• 20 نيسان 2020
  • ثقافيات

 

بقلم : تحسين يقين

 

ما زلت أقرأ ردود فعل المفكرين والناس والأطفال!

ولعل ما سيبقى بعد زمن قريب هو الكوميديا حدّ السخرية..

وهذا العالم نعوم تشومسكي يحلل الان وغدا، ما بعد الكورونا وربما ما بعد لما بعد الحداثة!

مثلي مثلكم/ن أشعر وأفكّر هنا، في البيت والشارع وتحت الشجر والكون..

لعلي أعيد اكتشاف ذاتي؟ لكن لم يتغير الكثير، لم أكن مثلا أحتاج لكورونا حتى أشعر بقيمة الأشياء..والسلامة أولا والسلام شقيق اللغة والقيمة.

رحم الله جدي حسن "أبو عزات" عاش مائة عام، فكانت خلاصته في الحياة كلمتان: السلامة مكسب. أما الشاعر الذي تنقل بين البلاد بحثا عن الرزق، فقال خلاصته:

لقد طَوَّفتُ في الآفاقِ حَتّى رَضيتُ مِن الغَنيمَةِ بالإيابِ

إنه مِن قول امرئ القيس، الحكيم والفيلسوف، والذي لعلنا نعود اليه لنقرأ ونتعمق.."يما هالدنيا مش محرزة هالزعل..كل اشي بنحل بهدوء" تلك كلمات أمي رحمها الله.

ما زال في وانا الخمسيني فتى رومانسي يحلم بالهدوء..وبزنابق محمود درويش البيضاء..

أقرا الآن وأفكر في كيفية توظيف الناس والنخب لكورونا:

في البدء كان الانسان مهتما بتيسير أمور حياته وخصوصا تلك التي تتعلق بوجوده المادي، ثم مع تقدم الانسان من الجماعات القبلية الى الوجود المدني أصبحت هناك حاجة الى الفكر الذي يعنى بوجود الإنسان المعنوي، ومن هذه المنطلقات ظهرت الحضارات وما صاحبها من فلسفات وعلوم وآداب ثم تلا ذلك توسع تلك المجتمعات المدنية على حساب الأقاليم القريبة والبعيدة، ومن هنا نشأ الصراع بين الحضارات، ذلك الصراع الذي كان في أغلبه عسكرياً، وما ذلك الصراع الخارجي ببعيد عن الصراع الداخلي داخل المجتمع الواحد. كل هذه الأمور كانت أرض خصبة لولادة الفلسفة والآداب الملحمية التي تعنى بالحركة الجماعية لامة ما في الحرب والسلم مسجلة أحداثاً تاريخية حقيقية ممزوجة بالأساطير والخيالات.

مع الزمن تهذبت هذه الصراعات وأخذت شكلاً أرقى، فبعدما ما كان الصراع ماديا على الأرض والثروات، أصبح مصبوغا بالأيدولوجيا والقيم الفكرية والأخلاقية لكن أساسها مادي صرف إلا ما ندر وهذه الازدواجية أدت بالفلاسفة إلى السخرية من هذا التناقض وهذه تتم في مرحلة متقدمة من الحضارة، إن آخر مرحلة يمكن أن يبلغها تاريخ أي حضارة هي الكوميديا، فالناس يصفون تاريخهم ولكنهم لا يصنعونه كما يفضلون أن يكون ولا يصفونه في ظروف يختارونها ولكن تحت ظروف أمليت عليهم ونقلت إليهم من الماضي. والكوميديا هي الأقدر على كشف المهازل الحضارية من الصراعات الداخلية والخارجية، وأيضا الصراع النفسي داخل الشخصية الواحدة, ولأن الكوميديا تكشف القناع عن الوجه القبيح للصراعات فإنها تدفع إلى وقف تلك الصراعات، وإن خوف السلطات من مسرحية كوميدية لاذعة كفيل بتسليط الضوء على أهمية الكوميديا، ومن هنا أصبح لزاما على أساتذة الفلاسفة الإنسانية "اليونان" في الماضي الحديث عن هذا الجانب جنباً الى جنب مع الحديث عن التراجيديا فألف أر سطو في التراجيديا والكوميديا لكن فصولا من كتاب الكوميديا اختفت وضاعت أو احترقت لا أحد بالضبط يعرف كيف اختفت ولماذا؟ 

