- 1 تشرين أول 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : د. علي قليبو
أولاً: الإشكالية العرقية الإثنية
تهيمن الافتراضات المعرفية المُسَيَّسَة على تفسير جذور الهوية الإثنية الفلسطينية، فتستند على سرديات تجمع بين المرويات التوراتية وبين المقاربات الاستشراقية تارةً، ولتكون مجسِّدةً لمنظوماتٍ عقائدية وقومية طوراً آخر، حيث تتقاطع في تشكيلها أنساقٌ تسعى لهندسة ماضٍ يتلاءم مع طروحاتها السياسية الحاضرة [Said, 1978]. وتتخذ هذه الافتراضات من النصوص الانتقائية وسيلةً لفرض العزل الإثني أو الإزاحة السكانية عن أرض فلسطين التاريخية إلى موقع جغرافي آخر في الحجاز، أو اليمن، أو حتى جزيرة كريت، لحجب الأرومة النطوفية الكنعانية للفلسطينيين من منطلق عقائدي إقصائي إحلالي [Said, 1978].
وفي قلب هذا السجال المعرفي، تبرز "الإشكالية القيدارية" في النقب وجنوب فلسطين كنموذج صارخ لخلل هذا الطرح الذي سعى دائماً لتصوير قيدار ككيان عربي بدوي غازٍ وافدٍ من أصقاع شبه الجزيرة العربية، ومقطوع الصلة بالحواضر المدنية الكنعانية. لكن علم الأنثروبولوجيا الحيوية والجينات الأثرية يدحض هذه الثنائية المصطنعة ليطرح الواقع العلمي الحقيقي: القيداريون هم "كنعان برّية"؛ بمعنى أنهم من الظاعنين في النقب بجذور نطوفية الجينات والسمات، ونواة أمورية متجذرة في تراب فلسطين منذ فجر الزمان.
وتتجلى خطورة هذه الافتراضات المُسَيَّسَة حين يرسّخها —دون وعي— الخطاب العقائدي والسياسي للقومية العربية التقليدية، الذي صوّر فلسطين كأرض فضاء استوطنها العرب فجأة بعد الفتح الإسلامي؛ حيث تقاطعت هذه الخطابات المتناقضة ظاهرياً لتجعل من الشعب الفلسطيني مجرد شعب طارئ عابر على أرض كنعان، ولتتحول أرض فلسطين في متخيلهم المعرفي إلى "أرض بلا شعب"، أو شبه أرض خلاء معزولة عن مجتمعها المستقر بجذور تضرب في فجر تاريخ الحضور الإنساني منذ انزياح العصر الجليدي وأول تشكيل زراعي في فجر الحضارة النطوفية. وتشتغل هذه المنظومات المهيمنة متخذةً من النصوص التراثية الشفهية والتدوينات المتأخرة مصدراً مرجعياً وحيداً لها، ظناً منها أن هذا الاجترار يرسخ من مصداقيتها السردية، متجاهلةً الشواهد المادية والبيولوجية العميقة للأرض [Said, 1978].
ثانياً: تحالف المدن الخمس في المملكة القيدارية: قرطاجة والمدينة الكنعانية الجديدة
وفي هذا السياق المتصل، يتأكد الدوران السياسي واللوجستي لغزة ومحيطها عبر التحالف البنتابولي (الـ Pentapolis)؛ وهو حلف المدن الخمس التاريخي الذي قادته غزة مع عسقلان وأسدود وعقرون وجت. ومع صعود المملكة القيدارية، تحولت تلك الموانئ والمرافئ المجاورة والمنافذ البحرية التابعة للقبائل المتكافلة إلى شبكة "إمبوريومات" (Emporiums) تجارية دولية متكاملة، أدارت عصب التجارة العالمية الرابطة بين بر النقب وبحر الساحل الكنعاني، وهي المنظومة السيادية التي كشف علم المسكوكات (Numismatics) عن أسمى تجلياتها الأثرية والمتمثلة في تأسيس واستقلالية دار سك العملة في غزة خلال العصر الإخميني، والتي رافقها ازدهار اقتصادي واسع النطاق كما تمثله المملكة القيدارية وجذورها الممتدة في النقب وحوض جبل الخليل الثقافي [Gitler & Tal, 2006].
