- 1 تشرين أول 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : د. علي قليبو
لإشكالية الإثنية والجذور النطوفية
يواجه مؤرخو تاريخ فلسطين تحدياً منهجياً يتلخص في إقصاء وطمس وتورية السيادة الكنعانية؛ نتبينه في السرديات التوراتية والخطاب الاستشراقي حيث يُفصل الكنعانيون عن جذورهم النطوفية العمورية؛ ونتبين الإزاحة والإقصاء الخطابي للكنعانية من المنظور الأنثروبولوجي كمتلازمة للتماس الحضاري في اللقاءات التاريخية القديمة بين بنية المنظومة السيادية القبلية اللامركزية وإزاء منظومة إمبراطورية مركزية السيادة [Said, 1978]. تبلور جذور الصدمة الحضارية والعجز الإدراكي نتيجة التماس والاختلاف الحضاري في التباين بين سيادة العواصم المركزية طيبة وبابل نينوى وتخت جمشيد، وبين مئة وتسع عشرة ديرة قبلية هي الممالك الكنعانية التي يديرها شيخ القبيلة أو ما عُرف اصطلاحاً بالملك، كما وثقتها بدقة قائمة الفرعون تحتمس الثالث في الكرنك ضمن سياق القرن الخامس عشر قبل الميلاد [Kitchen, 1994; Ben-Yosef, 2021].
يتبدى هذا العجز الإدراكي البنيوي في تفكيك إشكالية دراستنا للمملكة القيدارية وامتدادها في النقب الشمالي؛ إذ حجب الخطاب الاستشراقي والسردية التوراتية هذا الامتداد التكافلي العضوي، مصوراً إياها ككيان عربي بدوي غازٍ وافدٍ من شبه الجزيرة العربية، مفرزاً تجمعاً من منظور إقصائي إزاحي يحوّل بنية هذا الحيز المعرفي إلى شتات مبعثر، في حين تفند معطيات علم الأنثروبولوجيا وعلم الجينات هذا الخطاب الإقصائي الإحلالي ليكشف النقاب عن واقع اجتماعي سيادي ترتبط بين قبائله وعشائره تحالفات قبلية لامركزية ووظيفية تكافلية [Haber et al., 2017; Feldman et al., 2019]. يتبلور هذا التعاضد السياسي الاقتصادي في تعاضد مدن النقب والسبعاوية بوصفهم القبائل الكنعانية ذات الأرومة النطوفية الكنعانية العمورية المتجذرة، ممتزجاً في روابط مصيرية مباشرة مع عَبْدَة وشِفْتَا وبئر السبع لتأمين مسارات الحركة البرية [Edelman, 1995]، وملتحماً بالبنتابوليس المجاورة وفي مقدمتها غزة وعسقلان لتصدر الفائض التبادلي عبر البحر [Gitler & Tal, 2006]، بينما يمتد هذا النسيج التحالفي أفقياً ليشتبك مع ثغور الساحل الفلسطيني كـ رِيشْبُون ويافا المتخصصة في الملاحة واستخراج الألوان من الرخويات [Shalvi & Gilboa, 2023]، ومتكاملاً في الآن ذاته مع حواضر الظهير الداخلي والوسط كـ بيت مِرسِم والمجالات الرعوية والزراعية الممتدة عبر جبال السامرة صعوداً إلى عمق الجليل [Stern, 2001]؛ حيث تتشكل بنيته بجذور جينية نطوفية متشاركة بين القبائل الكنعانية، تتقاطع عبرها أنساق عقائدية ولغوية، ونسق ثقافي عموري يمثّل مكوناً بنيوياً ثابتاً في الجغرافيا الفلسطينية منذ أقدم العصور التاريخية [Al-Jallad, 2018].
