- 20 شباط 2018
- ثقافيات
بقلم : خليل التفكجي
( هذه الورقة قدمها الباحث والخبير خليل التفكجي رئيس دائرة الخرائط في بيت الشرق في مؤتمر عن القدس عقد في المغرب هذا الشهر ، ويسعدنا في ” اخبار البلد“ ان نقدمها كما هي )
القدس مدينة عربية إسلامية، هي قلب الحضارات والمعتقدات، وهي المدينة الطهور كما يعني اسمها، وهي المدينة الوحيدة التي تجتمع فيها رموز الاديان الثلاثة، معراج نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ودرب السيد المسيح عليه السلام، فهنا عذب وضرب وصُلب، وصعد الى السماء. وهنا يحج المسيحيون. وأما اليهودية فإن رموزهم من عين سلوان والى مدينة النبي داؤود وسليمان . وعليه فإنها تتعدى ذلك بكثير فهي عاصمة السماء ومدينة الروح. فهي المدينة المتميزة عن سائر المدن في أيامنا هذه وكذلك كانت ظاهرة غير عادية على مدى التاريخ الانساني، فإذا نظرنا الى خارطة المنطقة التاريخية لشهدنا قيام مراكز حكم وحضارات أقدم منها ليس في فلسطين فحسب بل في غيرها من المناطق كمصر أو العراق، حيث نشأت مدن أهم منها أضعافاً مضاعفة في عصور لم تكن القدس فيها معروفةً أبداً. لقد كانت كل من القاهره وبغداد أول مراكز الحكم القديمة وتعتبر أكبر من القدس من حيث المساحة وعدد السكان ليس في هذين المجالين فحسب بل من ناحية النشاط الفكري والعلمي فيهما. حيث تركتا آثار لن تمحى من الذاكرة الانسانية (برج بابل) في العراق (الاهرامات) في مصر. كذلك فإن أياً من عجائب الدنيا في نظر الاقدمين لم يرتبط بأسم القدس. كما أنه لم تُكتشف القدس في كنوز أثرية ذات مضمون هام، مثل تلك التي أكتشفت في (مملكة إبيلا) شمال سوريا، أو (الحضارات الحثيّة) في تركيا. ومع ذلك فإن الاثر الذي تثُيره القدس في الذاكرة الانسانية أعمق من الاهمية النسبية التي كان من المتوقع تُثيره إستناداً الى الِكبَر النسبي لمساحتها وعدد سكانها في الماضي أو الى آثار الحضارات المادية التي بقيت من المراحل الأولى لتاريخيها سواء في المدينة نفسها أو في المتاحف المختلفة في العالم. أن مصدر الانطباعات القومية التي تعكسها القدس في إذهان العامة والخاصة عبر التاريخ وحتى أيامنا هذه ناجمة عن أهميتها الدينية والثقافية .
ان العلاقة الوثيقة بين القدس والمسيحية تعود الى أخبار صَلب المسيح وموته (صَلبه ، وقبره ) . فأصبحت المدينة ذات مكانة مركزية في الذاكرة التاريخية لسكان أوربا وحكامها في القرون الوسطى وبعدها العالم الجديد. كما أن ظهور الدين الاسلامي في الجزيرة العربية ، ومعراج الرسول. فقد أحتلت مكانة مركزية في الديانة الاسلامية فكانت أولى القبلتين وهنا عرج الرسول عليه الصلاة و السلام.
القدس في الفترة الاسلامية
تعتبر الفترة التي تمتد ما بين طرد البيزنطيين من القدس وسقوطها تحت الاحتلال الصليبي ذات أهمية بالغة. فالمدينة لم تتحول الى مدينة عربية، إلا في ظاهرها (كثير من المباني المسيحية بقيت كما هي) أما تركيبّتها السكانية فهي خليط من أعراق مختلفة وهذا سر من أسرار المدينة حتى الوقت الحاضر. لقد جاء الدين الجديد ولغة جديده . وظهرت أهمية المدينة من الناحية الاستراتيجية في الفترة الاسلامية، وأصبحت مركزاً لأداء شعائر الدينية والحجيج. وبعد الفتح بوقت قصير أستوطن فيها صحابة معروفون من بينهم (حسان بن ثابت) شاعر الرسول عليه الصلاة والسلام، أبن اخيه (عبادة بن الصامت) (المدفون في مقبرة باب الرحمة) . وغيرهم كثيرون من أهل المدينة المنورة . إن إنتقال الحكم الراشدي الى الاموي وإنتقال مركز الخلافة من المدينة الى دمشق في الفترة الاموية وأختلاط الحضارات البيزنظية والفارسية أدى الى ظهور الحضارة العربية الاسلامية، وأدى هذا الاختلاط الى تغير النمط في الثقافة والبناء ، فأقيمت الدواوين والمباني ، وسُكّت العملة مما أدى الى نشوء الدولة بهيكلها مستفيدة من النظام البيزنطي الموجود في دمشق ، كما أن الفتوحات الاسلامية أدت الى تدفق الاموال الطائلة مما سمح للخلفاء الامويين بإقامة المباني الاسلامية الضخمة (المسجد الاموي في دمشق) و(قبة الصخرة في القدس). وهو أقدم مبنى إسلامي بقي على حاله بالرغم من الترميمات التي أجريت عليه على مر الاجيال. فبعد مرور ستين عاماً على فتح القدس أي في نهاية القرن السابع قام الخليفة الاموي (عبد الملك بن مروان) ببناء المسجد القبلي.