ومما يثير الحفيظة النقدية في هذا السياق، هو ما يمارسه الخطاب الاستشراقي والإحلالي من تلاعب بالمسميات المصطنعة لضرب الهوية المستقلة لدار سك غزة؛ فحين يعجزون عن إنكار مادية الفضة المضروبة في دار سك غزة، يلجؤون إلى تشتيت هويتها: فتارةً تُفصل العملة عن جغرافيتها الكنعانية عبر تسميتها "الفيلستو-عربية" (Philisto-Arabian) للإيحاء بوجود غزاة بدو وافدين لا صلة لهم بالساحل، وتارةً أخرى يفرغونها من محتواها السيادي الوطني عبر نعتها بـ "اليونانية الزائفة" (Pseudo-Athenian) لتصوير أجدادنا كمجرد مقلدين لنموذج غربي (الأثيني)؛ والهدف الأثري الخبيث وراء هذه المسكوكات الهلامية المتناقضة هو حذف وإزاحة الكيان الكنعاني المتجذر في أرومته العمورية النطوفية، ونفي سيادته التاريخية على واجهته البحرية التي امتدت عبر سفنه لتبني أعظم الممالك عابرة المتوسط كقرطاج [Said, 1978; Gitler & Tal, 2006].
يسعى هذا الخطاب المهيمن إلى حجب أعظم اللقطات التاريخية للسيادة الكنعانية؛ حين مخرت سفن أجدادنا عباب البحر الأبيض المتوسط لتسطر سيادتها التجارية المطلقة على سواحله، مكللةً هذا المجد البحري ببناء تلك الإمبراطورية الممتدة من التسمية الكنعانية الفينيقية الأصيلة "قَرْت حَدَشْت" (Qart-Ḥadašt)؛ لتبرز قرطاجة بوصفها المدينة الكنعانية الجديدة المشتق اسمها من ذات الجذر السامي المشترك (ق ر ت) الذي يفيد معنى "القرية" أو التجمع المستقر، مقترناً بلفظ "حَدَشْت" المعبّر عن التجدد والحدث الحديث في اللسان الكنعاني.
وتحمل هذه المسكوكات الفضية المستقلة الحروف الآرامية "ع ز" (اختصار غزة) والرمز "م" (رمز المعبود المحلي مارناس)، إلى جانب صور وموتيفات تمزج بعبقرية بين الفن الفارسي الإمبراطوري والفن الكنعاني الواجهي وقبائل النقب؛ أي ما عُرِف في الامتداد السوسيولوجي والأنثروبولوجي المعاصر بـ "السبعاويين"، لتشكل حجراً أساساً أثبت التكافؤ السياسي والاقتصادي التام لهذه الفيدرالية وصمود مكوناتها الثقافية فوق ركام الزمن [Gitler & Tal, 2006].
ثالثاً: الألوان العمورية: من الأرجوان والتَّكِيلِت النيلي إلى الحُور والمغرة الذهبية ونشوء التطريز والبساط
ولا يغفل الباحث عن أن هذه السيادة الاقتصادية لم تكن منكفئة على ذاتها في جزر جغرافية مستقلة، بل تظهر معالمها المندرسة ممتدةً —كما يشير علم الآثار، والتي كشف عنها علماء الآثار— عبر شبكة معامل ومصانع إقليمية مخصصة لطهي وغلي الحلزونيات واستخراج الصبغة على طول الواجهة الشاطئية لفلسطين؛ وتحديداً في الطنطورة (تل دور)، والموقع المفصلي تل السمك (شكمونا) في حيفا، والذي يحتضن أقدم وأكبر مجمع صناعي متكامل لإنتاج الأرجوان في حوض المتوسط [Ben-Yosef, 2021; Shalvi & Gilboa, 2023]. ولم يكن هذا النطاق الإنتاجي منبتَّ الصلة عن واجهته الجنوبية، بل تضافرت معه المعامل الإقليمية والمصبغات الموازية المكتشفة في أرسوف وموانئ الجنوب المتمثلة في عسقلان، وأسدود البحر، وتل قطيفة، وتل مورا، وصولاً إلى ميناء رفح؛ لتؤكد كلها على هوية واجهية موحدة تربط موانئ فلسطين المطلقة تاريخياً بظهيرها البري في النقب الشمالي وهضاب حوض جبل الخليل الثقافي [Shalvi & Gilboa, 2023].