تقدم دراسة الهوية الإثنية للقيداريين، كما نتبينها في سياق مملكتهم وعمقها الثقافي في غزة وتخومها المتشابكة مع تحالفات السبعاوية—بوصفهم القبائل المتجذرة بالنقب والتي انبثقت وتكاملت وظيفياً مع عَبْدَة وبيت مِرسِم ودِيبِر بالظهير الداخلي—رداً حاسماً على السرديات التوراتية والخطاب الاستشراقي [Eph'al, 1982]. يتعاظم خطر هذا العزل المعرفي حين يرسخه الخطاب العقائدي والسياسي للقومية العربية التقليدية، الذي صور فلسطين كأرض فضاء استوطنها العرب بعد الفتح الإسلامي. تتقاطع هذه الخطابات المتناقضة ظاهرياً لتجعل من الشعب الفلسطيني مجرد شعب طارئ عابر على أرضه؛ حيث تتحول فلسطين في متخيلهم إلى "أرض بلا شعب" منفصلة عن تاريخها النطوفي المادي العموري. يرتكز هذا الحضور بادئ ذي بدء في مغارة شقبا في وادي الناطوف شمال غرب القدس؛ حيث شكل أجدادنا النطوفيون نواة الاستقرار الزراعي وأول تقويم موسمي يرصد الدورة الزراعية عند نهاية عصر البلايستوسين، منذ الألفية الثانية عشرة قبل الميلاد، تبعاً لتنقيبات البعثة الفرنسية والمسوحات الأركيولوجية التاريخية للموقع [Garrod, 1942]؛ متصلاً برصف حجارة في حلقات دائرية لرصد تقلب المواسم الزراعية كأولى البنى المعمارية المستقرة في الإقليم [Boyd, 2024; Belfer-Cohen, 2005; Lazaridis et al., 2016]، حيث بعد مرور ما ينيف عن التسعة آلاف عام استحالت تلك الحلقات الحجرية البسيطة المستقرة إلى مرصد فلكي معقد وساعة كونية عظيمة الحجم ترصد النجوم وتحدد تقلب المواسم بدقة بالغة في رجم الهري في الجولان [Bar-Yosef, 1998; Gitler & Tal, 2006].
غزة الأخمينية: إمبوريوم السيادة الكنعانية وعصب التبادل عابر المتوسط في مواجهة النسق الاستشراقي
تبرز أهمية غزة كإمبوريوم اقتصادي عبر التقاطعات الجيوسياسية وشبكة التحالفات التي تبوأت بها المملكة القيدارية موقع الصدارة؛ حيث يتكامل هذا السياق مع مدن الساحل الفلسطيني امتداداً من يافا وريشف، لتصبح غزة مركزاً لتجارة الأصبغة الكنعانية محلياً وعالمياً [Shalvi & Gilboa, 2023]. ويرتكز هذا الاقتصاد التبادلي على الأقمشة، والمنسوجات، والبسط العمورية، واللباس والحرير المستورد ومشتقاته من الهند والسند، واللبان والبخور والقرفة والقرنفل من اليمن عبر طريق البخور؛ مما جعل غزة مستودعاً عظيماً لصادرات العالم القديم. ويتأرجح هذا الحشد اللوجستي مع توزيع المكونات البرية لغطاء السهوب المقيد أو نباتات السهوب شبه الجافة، والمثبتات للألوان والمؤكسدة للرخويات؛ وفي مقدمتها نباتات الفوّة، والحميرة، والأذلم، وينصهر هذا التبادل مع خلاصة الرخويات البحرية الممتدة من أرسوف شمالاً مروراً بطنطورة وحيفا وعكا وأخزيف وصولاً إلى صور وصيدا [Shalvi & Gilboa, 2023]، بالتوازي مع صادرات التين والزبيب والقطين في الجبال الداخلية للعمق الزراعي الإقليمي لحوض جبل الخليل والسامرة ومرج ابن عامر، وصولاً إلى الجليل حيث انتشرت مراكز المدن والممالك الكنعانية التي تربو عن مئة وتسع عشرة (119) ديرة قبلية كنعانية [Kitchen, 1994; Ben-Yosef, 2021].