خضعت القدس الى حكم المماليك وشهدت المدينة عصراً ذهبياً من الناحيتين الحضارية والمعمارية حيث أبرز المماليك القيمة الروحية والدينية للمدينة، فإنشئوا دور العلم والمدارس والمساجد التي ما زالت معالمها موجودة حتى الآن. ولعبت المباني الدينية دوراً رئيسياً في تحديد الهوية المعمارية للمدن، فالشخصية البصرية للمباني الدينية هي الأكثر إنتشاراً والأقوى حضوراً في النسيج المعماري للمدن. وذلك لإرتباطها المباشر بعامة الناس، ولمكانتها الروحية وقيمتها الفنية. ولما كانت القدس مدينة دينية، فاليهودية تدعي الارتباط بها، والمسيحية واضحة الارتباط والحضور فيها، وأما الإسلام فهو الأقوى حضوراً فيها لأنها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وقد رعى المسلمون المدينة وأنبتوا فيها بيئة ثقافية رائدة تأصلت في علمائها وشيوخها وأدبائها، فأقاموا الزوايا والمباني العمرانية، والمدارس الدينية، فقدموا للانسانية إبداعات علميه، كانت عاملاً في تقدم العلوم والفنون والأدب، عند كل الأمم التي تواصلت مع صُرّة العالم وملتق أقطاره. إن السائر في أزقة وطرقات البلدة القديمة، يرى التاريخ والأقوام التي مرت بها، من مصاطب العلم، الى الزوايا التي أعتكف بها النساك والمدارس الفقهية التي أنجبت خيرة العلماء، ومر بها الرحالة الذين وصفوا المدينة خير وصف، من الحارات، والشوارع، والأزقة، الى المباني ومناخها وأسواقها.
المسجد الاقصى (الحرم القدسي):
يقع المسجد الاقصى في المنطقة الجنوبية الشرقية للبلدة القديمة من القدس على مساحة (144 دونماً) من أصل (879 دونماً) ويشكل الحرم القدسي فضاءً بصرياً واسعاً جداً وبه مبنيان مركزيان هما. (قبة الصخرة والمسجد القبلي)، وهناك مجموعة من المباني والمدراس المقامة على ضلعيه الغربي والشمالي، وهذه المباني شّكلت في مجُموعها حرماً جامعياً. إستقَّطب نخبَة من العلماء وخَّرج نخبة منهم، كما يضم الحرم مجموعة من العناصر والمفردات المعمارية (كقبة السلسلة) وغيرها من القباب وقبر (برهان الدين الرخامي) (وسبيل قايتباي). أما تحت الارض فيشمل المصلى المرواني الكائن في الزاوية الجنوبية الشرقية للحرم، كما تشمل تسوية مبنى المسجد الاقصى والمداخل الثلاثة الكائنة في الواجهة الجنوبية التي تؤدي الى مساحة الحرم والى المصلى المرواني . الحرم برمزيتَه الدينية وفضائه البصري ومبنييّه المركزيّين، وخاصةً قبة الصخرة، يفرض حضوره على النسيج المعماري للمركز التقليدي (البلدة القديمة)، ويشكل هويته المعمارية العربية الاسلامية.