ويتجلى هذا المتصل اللوجستي المائي والبري في منظومة الأودية الكبرى وشعابها المتداخلة التي تنحدر نحو الجانب الجنوبي والغربي لحوض جبل الخليل، مشكّلةً خريطة مائية حية؛ فالأودية في هذا النطاق تمثل الشرايين المغذية التي ربطت الحواضر الجبلية بالموانئ الساحلية، وصنعت العمق الجغرافي والسيادي الموحد لغزة وحلفها الخماسي (البنتابوليس). ومن الناحية الجغرافية الدقيقة، يبرز وادي غزة وروافده الكبرى بوصفه المصب النهائي والأضخم في الجنوب؛ إذ يبدأ مجراه الأعلى باسم وادي الخليل (المنحدر من جنوب جبل الخليل والظاهرية)، ليلتقي في منخفض بئر السبع بـ وادي السبع (الوادي الكبير)، وعند تحركه غرباً يندمج ليُعرف بـ وادي الشلالة، ثم يصب في المتوسط جنوب غزة. وبالتوازي معه، يمتد وادي الحسي ليعمل كشريان موازٍ في النقب الغربي والشمالي، منحدراً من سفوح دورا ويمر ببرير، وسمسم، ودير سنيد، ليصب في هربيا بين غزة وعسقلان.
وعبر هذه الشرايين المائية الحيوية المتدفقة، ارتبطت السيادة الاقتصادية والإنتاج البحري العابر للمتوسط بصلات عضوية مطلقة مع برّ المنطقة ومسارات الخور وقوافل الإبل؛ حيث كانت تلك الأودية والمنحدرات مستودعاً طبيعياً لحصاد وتدجين الأعشاب والنباتات البرية اللازمة لصناعة المزيج اللوني وتثبيته كجذور نبات الفُوَّة، والحُميراء (الألكَنة)، وعشبة العِظْلِم المانحة للأزرق النيلي المشرقي. وينبثق عن هذا الامتزاج المادي المتكامل بين برّ الأرض وبحرها طيف لوني داكن يتأرجح ديناميكياً بين الأرجوان الملكي والليلكي الناعم، والأزرق النيلي (التَّكِيلِت)، وصولاً إلى ألوان الحُور الصخرية والمغرة الذهبية (Golden Ochre)؛ وهو الطيف الذي نتعرف عليه بصرياً اليوم في البساط السبعاوي في النقب والبساط السموعي في حوض الخليل؛ ليشكّل هذا المتصل اللوني تكاملاً بيئياً وإثنياً فريداً يُعد أحد أهم المساهمات العمورية الخالدة في فلسطين، والتي رافقت وأسست نشوء التطريز والبساط بألوانها وثباتها المادي على أثواب النساء كشفرات بصرية وعلامات هوية هندسية صامدة بملء سيادتها الثقافية فوق ركام الزمن وعواديه [Ben-Yosef, 2021].
رابعاً: خصائص وسمات الجينات النطوفية الكنعانية الأمورية
تقودنا القراءة البنيوية المادية المدعومة بمعطيات علم الجينات الأثري إلى تفكيك أصل الإشكالية الوراثية التي فرضتها الأنساق الأيديولوجية؛ حيث يتبلور الفصل المعرفي الحاسم الذي يقوّض أوهام الإزاحة السكانية. فالعروبة المبكرة للمملكة القيدارية في النقب وجنوب فلسطين ليست إقحاماً أو وفوداً سكانياً طارئاً من جغرافيا الحجاز أو اليمن —والتي تؤكد الدراسات الجينية الأثرية انحدار سلالاتها الذاتية من أصول بيئية وجينية مختلفة تشكلت تاريخياً خلف صحراء الربع الخالي وعبر مكوّن صيادي وجامعي جنوب الجزيرة العربية المعزول (South Arabian Hunter-Gatherers) [Fernandes et al., 2019].
بل إن العرب الأوائل (القيداريين) هم "كنعان البرّية" والامتداد العضوي الخالص للبصمة النطوفية المتجذرة في تربة النقب وفلسطين التاريخية منذ الأزل. وتكشف دراسات الحمض النووي القديم (aDNA) المستخلص من الهياكل العظمية في مواقع أثرية تاريخية مركزيّة كـ مجدو، وعسقلان، ولاخيش، وتل السبع، وعراد، وجنين، والطنطورة، أن المجموعات السكانية تنتمي كلها إلى رصيد وراثي موحد ومستمر هو المكوّن المشرقي الأصيل المنحدر من المزارعين المشرقيين الأوائل والنطوفيين [Lazaridis et al., 2016].