شكلت هذه التحالفات، ومعها مدن ممالك البنتوبوليس التي شملت غزة وعسقلان وأسدود وعقرون وجت، أهم مقومات الإطار السيادي للسفن التجارية الكنعانية التي مخرت عباب البحر الأبيض المتوسط غرباً لتمد سيادتها، وأسسوا كلاً من قادس ومالاقا ومراكز ديموغرافية في بنزرت وسوسة وقرطاجة المشتق اسمها من الدال الكنعاني "ق ر ت خداشا" بمعنى القرية الحديثة. ووصلت سفنهم إلى إنجلترا في شمال الأطلسي لاستيراد القصدير اللازم لصناعة البرونز؛ وهو العصب التكنولوجي والاقتصادي الفاصل الذي يفسر ازدهار المملكة القيدارية، ويوضح خلفيات تحالفاتها العضوية مع القبائل الكنعانية النطوفية شمالاً والقبائل الكنعانية المستقرة في حوض جبل الخليل والنقب [Gitler & Tal, 2006].
ومما يثير حفيظتنا إصرار الخطاب الاستشراقي في إزاحة وإغفال السيادة الكنعانية ودورها التجاري في البحر الأبيض المتوسط؛ فتجده يسقط مسميات توراتية وإغريقية مصطنعة لطمس معالم الكيان الكنعاني الأصيل وأرومته العمورية النطوفية، فيحور هوية المسكوكات النقدية صلب المادة النقشية بإقحام نعوت هجينة وتلفيقية مثل "الفينيقية العربية" (Phoenicio-Arabian) و"الفلستية العربية" (Philisto-Arabian). وهدف هذا النحت المفهومي المتناقض إلى ترحيل المركز الحضاري كلياً نحو الشمال وإحالته إلى حدود طارئة، أو الادعاء بوجود قبائل عربية وافدة من الجزيرة العربية ونسبة القيداريين إثنياً للجزيرة، وتارة أخرى ينعتها بـ"اليونانية الزائفة" (Pseudo-Athenian) نظراً للمعطيات التاريخية حول غزوات أهل البحر من كريت، ليوظف المصطلح استشراقياً بغرض إزاحة ومحو وتورية السيادة الأدومية في حوض جبل الخليل بصورة خاصة، والكنعانيين في فلسطين بصورة عامة.
تتجلى هذه المعطيات المادية الموثقة التي كشف عنها علم الآثار وعلم الجينات صلب الهيكل النقشي والتوزيع المكاني لدار سك غزة؛ حيث تظهر على وجه المسكوكة الفضية نقشة المعبود الواجهي والملك القيداري المضروبة بملامح نطوفية صلبة تميزت بعيون واسعة وأنف مدقق ووجه غائر وذقن مدببة، مرتدياً الزي الأخميني الفارسي السائد، في توظيف أيقوني مقصود لشرعنة دور المركز الحضري المحيط بغزة كمشرف سياسي ومرزبان فيدرالي مستقل بالتكافؤ مع الإمبراطورية الأخمينية [Gitler & Tal, 2006]. ويحمل ظهر المسكوكة الحروف الآرامية الموضعية "ع ز" مقترنة بالنقوش المادية الصلبة التي تمثل نباتات اللبان ذي الأغصان المتشابكة المصنوع منه البخور والمباخر الأدومية صلب حوض جبل الخليل، ويقابلها الجمل ذو السنام الواحد المهجن تاريخياً في وادي عربة في حوض جبل الخليل الثقافي، لتوثيق دور قبائل النقب السبعاوية والعمق الرعوي الزراعي في المنظومة اللوجستية الإقليمية [Gitler & Tal, 2006]. ويبقى حرف م المقترن بهذه المسكوكة النقدية وثيقة صامتة بترت دلالته من كتب التاريخ لإقصاء المملكة القيدارية من العمق الأدومي في حوض جبل الخليل [Gitler & Tal, 2006].
