- 5 تشرين أول 2015
- ثقافيات
القدس - اخبار البلد- ناقشت ندوة اليوم السّابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية “الخاطئة” للروائيّة المقدسيّة مزين برقان، وتقع الرّواية الصادرة عام 2015 والتي صمّمت غلافها الفنانة سماح داود في 415 صفحة من الحجم المتوسط.
وقال جميل السلحوت:
تدور أحداث الرّواية حول الخيانة الزّوجيّة، حيث أنّ بطلة الرّواية امرأة متزوّجة وأمّ لطفل، وتعشق طبيب أسنان، وتبني معه علاقة حبّ وغرام، والرّواية رغم التحفظات على البناء الروائي واقعيّة حتى النّخاع، وإن بنت الكاتبة حبكتها من خلال خيال واقعيّ أيضا، وتعتبر هذه الرّواية واحدة من الرّوايات التي لا تكاد تكون موجودة في الأدب الفلسطينيّ الذي يطغى عليه الهمّ السّياسيّ في غالبيّته العظمى، فهي تغوص في قعر المجتمع لتأخذ نموذجا هو موجود على أرض الواقع ليس في المجتمع الفلسطينيّ فحسب، بل في المجتمعات كلّها.
ويلاحظ أنّ الكاتبة برقان قد استغلّت قدرتها في السّرد؛ لتغوص في لواعج المرأة التي تخون زوجها، فبطلة الرّواية تعيش تناقضا واضحا بين غرائزها وشبقها وتعلّقها برجل آخر غير زوجها، وبين كونها زوجة لرجل مخدوع ووالدة لطفل بريء. وهي تعيش عذاباتها من الخيانة الزّوجيّة التي تمارسها، لكنّها في نفس الوقت كانت تعيش ملذّاتها مع عشيقها، وتناقضاتها هذه جعلتها تكذب على زوجها المخدوع فتدّعي المرض تارة لتبرّر لزوجها سبب بكائها من سلوكها وقناعاتها المتناقضة، ونجحت في ذلك، وعندما اختارت الكاتبة أن يكون عشيق الزّوجة طبيب أسنان لم يكن اختيارا عبثيّا، بل لتسهلّ على بطلة الرّواية كيفيّة اللقاء بعشيقها في عيادته الطّبّيّة.
نجحت الكاتبة في تصوير نفسيّة المرأة العاشقة وتعلّقها بعشيقها وغيرتها عليه، تماما مثلما نجحت في تصوير نفسيتها وهي تخدع زوجها، وتهمل طفلها وبيتها.
وقال عبدالله دعيس:
تحكي الكاتبة في رواياتها المتعاقبة عن العشق، وتطرق باب الحبّ بكل جرأة، وتتخطّى الحدود التي لا يرغب كثير من الكتّاب تجاوزها، لتحكي قصة عاشق أو عاشقة يتلوّع في أتون العشق والاضطراب النفسيّ، في مجتمع قد لا يتقبّل هذا ولا يعترف به، أو يترفّع عنه ساترا له أو متناسيا لوجوده أو منكرا له. لكنّ الكاتبة ترفع الغطاء بجرأة، وتكشف ما يحرص كثيرون على إخفائه، فتصيغ قصص عشق تسبر من خلالها أغوار النفس الإنسانيّة وتصف خلجاتها وتقلباتها، وتبيّن لحظات قوّتها وأزمان ضعفها.
وكما يوحي عنوان الرواية، فإنّ الكاتبة تحكي قصة امرأة اكتوت بنار العشق الممنوع، ودخلت في صراع نفسيّ، تتقاذفها لحظات الضعف والتمسّك بالعشيق، ولحظات عذاب الضمير والشعور بالخطيئة. فهيام، بطلة الرواية، امرأة لها زوج يعطيها مساحة واسعة من الحريّة ولا يقوم بالدوّر الرجولي المتسلّط، وطفل كان يمكن له أن يملأ حياتها بهجة وسرورا، لكنّها لا تقنع بدفء هذه العائلة وعلاقاتها النظيفة الطاهرة، وتقع في عشق طبيب الأسنان الذي تداوم الذهاب إلى عيادته وتتعلّق به تعلّقا مرضيّا مريعا، فيملك قلبها وعقلها، ولا تستطيع أن تنسى طيفه، ولا تستطيع الابتعاد عنه حتى عندما يعاملها بكل برود وعدم اكتراث. وفي المقابل تهمل بيتها وزوجها وابنها، وتقضي ليلها ونهارها تفكّر في حبيبها الذي لا تجد وسيلة للظفر به، أو متصفحة لحاسوبها تراقب صفحة الفيسبوك الخاصّة به، تتحرّق غيرة ولظى بسبب علاقته بنساء أخريات. فتعيش صراعا حادّا بين عشقها وبين مبادئها ومعتقداتها وقيمها التي تربّت عليها في مجتمعها المحافظ.
شخصيّة الراوية الرئيسيّة (هيام) هي المسيطرة على الرواية، فكل أسطر الرواية تبيّن ما يدور في صدرها وما تشعر به. وقد استحدثت الكاتبة طريقة في التعبير: فالبطلة تخاطب حبيبها (ثائر) وكأنّه ماثل بين يديها، تحدّثه عمّا يجول في خاطرها، وعن عائلتها، وعن نفسه، وتصف له ما قام به وما يقوم به، فتبدو الرواية وكأنّها خطاب موجّه إلى هذا الطبيب الذي لا يعنيه شيء مما يدور في نفس هذه المعذّبة. وقد استفزّني أنها تخاطب هذا الرجل حتّى عندما تتكلم عن تقصيرها بحق ابنها وعن خجلها من والدها ووالدتها، فحتّى هذه المشاعر تبثّها له وكأن كل الدنيا قد تلخّصت في هذا الشخص الخائن لمعاني الإنسانية وشرف مهنته.
نهاية الرواية غير مقنعة، فقد انتهت الرواية كما بدأت. بدأت بهيام تعشق ثائر وتتألم لبعده، وانتهت بهيام وهي ما زالت تعشق ثائر رغم فتور مشاعره تجاهها، وتتعذب لفراقه وتسعى للقائه حتى بعد أن حذفها من قائمة أصدقائه على الفيسبوك. فهيام الخاطئة بدأت خاطئة وانتهت خاطئة، وحتّى عندما تحوّلت فجأة إلى واعظة في نهاية الرواية لم تتخل عن خطيئتها.
إن للكاتبة مزيّن يعقوب برقان قدرات هائلة في تطويع اللغة، وصياغة العبارات، ويبدو من كتابتها أنها صاحبة ثقافة واسعة وإطلاع على الأدب العالميّ، وتمتلك الخيال والحس المرهف والقدرة الكبيرة على وصف العمق النفسي لشخصياتها، فحبذا لو سخّرت قدراتها هذه في موضوع يمسّ مشاكل المجتمع وهموم الإنسان الفلسطينيّ، لكان أكثر تشويقا وإثارة وأكثر نفعا.