وتتميز هذه البصمة الجينية بكونها البنية الوراثية السائدة والمستدامة فوق هذه الأرض؛ فكلما وفدت مجموعات بشرية عابرة للبحر كشعوب البحر الإيغية الوافدة من جزر بحر إيجة وكريت، كانت تذوب تماماً وتتلاشى جيناتها خلال أقل من قرنين داخل هذا المحيط الكنعاني الأموري الطاغي [Feldman et al., 2019]. وبناءً على هذا التحليل، لم يكن اللقاء في العصر الإخميني بـ "إمبوريوم" غزة صدمة بين سكانٍ محليين وغزاة، بل كان تكامل السيادة الدائرية بين 'برّ' الأرض النطوفية (القيداريين الظاعنين في النقب) و'بحرها' الكنعاني الأرجواني المستقر؛ حيث التقى المكون الرعوي الحامي لثغور النقب وبئر السبع بالمكون المستقر على طول الواجهة الشاطئية، وكلاهما ينتمي جينياً وسلالياً إلى ذات المخزون الوراثي الأصيل حاملاً التحورات المشرقية لـ J1-P58 والفرع العريق E-M123 [Lazaridis et al., 2016].
خامساً: انعكاس الجينات في سيمياء الوجه والبنية التشريحية للفلسطينيين
لا يقف البرهان الأركيولوجي عند حدود عزل الحمض النووي الصامت مختبرياً، بل يمتد بنيوياً ليتطابق مع التمفصل الجيني-الثقافي (Genocultural Co-evolution) الذي يربط النمط التشريحي الظاهري (Phenotype) بالبنية الجسدية والإنتاج المادي المتوارث في بيئة فلسطين [Coon, 1939; Ben-Yosef, 2021]. وتتحرك هذه الطبعة الجينية عبر حزمتين من السمات الجسدية المتكاملة:
1. السيمياء التشريحية وكثافة الشعر الجسدي:
يضع علم الأنثروبولوجيا الحيوية فصلاً تشريحياً صارماً يعزل النطاق الفلسطيني (الكنعاني الأموري النطوفي) عن المحيط الصحراوي والمداري المعزول في الحجاز واليمن؛ حيث تفرض السيادة الوراثية لـ المكوّن المشرقي الأصيل والسلالات المشتركة نمطاً ظاهرياً ثابتاً في أجساد ووجوه فلاحي وبدو فلسطين التاريخية [Lazaridis et al., 2016]. وتتمثل محدداته التشريحية في: عيون لوزية واسعة ذات تجويف عظمي متوسط، وأنف مشرقي مرتفع الجسر يتميز بانحناءة ناعمة (Prominent gently curved bridge)، ووجه بيضاوي يتحدد ببروز عظام الوجنتين والامتلاء الهيكلي لمنتصف الوجه (Midface fullness) [Coon, 1939].
ويمتد هذا الأثر الجيني مباشرة ليتحكم في الصفات الجسدية الثانوية؛ حيث يتفرد الرجل الفلسطيني بكثافة وغزارة ملحوظة في شعر الصدر والجسم، تمتد بنمط متصل يوازي كثافة شعر اللحية والحواجب، مدعومة بـ بنية هيكلية عريضة للقفص الصدري والكتفين، وهي سمات تشريحية موروثة من الكتلة البشرية الأمورية الصلبة التي تختلف تماماً عن النحول الجسدي وقلة شعر الجسم السائدة في النطاقات الجنوبية لتهائم الحجاز وجبال اليمن المعزولة [Coon, 1939].
2. المادية البصرية وشفرات النسيج الأموري:
يتطابق هذا النمط التشريحي والبيئي بدقة هندسية مع الخريطة اللونية الحية المتوارثة في البساط السبعاوي (النقب) والبساط السموعي (حوض جبل الخليل)، والتي تمثل البنية التأسيسية لأدبيات التطريز الفلسطيني [Ben-Yosef, 2021]. فالأرجوان الأموري في هذا التحليل البنيوي لم يكن صبغة مصمتة، بل منظومة بصرية تتأرجح تدرجاتها ديناميكياً بين الليلكي والأحمر القاني وألوان الحور الكلسي والمغرة الذهبية (Golden Ochre)؛ وهي الخلاصة المادية الممتزجة بين رخويات الساحل وأعشاب البر الموحدة (كالفوَّة، والحُميراء، والعِظْلِم، والمثبتات كرماد الشنان وعجرم غاسول البدو) [Ben-Yosef, 2021; Shalvi & Gilboa, 2023].
وتتحول هذه التدرجات البيولوجية والمعدنية المستخلصة تاريخياً من الأودية وشعابها إلى شفرات بصرية وعلامات هوية هندسية على أثواب النساء، وتعد أحد أهم المساهمات العمورية الخالدة في فلسطين التي رافقت وأسست أدبيات التطريز المعاصر؛ فلولا هذه الألوان وثباتها الأركيولوجي، لما تطور التطريز الفلسطيني تاريخياً ليتبوأ مركز صدارته الفريد في العالم. حيث يتناظر التكوين الصارم لعرض الكتفين وبروز الوجنات الكنعانية والعيون اللوزية مع التناظر المنسوج للبساط والثوب، مصهّراً السمات التشريحية للجسم البشري مع الأرومة المادية للأرض في بقعة سيادية صمدت فوق ركام الزمن [Coon, 1939; Ben-Yosef, 2021].