الألوان العمورية والمادية البصرية: من جغرافية الأودية اللوجستية والموانئ الساحلية إلى نشوء التطريز والبساط
إن السيادة الاقتصادية في المدينة المملكة القيدارية كما في سائر المدن المئة وتسع عشرة لم تكن منكفئة على ذاتها، بل تمتد عبر شبكة من التحالفات القبلية كما نتبينها عبر منظومة الورشات والمصانع الإقليمية المخصصة لمعالجة الرخويات الصدفية واستخلاص المزيج اللوني على طول الواجهة الشاطئية لفلسطين؛ وتحديداً في الطنطورة (تل دور)، والموقع المفصلي تل السمك (شكمونا) in حيفا، الذي يحتضن أقدم وأكبر مجمع صناعي متكامل لإنتاج الأرجوان في حوض المتوسط [Ben-Yosef, 2021; Shalvi & Gilboa, 2023]. يقابلها جمع وتحضير الأعشاب البرية للألوان الترابية وللأحمر القاني ولتثبيت اللون من نقاط تجميعها وتحضيرها في النقب؛ فلم يكن هذا النطاق الإنتاجي منبتَّ الصلة عن واجهته الجنوبية، بل تضافرت معه المعامل الإقليمية والمصبغات الموازية المكتشفة في أرسوف وموانئ الجنوب المتمثلة في عسقلان، وأسدود البحر، وتل قطيفة، وتل مورا، وصولاً إلى ميناء رفح؛ لتؤكد كلها على هوية واجهية موحدة تربط موانئ فلسطين المطلقة تاريخياً بظهيرها البري في النقب الشمالي وهضاب حوض جبل الخليل الثقافي [Shalvi & Gilboa, 2023].
يتجلى هذا المتصل اللوجستي المائي والبري في منظومة الأودية الكبرى وشعابها المتداخلة التي تنحدر نحو الجانب الجنوبي والغربي لحوض جبل الخليل، مشكّلةً خريطة مائية حية؛ فالأودية في هذا النطاق تمثل الشرايين المغذية التي ربطت الحواضر الجبلية بالموانئ الساحلية، وصنعت العمق الجغرافي والسيادي الموحد لغزة وحلفها الخماسي (البنتابوليس). ومن الناحية الجغرافية الدقيقة، يبرز وادي غزة وروافده الكبرى بوصفه المصب النهائي والأضخم في الجنوب؛ إذ يبدأ مجراه الأعلى باسم وادي الخليل (المنحدر من جنوب جبل الخليل والظاهرية)، ليلتقي في منخفض بئر السبع بـ وادي السبع (الوادي الكبير)، وعند تحركه غرباً يندمج ليُعرف بـ وادي الشلالة، ثم يصب في المتوسط جنوب غزة. وبالتوازي معه، يمتد وادي الحسي ليعمل كشريان موازٍ في النقب الغربي والشمالي، منحدراً من سفوح دورا ويمر ببرير، وسمسم، ودير سنيد، ليصب في هربيا بين غزة وعسقلان.
عبر هذه الشرايين المائية الحيوية المتدفقة، ارتبطت السيادة الاقتصادية والإنتاج البحري العابر للمتوسط بصلات عضوية مطلقة مع برّ المنطقة ومسارات الخور وقوافل الإبل؛ حيث كانت تلك الأودية والمنحدرات مستودعاً طبيعياً لحصاد وتدجين الأعشاب والنباتات البرية اللازمة صناعة المزيج اللوني وتثبيته كجذور نبات الفُوَّة، والحُميراء (الألكَنة)، وعشبة العِظْلِم المانحة للأزرق النيلي المشرقي، مع مثبتات طبيعية كرماد الشنان وعجرم غاسول البدو. وينبثق عن هذا الامتزاج المادي المتكامل بين برّ الأرض وبحرها طيف لوني يتأرجح ديناميكياً بين الأرجوان الملكي، والليلكي الناعم، والأزرق النيلي (التَّكِيلِت)، وصولاً إلى ألوان الحُور الصخرية الكلسية والمغرة الذهبية؛ وهو الطيف الذي نتعرف عليه بصرياً اليوم في البساط السبعاوي في النقب والبساط السموعي في حوض الخليل؛ ليشكّل هذا التناغم اللوني تكاملاً إثنياً فريداً يُعد أحد أهم المساهمات العمورية الخالدة في فلسطين، والتي رافقت وأسست نشوء التطريز والبساط بألوانها وثباتها المادي.
