- 18 نيسان 2016
- ثقافيات
بقلم: محمد أبو لبدة
عند الحديث عن تركيب كاميرات المراقبة في باحات المسجد الأقصى المبارك، لا بد لنا من الاشارة الى جانبين، الأول ان اتفاق تركيبها بين اسرائيل والاردن بوساطة اميركية جاء لكون الاردن يتمتع بحق الوصاية على المسجد الأقصى ومرافقه الواقعة على مساحة ١٤٤ دونماً والتي تضم الجامع القبلي والمسجد المرواني ومسجد قبة الصخرة المشرفة وكل مبانيه وساحاته.
وقد جاءت هذه الوصاية الاردنية او بالادق الهاشمية على المسجد الأقصى منذ بيعة الشريف الحسين بن علي في شهر آذار عام ١٩٢٤ م، واستمرت بعد ذلك عندما تم ضم الضفة الغربية الى الاردن في اعقاب النكبة عام ١٩٤٨م في مؤتمر عقد لهذا الغرض، وبموجب القانون الدولي فإن الاردن يعتبر الوصي على هذه المقدسات بعد النكسة عام ١٩٦٧م واحتلال اسرائيل لبقية ارجاء فلسطين، وبعد ذلك ما نصت عليه اتفاقية وادي عربة بين اسرائيل والاردن عام ١٩٩٤م، الى ان وقع الرئيس محمود عباس على اتفاقية الوصاية الهاشمية مع الملك عبدالله الثاني عام ٢٠١٤م.
اما الجانب الثاني فهو ان هذا الاتفاق على تركيب كاميرات المراقبة، جاء في اعقاب بدء الانتفاضة والتي اطلق عليها اسم انتفاضة الأقصى، لكونها جاءت على خلفية الانتهاكات الاسرائيلية شبه اليومية لحرمة المسجد الأقصى، وفرض تقسيمه زمانياً، في محاولة للوصول الى تقسيمه مكانياً كما حصل في المسجد الابراهيمي في الخليل.
ففي اعقاب اندلاع الانتفاضة والتي تسمى ايضاً انتفاضة السكاكين على هذه الخلفية من جانب وبسبب الانتهاكات والممارسات الاسرائيلية الاخرى بحق الانسان الفلسطيني وارضه وممتلكاته في بداية شهر تشرين الاول من العام الماضي سارعت الولايات المتحدة الاميركية الى العمل من اجل احتوائها والحيلولة دون امتدادها الى بقية ارجاء الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقام جون كيري بزيارة للاردن التقى خلالها مع الملك عبدالله الثاني وكذلك مع الرئيس محمود عباس من اجل العمل على وقف هذه الانتفاضة، وتم في ٢٥ تشرين الاول من العام الماضي التوقيع بين الاردن واسرائيل على اتفاق تركيب كاميرات في باحات المسجد الأقصى لمراقبة انتهاكات المستوطنين المتطرفين للمسجد والتي هي السبب الرئيس لاندلاع الانتفاضة، بل هي الشرارة التي ادت لاندلاعها من اجل قيام الاردن باللجوء الى القانون الدولي في حالة استمرار الانتهاكات الاسرائيلية بحق المسجد الأقصى والمرابطين والمرابطات في داخله، ولنفي الادعاءات والمزاعم الاسرائيلية من ان الجانب الفلسطيني هو الذي يقوم بالتصدي للاسرائيليين اثناء ما يسمونه زوراً وبهتاناً بزيارات للحرم القدس الشريف، وان هؤلاء الاسرائيليين لا يؤدون طقوسهم الدينية داخله.. الخ من ادعاءات كاذبة في حين ان الحقيقة هي سعيهم لتقسيم الحرم الشريف مكانياً بعد ان قسموه زمانياً حيث يحظر على الفلسطينيين دخوله في ساعات محددة من كل يوم باستثناء يوم الجمعة من كل اسبوع.
ومنذ الاعلان عن التوصل لهذا الاتفاق بين الاردن واسرائيل برعاية اميركية انقسم الفلسطينيون بين مؤيد ومعارض لهذا الاتفاق او لهذه الخطوة على اعتبار انها تشرع للاحتلال التدخل بصورة رسمية في المسجد وخوفاً من ان تؤدي هذه الكاميرات الى نتائج سلبية على المصلين والمرابطين والمرابطات.
صحيح ان الاردن قدم تطمينات بشأن هذا الاتفاق والذي هو كما ذكر اكثر من مسؤول اردني هو مبادرة اردنية، وصحيح ايضاً بأنه لا شكوك من قبل الجانب الفلسطيني سواء الرسمي او الشعبي من هدف الاردن من هذا الاتفاق او هذه المبادرة الاردنية التي وافقت عليها اسرائيل واعلنها جون كيري عقب لقائه مع الملك عبدالله الثاني، الا ان الجانب الشعبي وبعض المسؤولين الفلسطينيين لديهم تحفظات سببها الخوف من قيام اسرائيل باختراق هذه الكاميرات ورصد الذين يتصدون لمقتحمي الأقصى من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة والتي تسعى الى هدم المسجد الأقصى واقامة ما يسمى الهيكل المزعوم مكانه.
وقد جاء التطمينات الاردنية من اكثر من مسؤول اردني فقد اكد على سبيل المثال وزير الدولة الاردني لشؤون الاعلام محمد المومني ان الاردن يهدف من وراء تركيب هذه الكاميرات الى توثيق الانتهاكات والاقتحامات الاسرائيلية لهذه المقدسات الاسلامية وتمكين مليار وسبعمائة مليون مسلم من متابعة ما يجري في ساحات الأقصى عبر شبكة الانترنت.