أما الظروف التاريخية التي ضاعت فيها هذه الفصول وغيرها من الآثار اليونانية، فهي أنه عقب سقوط روما في القرن السادس الميلادي. جعل أصحاب الديني المسيحي التراث اليوناني حبيس كنائس بيزنطية وأديرتها، والسبب يعود إلى أن هذه الآداب اليونانية كانت تقوم على تعدد الآلهة والأرباب، لذلك ظل التراث الإنساني بعيداً عن بصر الأدباء والمفكرين حتى بعثت من مرقدها في عصر النهضة الأوروبية، فكانت وثنية اليونان حاجزا دفع بأنصار الدين الجديد إلى رفضها كلها، ولم تتمكن البشرية من الاستفادة منها إلا بعد البعث الأوروبي كما أسلفت، وهذه الفجوة الحضارية قد أخرت التطور الإنساني وحدت من انطلاقته، ولولا جهود العرب في حفظ ما تيسر منها وترجمتها. لكان الحال أسوأ، رغم أن العرب المسلمين لهم موقف سلبي من الوثنية، ونحمد الله أن تراث اليونان لم يحرق كله، ذلك أن حضارة الإنسان مجتمعه ما هي الا سلسلة من الحقبات المتصلة والمتداخلة، وقد وجد جامعو التراث اليوناني اسماً لكتاب الكوميديا لأرسطو لكنهم بحثوا عنه ولم يجدوه. ونحن نتحسر على ضياع مثل هذا الكتاب الفريد الذي لم يملأ مكانه أي كتاب آخر في موضوعه، والجدير بالذكر أنني شاهدت فيلماً سينمائياً عن رواية امبرتو ايكو بعنوان "اسم الوردة" يتحدث في جانب منه عن هذه الكتب وخصوصا كتاب الكوميديا والذي يظهر حرص أحد الناس في الحصول عليه، وحرص أحد رجال الدين في التعرف على الكتاب وحده والقراءة فيه ويظهر الفيلم أيضا كيف أنه من كان يقرأ هذه الكتب يمت وكانوا يرجعون موتهم إلى لعنه تصيبهم أو سحر أو ما شابه ذلك، لكن تبين وهذا معروف قبل رؤية الفيلم –أن سبب الوفاة يعود الى الصفحات المسمومة للكتاب، فإذا قرأ فيه أحدهم واستخدم ريقه في بل إبهامه في طي الصفحات لهذا الكتاب وغيره، ينتقل السم من إبهامه إلى لسانه ويموت مسموماً. وهم يعتبرون هذا جزاء عادلاً، لذلك لجأ هذا الراهب الى وضع كفوف من القماش لئلا يتسمم، لقد أظهر الفيلم أن كتاب الكوميديا يحرق، فماذا كان في هذا الكتاب ليخفي أكثر من غيره عن العيون؟

أن رجل الدين كان يخشى على المؤمنين إذا قرؤوا أن يولد فيهم سخرية تجاه كل الأشياء الصغيرة والعظيمة الأبطال والناس والآلهة أي الخالق والمخلوق على حد سواء وهذا ما يخشاه لإيمانه بجدية وقدسية الدين وسائر المقدسات في حياتنا، وهذا لا يعني بالطبع أن أرسطو قد سخر من المقدسات الدينية المسيحية، لأنها لم تكن موجودة عنده، بل ان القراءة في كتاب الكوميديا المفقود يدفع الإنسان إلى السخرية من الأشياء ورؤيتها من زاوية كاريكاتورية ساخرة، وأني استنتج أن الكتاب لم يكن منتشراً بما فيه الكفاية في عهد كاتبه وما بعده، إذ لو كان الأمر غير ذلك لعلمنا بتأثر الأدباء والمفكرين في عصره به وربما هناك من يدرس هذا الأمر وهذا يعني أن السلطة الحاكمة لم تكن متحمسة لكتاب الكوميديا.

لقد مثل اختفاء هذا الكتاب وما شابهه ضياع لبنة مهمة في الحضارة الإنسانية، لذلك طغت الجدية المفرطة في حياة الأفراد داخل النفس الواحدة وفي حياة المجتمع وانفتاحه على بعضه بعضاً، وفي علاقة المجتمعات على الصعيد الخارجي، ورأينا ونرى كم جلبت الجدية وما زالت تجلب للإنسان الظلم والاضطهاد، وما التفتيش والحرس القديم إلا حدود وقيود تبعد المجتمعات عن بعضها بعضاً وتقلل من فرصة الالتقاء من أجل الوصول إلى الوحدة الإنسانية.

فلو أتيح للبشرية التعرف على كتاب الكوميديا لوفر على الشعوب الكثير من الحروب، والنقد الساخر أقرب إلى النفوس فهي تفعل فعل التراجيديا في التطهير ذاته، لأنها تبين السخف الذي يصيب النفوس والأفراد والجماعات والأنظمة، فيدفع بها إلى الصراع التاريخي الطويل الذي لا مبرر له وما هو إلا شهوة الشر التي تسيطر على بعض الناس فتصيب العدوى الباقين.

فمأساة البشرية إنها لا تدرك إلا بعد فوات الأوان، ومأساتها الحقيقية هي في التعامل مع الآخر وفهمه فهماً أخر خاطئا، فبدل من كونه معيناً نجعله عدواً، فليس العدو الإنسان، بل عدوك ما يقف حائلاً بين الإنسان وبين الارتقاء، العدو هو الآفات والأمراض وكوارث الطبيعة وتحديها للإنسان.

إن الإنسان الفرد إذا ضحك من نفسه وعليها فقد عرفها على حقيقتها بسيئاتها وحسناتها، وبذلك نبعد هالة التقديس التي نحيط أنفسنا بها ونكف عن التفكير أننا وحدنا الذين يحق لهم العيش والتفكير والحكم والإدارة.

إننا نتكلف ونبدو أمام الآخرين صارمين حتى لا يطمع فينا أحد، والآخر هو كذلك يمثل الدور نفسه وكلانا يمثل الدور الكاذب نفسه، فليس في طبع الإنسان كل ذلك التكلف، لكن الإنسان المسكين يحمل نفسه فوق طاقتها، فالتبسم في وجه الآخر يصنع كل معاني المحبة والتسامح، ولتكن تلك الابتسامة من صدق وليست صفراء تخفي وراءها مآرب أخرى.

 إن السلام النفسي والاجتماعي والدولي لا ينبغي أن يقوم على التكتيك والاستراتيجية بل ينبغي أن يقوم على الاقتناع الداخلي بأن آخذ ما هو لي وأن أترك ما ليس لي لصاحبه ونبقى معاً فرحين قانعين.

ستبقى بعد كورونا الكوميديا والجملة الساخرة..

وأخيرا من لم تصحيه الكورونا وغيرها فلن يصحو أبدا!

"والسلامة مكسب يا سيدي" ..