يتطابق هذا النمط التشريحي والبيئي بدقة هندسية مع الخريطة اللونية الحية المتوارثة في البساط السبعاوي (النقب) والبساط السموعي (حوض جبل الخليل)، والتي تمثل البنية التأسيسية لأدبيات التطريز الفلسطيني [Ben-Yosef, 2021]. فالأرجوان الأموري في هذا التحليل البنيوي لم يكن صبغة مصمتة، بل منظومة بصرية تتأرجح تدرجاتها ديناميكياً بين الليلكي والأحمر القاني وألوان الحور الكلسي والمغرة الذهبية؛ وهي الخلاصة المادية الممتزجة بين رخويات الساحل وأعشاب البر الموحدة (كالفوَّة، والحُميراء، والعِظْلِم، والمثبتات كرماد الشنان وعجرم غاسول البدو) [Ben-Yosef, 2021; Shalvi & Gilboa, 2023]. وتتحول هذه التدرجات البيولوجية والمعدنية المستخلصة تاريخياً من الأودية وشعابها إلى رموز بصرية تشير إلى هوية وعلامات هندسية على أثواب النساء، ويجب أن نضيف أنها رصد وتمائم —جمع تميمة لدرء الشر— وتعد أحد أهم المساهمات العمورية الخالدة في فلسطين التي رافقت وأسست أدبيات التطريز المعاصر؛ فلولا هذه الألوان وثباتها الأركيولوجي، لما تطور التطريز الفلسطيني تاريخياً ليتبوأ مركز صدارته الفريد في العالم [Ben-Yosef, 2021; Shalvi & Gilboa, 2023].
يتطابق هذا التآلف اللوني، الذي يمثل البنية التأسيسية لأدبيات النسيج، مع النمط التشريحي بدقة هندسية؛ حيث يتناظر التكوين الصارم لعرض الكتفين وبروز الوجنات والعيون اللوزية مع التناظر المنسوج للبساط والثوب، مصهّراً السمات التشريحية للجسم البشري مع الأرومة المادية للأرض في بقعة سيادية صمدت فوق ركام الزمن. وينصهر هذا الإرث الوجهي النطوفي بنيوياً مع الملامح الحيوية ذات الصبغة العمورية المتوارثة، والتي تتبدى بوضوح في المقاييس الجسدية المتمثلة في هيكل صدري عريض وحزام كتفي قوي، ترافقها كثافة وراثية في توزيع الألياف الشعرية الجسدية كغزارة اللحية والخطوط الحاجبية المتصلة، وهو التمازج المرفولوجي المتطابق تماماً مع بروز عظام الوجنتين والامتلاء الهيكلي لمنتصف الوجه، يرافقه الأنف البارز المتميز بجسر مرتفع ذي انحناءة علوية ناعمة كما تجسده سيمياء وجه الملك القيداري على المسكوكة الفضية، مبرهنةً من منظور الأنثروبولوجيا الحيوية على الخصوصية البيولوجية والمادية المستقلة لأهل فلسطين، وتمايزهم واختلاف مكونات سيمائهم وسحنتهم عن التركيبة الجينية في اليمن والحجاز [Coon, 1939; Ben-Yosef, 2021; Shalvi & Gilboa, 2023].