وبين هو ووزير الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية الاردني هايل داود ان دائرة اوقاف القدس التابعة لوزارة الاوقاف الاردنية ستكون هي المسؤولة من متابعة الكاميرات، واشارا الى الاهمية المعنوية والدينية والقانونية لمثل هذه الخطوة الهادفة الى حماية المقدسات من اية انتهاكات اسرائيلية.
وقال المومني: كانت اسرائيل تنكر دائماً مسؤوليتها عن اي اقتحام وتلقي الاتهام على الجانب الفلسطيني وبالتالي فإن الكاميرات ستفضح اي ادعاءات او تشويه للحقيقة.
واضاف ما يهمنا ان تكون الرؤية الاردنية واضحة في هذا المجال سواء لدى الرأي العام الاردني او لدى الاشقاء الفلسطينيين الذين يدعموننا في هذا التوجه وامام العالم الاسلامي، بأن الهدف من تركيب هذه الكاميرات هو توثيق اي انتهاك اسرائيلي لمساعدة الاردن سياسيا ودبلوماسيا وقانونيا اذا لزم الامر للجوء الى القانون الدولي.
وعلى الجانب الرسمي الفلسطيني اكد الرئيس محمود عباس على الموقف الفلسطيني بالموافقة على ما يوافق عليه الاردن بشأن تركيب كاميرات المراقبة.
وجاء هذا التأكيد عقب اجتماعه في رام الله مع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الاردني ناصر جوده في ٢٤ من الشهر الماضي، وقال ان المقدسات هي تحت الوصاية الاردنية الى ان يتم تحرير القدس واقامة الدولة الفلسطينية.
وعبر عن نفس الموقف اكثر من مسؤول فلسطيني بينهم الدكتور صائب عريقات امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مسؤول ملف المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي المتوقفة حاليا بسبب الانتهاكات الاسرائيلية واشتراطاتها لاستئناف هذه المفاوضات والتي هي بمثابة العراقيل لتبرير رفض اسرائيل للسلام وحل الدولتين.
اما على الجانب الشعبي الجماهيري فقد لقيت الخطوة او الاقتراح الاردني معارضة واضحة من قبل المواطنين المقدسيين وكذلك من قبل المرابطين والمرابطات في المسجد الاقصى، ومن قبل عدد من خطباء المسجد الاقصى المبارك.
ويعود هذا الرفض الجماهيري المقدسي الى التخوف كما اشرنا سابقا من اختراق اسرائيل لهذه الكاميرات وبالتالي اعتقال المتصدين والمتصديات للاقتحامات الاسرائيلية للمسجد، خاصة وان اسرائيل نصبت العديد من الكاميرات داخل البلدة القديمة في القدس، وتساعدها هذه الكاميرات في اعتقال الشبان المدافعين عن الاقصى بشكل خاص ومدينة القدس بشكل عام من اجراءات التهويد التي طالت وتطال كل شيء في محاولة اسرائيلية لتزوير تاريخ المدينة.
اي ان تجربة اهالي القدس مع الكاميرات التي نصبتها اسرائيل داخل البلدة القديمة من القدس هي مريرة وبالتالي جاء رفضهم لنصب كاميرات في باحات المسجد الاقصى الذي هو خاص بالمسلمين ولا يحق لاحد الاطلاع على ما يجري داخله، لكونه ملك خالص للمسلمين وليس لسواهم اي حق في التدخل بداخله.
كما يتخوف المقدسيون من انه في حالة خرق اسرائيل لهذه الكاميرات، فانه سيسهل عليها تحديد المكان الذي يسعى المتطرفون اليهود لاقامة اليهود الهيكل المزعوم داخل الحرم الشريف بعد ان يتم هدم الاقصى، ويطالب هؤلاء الاردن الشقيق بالتخلي عن نصب هذه الكاميرات والتوجه للعالم وللامم المتحدة وجميع المؤسسات الدولية من اجل وقف الانتهاكات الاسرائيلية التي هدفها فرض التقسيم المكاني داخل الاقصى بعد ان تم فرض التقسيم الزماني عليه وان ادعاءات اسرائيل بالحفاظ على الوضع القائم هي ادعاءات زائفه، خاصة وانها تهدف بالحفاظ على الوضع القائم هو ما فرضته عقب اندلاع الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠م، حيث اصبحت تتدخل في شؤون الحرم الشريف، بعد ان كانت المسؤولة عنه قبل ذلك الاوقاف الاسلامية.
كما يطالب المقدسيون بأن يكون الحفاظ على الوضع القائم هو الوضع الذي كان قبل عام ٢٠٠٠م اي ان الاوقاف الاسلامية هي المسؤول الاول والاخير عن الحرم القدسي الشريف.
بقي القول انه في خضم هذا الجدال بين التأييد والمعارضة تواصل اسرائيل حفرياتها اسفل المسجد الاقصى المبارك، وهو ما يشكل خطورة كبرى لأن المسجد مهدد حاليا بالانهيار امام اية عوامل جوية وهو ما تسعى اسرائيل اليه لاقامة الهيكل المزعوم مكانه، حيث صرح اكثر من مسؤول ومن حاخام اسرائيلي بحق اليهود بما يسمونه جبل الهيكل وهو الحرم القدسي الشريف.
ان الجهود يجب ان تنصب على العمل من اجل وقف هذه الحفريات الخطيرة، الى جانب العمل على وقف عمليات تهويد القدس القائمة على قدم وساق، والحيلولة دون وضع موطىء قدم رسمي لاسرائيل داخل الحرم الشريف.
عن القدس