قبة الصخرة:
تتمع قبة الصخرة بمزايا عديدة ، دينية ومكانية وتاريخية ومعمارية وجمالية وإتقانية ، شكلت منها شخصية بصرية ذاتَ حضور طاغِ ومسيطر يأخذ بالألباب ويذهب بالعقول ويبهج القلوب ويسكُن في الوجدان ، وتعشقه النفوس، خاصةً القادم من الشرق، حيث ُتَبرز له قبة الصخرة، فيتفاجأ بموضَعيتها الحضارية الرائعة وشكلها الرشيق ، ونسبتها الجميلة المتناسقة، والوانها الزاهية البراقه، التي تدهش الناظر وتسلبه وعيَّه للِحظات يحتاجها العقل للإدراك. وأهم المزايا التي تتمتع بها الشخصية البصرية لقبة الصخرة هي موضَعتها الحضرية، والمقصود هو موقع الصخرة داخل الحرم القدسي، ومن ثم داخل المركز التقليدي. وتعتبر قبة الصخرة أقدم بناء معماري على حالته الاصلية منذ الاسلام فالشكل المعماري بقي كما هو ولكن اختلفت أعمال الكسوةِ ومواد البناء أما عناصر المبنى فلم يطرأ عليها أي تغيير من زيادة أو نقصان . وحتى تم إجلاء أي تناقض قد يتبادر الى الذهن بأن الكعبة المشرفة هي أقدم من قبة الصخرة فهذا صحيح ، إلا أن الكعبة بنيت قبل الاسلام أما قبة الصخرة فبنيُت في الاسلام . وأما المسجد النبوي والحرم المكي فلم تكتمل شخصيتها البصرية، بفترة زمنية طويلة، وتحديداً في عهد الخليفة العباسي المهدي، ناهيك على أنها أولى القبلتين والجزء الاقدم من ثالث الحرمين الشريفين. أما كنيسة القيامة فهي تتمتع بقيمة ورمزية دينية مسيحية فهنا يحج المسيحيون ويسيرون بطريق الآلآم حتى يصلون الى كنيسة القيامة مكان الصَلب والجلجَلة وقبر المسيح ، وهذا الرمز الديني يشكل بؤرة النشاط الديني والاجتماعي، والثقافي، والتجاري، وهكذا فإن الحضارة الاسلامية وقبلها الحضارة الرومانية، والبيزنطية وقبلها الكنعانيون، واليبوسيين، التي تدل على جذور العرب والمسلمين الراسخة رسوخ الجبال في هذه البقعة من الارض والتي لا يمكن تغييرها مهما جرى عليها من تغيير.
الحياة الأدبية والثقافية :
جاء الفقهاء بعد الفتح الاسلامي للدراسة وتدريس الفقه الاسلامي، وحظيت المدينة في الفترة الاموية بأهمية بالغة كمدينة رحل اليها الادباء والعلماء وأصحاب الفكر، وأقيمت الزوايا وحلقات الذكر وعجت المدينة بأسماء العشرات من الفقهاء القادمين من جبال فارس وخراسان، وحتى من بلاد ما وراء النهر الذين قدموا وأستوطنوا في مدينة القدس أو مكثوا فيها مدة طويلة من الزمن. ومكث في المدينة أدباء التصوف الفارسي(ابراهيم بن أدهم، وأبي يزيد البسطامي، وبشر الحافي). وأطال الزهد في صف قدسية المدينة. وكذلك تواجَد (الإمام الغزالي) وأعتكف فيها منعزلاً وقطع علاقته بالحياه ، وهنا الف في أشهر مؤلفاته (إحياء علوم الدين) ومن العلماء أيضاً (المقدسي) وهو ذو أهمية بالغة والف الجزء الاعظم في مؤلفَة الجغرافي ولقب أكبر جغرافي في جميع الاجيال، حيث تجتمع عنده نظرة ثاقبة وفهم علمي في الأمور الاجتماعية والاقتصادية ونظرة متعمقة وذوق رفيع. وكذلك (المطهر بن طاهر) مؤلف كتاب (البدء والتاريخ) وهو يتعرض كثيراً في كتابه للديانات والمعتقدات غير الاسلامية . وعالم آخر (المقدسي وسبتي) وهو أبو سليمان مؤلف (رسائل أخوان الصفا) الشهيرة والتي كان لها الأثر على آداب القرون الوسطى. أما (فضائل بيت المقدس ) للمؤلف (محمد بن طاهر القيسراني) وهو لغوي ومحدث ومتصوف. وفي النهاية نذكر (زعيم الجيل) وسيد زمانه ابو الفتح نصر بن إبراهيم(شيخ الشافعية في سائر سوريا).
إن مدينة القدس أستوعبت جميع المِلل والطوائف والاجناس فكانت خليطاً انتج حضارة ما زالت قائمة تشاهدها بأم العين سواء أكانت بالمكتبات أو الزوايا وروح التسامح بين الاديان. فحافظ المسلمون على الأماكن الدينية والتاريخية دون تغيّر وتشاهد وأنت تسير في أزقتها وطرقها تاريخ الحضارة دون تزيّف فكانت القدس رمزاً وستبقى أيقونة مهما حاولت آلة الهدم والتغيّر العبث بمكوناتها وتغير المشهد العربي الاسلامي .