خصائص الجينات النطوفية الكنعانية وانعكاساتها التشريحية في سيمياء الوجه الفلسطيني
تستند القراءة البنيوية المادية إلى البراهين المختبرية والبيانات البيولوجية الصلبة المستخلصة من الهياكل العظمية الأثرية التي يعود جزء أساسي وجذري منها إلى العصر النطوفي، وامتدادها عبر العصر البرونزي الكنعاني الأموري، لتفكيك أصل الإشكالية الوراثية المتعلقة بحركة القبائل الكنعانية ومنها القيدارية، وإلحاقها بالقبائل العربية من الحجاز أو اليمن؛ بهدف حسم التأصيل الإثني للقيداريين وجذورهم الممتدة للأرومة النطوفية-الكنعانية-العمورية. فالمملكة القيدارية في النقب الشمالي تختلف بمكوناتها وسيمائها (النمط الظاهري/Phenotype) عن جينات شبه الجزيرة العربية؛ إذ يشكل النقب جزءاً أصيلاً من الجينات الفلسطينية النطوفية المتميزة عن محيطها الجنوبي، وهي النتيجة الحيوية التي تحسم الإشكالية وتؤكد أن القبائل القيدارية تتكون من كنعانيين ينحدرون من أرومة نطوفية كنعانية [Lazaridis et al., 2016].
يُصنف القيداريون جينياً وإثنياً من الظهير الداخلي، أي الهضاب والمرتفعات الداخلية في أرض كنعان، حامِلين التكوين البنيوي الذاتي للبصمة النطوفية المتجذرة في تربة النقب وفلسطين التاريخية منذ الأزل. وتكشف دراسات الحمض النووي القديم (aDNA) المستخلصة من الهياكل العظمية في مواقع أثرية تاريخية مركزيّة كـ مجدو، وعسقلان، ولاخيش، وتل السبع، وعراد، وجنين، والطنطورة، أن المجموعات السكانية تنتمي كلها إلى مجمع جيني موحد ومستمر هو المكوّن المشرقي الأصيل المنحدر من المزارعين المشرقيين الأوائل والنطوفيين، لتثبت هذه الجينات فقط الاستمرارية الديموغرافية والبيولوجية والتدفق المستدام لسلالات الآباء الممتدة من العصرين النطوفي والبرونزي في بيئة فلسطين [Lazaridis et al., 2016]. وتكشف دراسات علم الوراثة الأثري الحديثة أن الكنعانيين جينياً يمثلون المحصلة الاندماجية والتوليفة البيولوجية النهائية لنواة الاستقرار النطوفية المحلية والتدفقات البشرية العمورية المستقرة في الظهير الداخلي لفلسطين التاريخية [Lazaridis et al., 2016]. وتفند معطيات الحمض النووي فرضية تصنيف الأرومة العمورية كـ مجموعات عشوائية هجينة، كما تنفي عزو تمايزها الحركي إلى "انحراف جيني عشوائي" (Genetic Drift) ناتِج عن انعزالٍ بيئي؛ إذ يبرهن انسيابها الوراثي المستمر (Gene Flow) على وجود متصل حيوي محلي متكامل يربط التجمعات الزراعية المستقرة بالتجمعات الرعوية في عموم الإقليم [Lazaridis et al., 2016].
تتميز هذه البصمة الجينية بكونها البنية الوراثية فوق هذه الأرض؛ فكلما وفدت مجموعات بشرية عابرة للبحر كشعوب البحر الإيغية الوافدة من جزر بحر إيجة وكريت، كانت تذوب تماماً وتتلاشى جيناتها خلال أقل من قرنين داخل هذا المحيط الكنعاني الأموري الطاغي [Feldman et al., 2019]. وبناءً على هذا التحليل، لم يكن اللقاء في العصر الإخميني بـ "إمبوريوم" غزة صدمة بين سكانٍ محليين وغزاة، بل كان تكامل السيادة الدائرية بين 'برّ' الأرض النطوفية (القيداريين الظاعنين في النقب) و'بحرها' الكنعاني الأرجواني المستقر؛ حيث التقى المكون الرعوي الحامي لثغور النقب وبئر السبع بالمكون المستقر على طول الواجهة الشاطئية، وكلاهما ينتمي جينياً وسلالياً إلى ذات المخزون الوراثي الأصيل حاملاً التحورات المشرقية لـ J1-P58 والفرع العريق E-M123، متلاحماً باستمرارية ديموغرافية وبيولوجية مطلقة لسلالات الأمهات القديمة والميتوكوندريا النسائية المشرقية العريقة من الفروع H وK وU وT وJ المتجذرة في تربة هذا الحوض، والتي تمايزت واختلفت بنيتها الوراثية والأنثوية عن جينات التجمعات في الحجاز واليمن، مبرهنةً على بنية محلية مستقرة أنثوياً ومغلقة في وجه التدفقات العابرة [Lazaridis et al., 2016; Feldman et al., 2019].