سادساً: الخاتمة (البرهان البيولوجي الحاسم)
مِن أرسوف المشرقة وموانئها الصباغية، وعبر مرافئ الساحل الكنعاني في غزة، وعسقلان، وأسدود البحر، وتل قطيفة، وتل مورا، ورفح، صعوداً إلى الطنطورة وتل السمك في حيفا، وصولاً إلى قرية "البصّة" وجارتها الشاطئية "أخزيف" الراسختين عند الحدود بجانب كهوف رأس الناقورة المنحوتة في الصخر الأبيض الأزل؛ يتلاقى هذا الشريط الشاطئي بـ "الظهير البرّي" (The Hinterland) وحواضره المتجذرة من الظاهرية ودورا، مروراً ببيت جبرين ولاخيش وعقرون وجت وأسدود المدينة، امتداداً إلى تل السبع وعراد وعمق النقب الشمالي، ليرسم خريطة بيولوجية وإثنية واحدة لا تقبل القسمة أو التجزئة.
وتُثبت التحاليل العلمية الصارمة للحمض النووي القديم (aDNA)، والمستخلص من المواقع الأثرية الممتدة عبر فلسطين التاريخية، وجود بروفايل جيني متميز ومستمر للسكان المحليين؛ حيث يربط هذا المتصل البيولوجي والوراثي السلالات النطوفية والكنعانية القديمة مباشرةً بالامتداد البشري والتاريخي النابض لهذه الأرض [Haber et al., 2017; Feldman et al., 2019].
إن هذه السيمياء التشريحية والحقائق الجينية الصارمة المقيدة بالدليل والتحليل المخبري تقف اليوم كالسد المنيع أمام محاولات تشويه التاريخ الفلسطيني من قبل المنظمات العقائدية؛ فالجين الكنعاني صلب، مستقر، وعصي على النفي أو التذويب. لقد ابتلعت هذه الأرض كل العابرين وصهرتهم في وجدانها الأموري، لتبقى الوجوه الفلسطينية المعاصرة، وتدرجات الألوان المتوارثة في البساط السبعاوي في النقب والبساط السموعي في الخليل، شهادة حية وحسية على أن هذا الشعب هو ابتكار الأرض البكر، صمد فوق ترابه بملء سيادتها المستقلة متحدياً ركام الزمن وعواديه في وجه السرديات الاستشراقية الإقصائية (Said, 1978)؛ وكأن جينات هذه الأرض كُتِبت بمدادٍ لا يُمحى؛ فكلما حاول العابرون اقتلاع الجذور، تآمر البرُّ مع البحر، فبقي النقب بملحه العتيق، وبقي البحر بموجه الوفي، وبقي الفلسطينيون يزهرون في تراب الأجداد سلالةً خالدةً تتحدى ركام الفصول ونسيان التاريخ، متجذرين بأرض الأجداد رغم كل التحديات.
سابعاً: المراجع والأسناد العلمي المعتمد (APA 7th Edition)
- Al-Jallad, A. (2018). The Earliest Stages of Arabic and its Linguistic Environment. Brill.
- Ben-Yosef, E. (2021). The Architectural Bias in Early Iron Age Levant Archaeology. Tel Aviv University Press.
- Coon, C. S. (1939). The races of Europe. Macmillan.
- Eph'al, I. (1982). The Ancient Arabs: Nomads on the Borders of the Fertile Crescent. Magnes Press.
- Feldman, M., Master, D. M., & Krause, J. (2019). Ancient DNA from Chalcolithic and Bronze Age Levant contexts sheds light on the history of Philistine populations. Science Advances, 5(7).
- Fernandes, V., et al. (2019). The genetic history of the Southern Red Sea region and South Arabian Hunter-Gatherer continuity. American Journal of Human Genetics, 105(4).
- Haber, M., et al. (2017). Continuity and Admixture in the Last Five Millennia of Levantine History from Ancient DNA. The American Journal of Human Genetics, 101(2), 274–282.
- Lazaridis, I., et al. (2016). Genomic insights into the origin of farming in the ancient Near East. Nature, 536(7617), 419–424.
- Said, E. W. (1978). Orientalism. Western Printing Publishing.
- Shalvi, G., & Gilboa, A. (2023). The Purple Dye Industry of Tel Shiqmona (Tel es-Samak) and the Iron Age Coastal Economies. Palestine Exploration Quarterly, 155(1).

