مقابلة خاصة

 اسطنبول - أخبار البلد- كتب أحمد هيمت

في لحظة تاريخية مفصلية تعيد تشكيل خارطة النشر وصناعة الفكر في العالم الإسلامي، أُعلن في 26 سبتمبر الجاري 2026 من مدينة إسطنبول — عاصمة الثقافة والتنوع والتلاقي الحضاري — عن انطلاق المؤتمر التأسيسي للاتحاد الدولي لناشري الكتب الإسلامية. لم يكن اختيار إسطنبول مجرد تحديد لجغرافيا المكان، بل تحمل هذه المدينة رمزية حضارية وتاريخية عميقة بصفتها جسراً يربط بين القارات والثقافات، وملاذاً للتنوع الفكري والتبادل المعرفي.

- انطلاقة دولية من قلب التنوع:

لقد تجلت أبعاد هذه الانطلاقة في الحضور الدولي الأبرز الذي شهدته أعمال المؤتمر، بمشاركة نخبة ممثلة لـ 72 دولة وأكثر من 250 عضواً مؤسساً حتى الآن؛ مما يعكس التنوع والغنى الثقافي الذي يتسم به العالم الإسلامي، ويؤسس لعهد جديد من التعاون المؤسسي الدولي الحقيقي بين العاملين في هذا القطاع الحيوي.

الناشرون.. حراس الثقافة في وجه التحديات الراهنة

إن الكتاب الإسلامي اليوم ليس مجرد منتج تجاري، بل هو حامل لرسالة حضارية، ووسيلة لترسيخ القيم الإنسانية، ونشر الفهم الرشيد للإسلام، وتقديم صورته المتوازنة للحرية والسلام والحوار. وفي ظل التحديات المعاصرة التي تتراوح بين الغزو الفكري، والتحول الرقمي المتسارع، وتغير عادات القراءة، وتهديدات القرصنة، يبرز دور الناشرين باعتبارهم "حراس الثقافة للأجيال القادمة"؛ تقع على عاتقهم مسؤولية حفظ التراث، وتأمين تدفق المعرفة الرصينة والدقيقة.

- دلالات واستحقاقات "إعلان إسطنبول":

جاء إعلان إسطنبول للتعاون بين ناشري الكتاب الإسلامي ليكرس مجموعة من المبادئ والتوجهات الاستراتيجية الهادفة للارتقاء بهذه الصناعة:

* تأكيد الهوية المهنية والدولية المستقلة: التأكيد على أن الاتحاد مؤسسة مهنية دولية لا تسعى لأهداف سياسية أو ربحية ضيقة، بل تعمل بمهنية ومسؤولية لخدمة قطاع النشر وتطوير أدواته.

* الالتزام بحرية النشر المسؤول والتنوع الثقافي: ترسيخ حرية النشر القائمة على الأخلاق والمسؤولية الحضارية واحترام التعددية اللغوية والفكرية كعنصر غنى وتكامل.

* حماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة القرصنة: معالجة قرصنة المحتوى الورقي والرقمي والصوتي، وتطوير آليات قانونية ومهنية تحمي حقوق المؤلفين والناشرين وترسخ الشفافية.

* الارتقاء بالترجمة والتبادل الثقافي: دعم مبادرات الترجمة المشتركة ونقل العلوم والمعارف النافعة إلى لغات العالم الإسلامي واللغات العالمية الحية وفق معايير جودة عالية.

* التعامل الرشيد مع الذكاء الاصطناعي والنشر الرقمي: الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجالات التحرير، الفهرسة، التسويق، والترجمة، مع الحفاظ الصارم على حقوق الملكية المعنوية والأخلاقيات العلمية.

* دعم الناشرين الشباب والأسواق الناشئة: تمكين الجيل الجديد من الناشرين وتوفير برامج التدريب والتأهيل ومراعاة الفروقات الاقتصادية بين الدول.

* بناء قواعد البيانات وإطلاق المنصات الرقمية: إطلاق منصة رقمية مهنية تكون مرجعاً للتواصل وتبادل الحقوق والمعلومات، وإعداد مرصد معرفي دوري يقدم بيانات دقيقة عن اتجاهات النشر والتوزيع.

- دعوة للتداعي والدعم: مسؤولية جماعية لحماية الهوية:

إن تحقيق هذه الأهداف السامية وخارطة الطريق التي رسمها "إعلان إسطنبول" لا يمكن أن يقع على عاتق الناشرين بمفردهم. ومن هنا، فإن هذه اللحظة التأسيسية تمثل دعوة مفتوحة لكافة الحكومات، والوزارات، والجهات المعنية بدعم الثقافة، ومؤسسات الأوقاف الإسلامية عبر العالم، للتداعي والوقوف صفاً واحداً لدعم هذا الاتحاد بشتى السبل المتاحة.

إن النهوض بقطاع الكتاب الإسلامي يتطلب توفير التسهيلات والتمويل والرعاية للمشاريع المتميزة والمبادرات الرقمية والترجمات الكبرى. وهو نداء موجه لكل مهتم بالبعد الرسالي والقيمي؛ لأن الاستثمار في الكتاب الإسلامي وتطوير صناعته هو استثمار في وعي الأمة، وحماية لأجيالها القادمة، وضمان لتقديم الفكر الإسلامي المتزن والأصيل إلى العالم بالشكل الذي يليق بمكانته الحضارية.

إن ميلاد هذا الاتحاد من إسطنبول يمثل مشروعاً حضارياً بامتياز يتجاوز حدود الأطر المهنية الضيقة؛ فهو يسعى لبناء الجسور، وتجاوز التحديات المعرفية والتكنولوجية، ونقل صناعة الكتاب الإسلامي إلى آفاق أكثر احترافية وأوسع انتشاراً.