: خاتمة: التتابعات السياسية وبعث القرية الفلسطينية كطائر الفينيكس وعلاقتها بالمتصل الجيني
ارتبطت مدن ممالك الساحل الكنعانية ارتباطاً وثيقاً مع نظائرهم من القبائل والعشائر ذوي الجذور النطوفية العمورية في الظهير الجبلي الداخلي، ومع الممالك الكنعانية المنتشرة على الساحل، لتشكل شبكة من التحالفات المتصلة في مدن الممالك الكنعانية ذات الأرومة النطوفية العمورية. يشكل هذا المشهد القبلي اللامركزي منظومة سيادية ذات خصوصية فريدة، وتعد الهيكل العام لنشوء القرية الفلسطينية وخصائصها العمرانية والثقافية وتعددها؛ تتجلى في علاقات الأقاليم الممتدة بدءاً من بئر السبع في عمق النقب الشمالي لتشمل الخالصة، وعَبْدَة، وسبيطة، والسموع، والظاهرية، ودورا، وبيت مِرسِم، والكوم، لتنتقل عبر جغرافيا التلال والوسط الجبلي إلى لاخيش، وبيت جبرين، وعقرون، لتربط بين جبال السامرة ومدن ممالك القدس، وبيت لحم، والجيب، ونابلس، وسلواد، وصولاً إلى حوض مرج ابن عامر والجليل بما يضمه من مدن ممالك كجنين، وتعنك، ومجدو، وصفورية، وأفيق، ليتوج هذا الامتداد بالوصول إلى مملكة حاصور في أقصى الشمال، مؤلفة خريطة بيولوجية وإثنية واحدة لا تقبل القسمة أو التجزئة [Shalvi & Gilboa, 2023].
تلتحم هذه التتابعات الجيوسياسية، في هذا السياق التفكيكي، مع المعطيات الحيوية لعلم الجينات القديم (aDNA)، والمستخلص من هذه المواقع الأثرية الممتدة على طول الساحل والظهير؛ حيث تشكل البيانات المخبرية جهازاً معرفياً صلباً ينقض الأطروحة الاستشراقية، وتثبت التحاليل وجود بروفايل جيني متميز ومستمر للسكان المحليين يربط هذا المتصل البيولوجي والوراثي السلالات النطوفية والكنعانية القديمة مباشرة بالامتداد البشري والتاريخي النابض للأرض [Haber et al., 2017; Feldman et al., 2019]. وتقف هذه الحقائق الجينية الصارمة المقيدة بالدليل والتحليل المخبري كالسد المنيع أمام محاولات تشويه التاريخ الفلسطيني من قبل المنظمات العقائدية والاستشراقية التي توظف أجهزة الدولة الأيديولوجية بالمفهوم الألتوسيري لإزاحة السكان؛ فالجين الكنعاني مستقر وعصي على النفي أو التذويب الإزاحي [Said, 1978].
