- 7 تشرين أول 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : الباحث هشام الرجبي
هناك في البعيد القريب في الطريق المطل على حارتي السهل الممتد تحت التوتة صعودا من باب الساهرة من الشرق إلى الغرب منعطفا الى الجنوب يسار طريق الصعود هناك ركسة كمسطبة صغيرة تلتصق في جدار زاوية الهنود مباشرة قرب الزاوية هي اليوم كمقعد أو ما شابه ،كنت اراها كلما مررت بها بصحبة والدي الذي يسرع ويطرح السلام عليها !! ويستمر في السير.
كنت طفلا لا أعي السبب في ذلك فلم أعهد أبي يؤمن بالخرافات أو بركة المقامات والقبور ،ولهذا كان الاستغراب من هذا التصرف .
وفي احدى المرات واثناء عودتنا من حسبة الخضروات القريبة من مركز الإطفائية في واد الجوز، حيث كان والدي " ابو هشام " يقوم بشراء كل ما نحتاج إليه من خضار وفواكه ومؤونة ، ،كنت انا واخي عصام نرافقه للمساعدة في دفع عربة تحمل كل هذه المشتريات، واذكر انه عندما وصل المنعطف وتحديدا قرب المسطبة الصغيرة توقف للحظة رغم أنه كان مرهقا من دفع العربة ، وقام بإلقاء السلام عليها واكمل طريقه، فسألته وانا اتنهد من شدة التعب :
-
لماذا كلما مررت على هذه المسطبة تسلم عليها ...؟
نظر لي نظرة عميقة لم افهمها ، ولم يجب على سؤالي ولكنه اكتفى بالقول :
-
سأخبرك لاحقا
وصلنا الى منزلها الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة من مكان المسطبة وبدأنا عملية مرهقة أخرى وهي نقل الخضروات والمؤونة داخل المنزل بسرعة خاصة وأن الجو كان غائما على وشك ان المطر ان ينهمر، انشغلنا بقية يومنا في ترتيب ما احضرنا ونسيت ان اسال ابي عن سبب طرحه السلام كلما مر من جانب هذه المسطبة .
لم يمضي على تلك الحادثة سوى يوم أو يومين حتى عاودت السؤال مرة اخرى على ابي ، فلقد تحرقت لمعرفة سبب هذا التصرف من والدي ، وأصبح السؤال شغلي الشاغل بانتظار الاجابة التي لم تتأخر حيث اجانبي والدي :
-
لقد كان أن هذه القصة تعود الى سنوات طويلة قبل الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس عام سبعة وستين وبالتحديد في الفترة الأردنية بالقدس، حيث كانت المرحومة زوجة اخي جميل ابو فايز مريضة مرض شديد وقد كانت طريحة الفراش في المستشفى في مدينة ولهذا كان خبر وفاتها له وقع الصاعقة علينا جميع، وساد الحزن العائلة برمتها ، والذي زاد من الغم والحزن والكرب إن أهلها كانوا يعيشون في عمان ويصرون على دفنها هناك بالقرب منهم ، ولكن عمك جميل زوجها اصر وبقوة أن تحضر إلى القدس لتدفن زوجته في القدس المدينة التي احبتها ، ولهذا يجب ان يضمها تراب القدس ، واختلفت الآراء في العائلة بين من يصر على الذهاب الى عمان لاحضار الجثمان لدفنه ولو كان الثمن قطيعة ابدية في العائلة وبين من لا يعارض أن تدفن هنا.
ويكمل والدي الحكاية وقد شردت افكاره وكانه يريد ان يجمع بعضا من أفكاره التي هربت منه ويقول:
-
انا ممن بقي بالقدس بانتظار معرفة ما يجري ، وعندما تأخر الوقت في الليل عدت الى منزلنا تقريبا بعد منتصف الليل وكان الطريق موحشا خاليا من المارة فالاحوال الجوية كانت باردة وماطرة ، وعند وصولي الى مكان هذه المسطبة لا اعلم ان كنت في صحتي وبكامل قواي فلقد أصبت بحالة إرهاق وتعب ، وفجأة ظهر أمام شيخ يرتدي جبة بيضاء وعمامة بيضاء ووجهه كالنور يجلس على هذه المسطبة فأرعبني المشهد، واعتقدت انني اتخيل، ولكن الشيخ نظر الى وتكلم معي ، لا أذكر مضمون حديثه لكنه كان كأنه يعزيني ويشد أزري
فسالته : من يكون؟!
لا اذكر حتى الاسم الذي أخبرني به لكنه قال لي:
- انا اسكن هنا وضرب بكفه على المسطبة
عندها استجمعت ماتبقى من قوى وأطلقت ساقي للريح، ذهبت مسرعا للبيت مرعوبا خائفا لا تكاد قدماي أن تحملني ،ولقد كان البيت فارغا فأمي كانت تهتم بأبناء اخي جميل وشد من ازرهم بعد وفاة أمهم وابي ذهب مع اخوتي لإحضار ام فايز لدفنها في القدس .!
دخلت فراشي وانا ارتعد من الحمى ومن هول ما شاهدته حتى غرقت في النوم..
في اليوم التالي أحضرت المرحومة ام فايز ودفنت كما أراد لها اخي جميل في القدس
وأصبحت كلما مررت من جانب هذه المسطبة اسلم عليها
لا اعلم هل هي قبر او ماذا لكنها تذكرني كلما مررت بها بما حدث معي
واختتم حديثه بقوله :
-
يا ولدي هذه قصة المسطبة التي تقلقك منذ زمن .!
تمر الايام واصبح انا متخصصا في السجلات التاريخية والعثمانية لأجد في يوم من الايام وثيقة عثمانية قديمة تتحدث عن مدفن ولي الله أبو شوشة في ذات المكان ومكان المسطبة هو مكان رأس القبر وباقي القبر داخل حدود الزاوية الهندية
فقلت:
-
آه لو كان أبي ( ابا هشام ) حيا لأخبرته باسم من ظهر له في شبابه
إنها القدس في كل زاوية وتحت كل حجر وشجرة هناك حكاية لم تحكى، وعند قراءة كل وثيقة تجد تاريخا لم يكتب وسردية لم تقال حتى الآن
رحمة الله عليك يا أبا هشام ..
ملاحظة : هذه المقالة هي بداية لبحث معمق سيتم نشره لاول مرة قريبا في " أخبار البلد" حول هذه الزاوية التي اكتشف تاريخها بالحجج والوثائق والصور الباحث هشام الرجبي ، فالشكر لهذا الباحث النشيط. .