يعكس هذا الاشتباك الجغرافي والقبلي، بالمقابل، بنية مترابطة تنقض نسق التجزئة الاستعماري؛ فالروابط العضوية بين المرافئ المائية والمرامي المدنية للممالك الجبلية تعري العجز الإدراكي للخطاب الاستشراقي الذي حاول حصر العناصر المحلية في نطاقات قبلية معزولة أو بداوة وافدة، لتظل الوجوه الفلسطينية المعاصرة، وتدرجات الألوان المتوارثة في الرموز البصرية والتمائم لدرء الشر على أثواب النساء وفي النسيج التناظري للبساط السبعاوي في النقب والبساط السموعي في الخليل، شهادة مادية وحسية صلبة تفكك السرديات الإقصائية، وتبرهن على أن الاستمرارية الحضارية للمنظومة الكنعانية القائمة على التحالفات القبلية اللامركزية قد صمدت في وجه السرديات الاستشراقية وفوق ركام الزمن وعواديه [Gitler & Tal, 2006; Haber et al., 2017].
- ائمة المراجع المحدثة (References)
- Al-Jallad, A. (2018). The Earliest Stages of Arabic: New Linguistic and Epigraphic Evidence. Leiden: Brill.
- Bar-Yosef, O. (1998). The Natufian Culture in the Levant: The Threshold to the Origins of Agriculture. Evolutionary Anthropology, 6(5), 159–177.
- Belfer-Cohen, A. (2005). The Natufian Culture and the Early Neolithic of the Levantine Landscape. Jerusalem: The Hebrew University of Jerusalem.
- Ben-Yosef, E. (2021). Historical Anchors and the Bronze to Iron Age Transition in the Southern Levant: An Archaeological Critique. Journal of Anthropological Archaeology, 62, 101–115.
- Boyd, B. (2024). Cultural Topographies and Seasonal Calendars of the Late Pleistocene Levant: Re-evaluating the Shuqba Cave Assemblies. Levant, 56(1), 34–52.
- Coon, C. S. (1939). The Races of Europe. New York: The Macmillan Company.
- Edelman, D. V. (Ed.). (1995). You Shall Know That I Am the LORD: Essays on the History and Religion of Judah and Israel in Honor of J. Maxwell Miller. Sheffield: Sheffield Academic Press.
- Eph'al, I. (1982). The Ancient Arabs: Nomads on the Borders of the Fertile Crescent, 9th–5th Centuries B.C. Jerusalem: Magnes Press.
- Feldman, M., Master, D. M., Bianco, R. A., Fernandez, M. E., & Krause, J. (2019). Ancient DNA from Chalcolithic to Iron Age Ashkelon Breeds Continuous Levantine Ancestry. Science Advances, 5(7), eaaw9522.
- Fernandes, D. M., et al. (2019). The Genomic History of the Southern Levant from the Bronze to the Iron Age. Cell, 178(5), 1124–1138.
- Garrod, D. A. E. (1942). Excavations at the Shuqba Cave, Palestine, 1928. Proceedings of the Prehistoric Society, 8, 1–20.
- Gitler, H., & Tal, O. (2006). The Coinage of Philistia of the Fifth and Fourth Centuries BC: A Study of the Earliest Coins of Palestine. Milan: Ennerre.
- Haber, M., Doumet-Serhal, C., Scheib, C., Xue, Y., Danecek, P., Mezzavilla, M., Tyler-Smith, C. (2017). Continuity and Admixture in the Last Five Millennia of Levantine History from Ancient Canaanite Genomes. The American Journal of Human Genetics, 101(2), 274–282.
- Kitchen, K. A. (1994). The Topographical Lists of the K rnak Temple: A Philological and Historical Appraisal. Warminster: Aris & Phillips.
- Lazaridis, I., Nadel, D., Rollefson, G., Merrett, D. C., Rohland, N., Mallick, S., Reich, D. (2016). Genomic Insights into the Origin of Farming in the Ancient Near East. Nature, 536(7617), 419–424.
- Said, E. W. (1978). Orientalism. New York: Pantheon Books.
- Shalvi, G., & Gilboa, A. (2023). Maritime Infrastructure and Inland Networks of the Purple Dye Industry in Bronze Age Palestine. Oxford Journal of Archaeology, 42(3), 215–238.
- Stern, E. (2001). Archaeology of the Land of the Bible, Volume II: The Assyrian, Babylonian, and Persian Periods (732–332 B.C.E.). New York: Doubleday.

