• 29 آذار 2013
  • ثقافيات

بقلم: إبراهيم عفانة *

المحرر الأدبي لصحيفة "القدس" الفلسطينية

 

لو ان الظروف كانت قد سمحت لأديبنا المقدسي محمد شاكر عبد الله بالاستمرار في كتابة القصة-وهو من عشاقها-لأضاف الى ما لدينا في فلسطين من كتاب القصص ما نزهو به ونفاخر اخواننا من كتابها في الاقطار العربية، ولربما دفعه التفرغ والاغراق في الكتابة الى مصاف الروائيين الذين طبقت شهرتهم الافاق، ولكنها الرياح التي تجري بما لا تشتهي السفن.
وها هو الكاتب يبرر اختياره اسم "الفراشات والخريف" عنواناً لكتابه على انه قد يعبر نسبياً عن مضمون سائر القصص التي تضمنها الكتاب، وهو يأمل ان يجد القارىء فيه ما توقعه له من المتعة الذهنية الخالصة والتأمل فيما وراء كل اقصوصة.
وهأنذا ارى اختلاف القراء حول توقعات الكاتب، فلربما وجد بعضهم المتعة الذهنية الخالصة دون التأمل فيما وراء كل اقصوصة، ولربما وجد البعض ضيقاً في الصدر وأسىً في القلب لما وصل اليه حال بعض افراد هذه الامة من امتثال للانانية وابتعاد عن حسن الخلق والشفافية.
فتصرف شاهر مع المرأة لا ينبىء عن صدق تعاطف مع المحافظين على وحدة الشعوب، فلو كان صادقاً في رفضه لانفصال دمشق عن القاهرة لما تصرف ذلك التصرف الشيطاني الارعن، فالصدق مع النفس هو الاختبار الحقيقي للانسان الفاضل الذي يميزه عن الانسان الفاشل، وكما ان شاهراً قد سقط في الاختبار اخلاقياً وهو يساند الوحدة على الانفصال نظرياً، فقد سبقه الى ذلك السقوط مؤيدو الانفصال ومؤيدو الوحدة معاً، ولذلك فشلت الوحدة وفشل الانفصال كما فشل شاهر في الاختبار، حيث لم يتحقق الصدق مع النفس عند هذا ولا عند اولئك والاسباب واضحة لدى الانانيين، فكل منهم يغني على ليلاه، فكيف يسعى لوجه الله؟!
فهل تغير شيء في طباع من يلون أمور الناس بعد نصف قرن ونيف من تاريخ الانفصال؟!
لا اريد جواباً منك، فالاحداث في تونس وليبيا ومصر وسوريا كفيلة بالجواب، ولو انك استبدلت كلمة المتعة بكلمة اخرى لاجتنبت النظر في هذه المقدمة التي ترفض التمتع بمصائب الاخرين، وتقبل على التفجع والتوجع لما اوقعوا فيه انفسهم من خطيئات ربما لم يعد البعض يلقي اليها بالاً، بل يراها شيئاً عادياً وثمرة من ثمار حرية الرأي وواقعية التعبير والديمقراطية، وما عصر نجيب محفوظ ورواياته عنا ببعيد، ولست اراك الا مشاركاً لي في الرأي ما دمت ترى ان هذه المجموعة القصصية هي خلاصة شهادتك على عصر حافل يموج بالاحداث ويزخر بالنوائب والنكبات، ومع ذلك فلا تلوح في الافق بوادر الانفراج وانجلاء الكروب والمآسي.
ولست انكر ان «الفراشات والخريف» مزدحم بالتراكيب والتعابير والتشابيه الممتعة التي تجعل من اللغة العربية سيدة اللغات واصل كل الفضائل التي تتمتع بها سائر القوميات، وان كنت في شك من قولي فاذهب مع المؤلف في قوله في قصة وادي بلدنا في الصفحة الخامسة والسبعين. "هناك واد غربي ثان يلتقي مع الوادي الشرقي في نقطة وسطية جنوب القرية، حيث يترسخ اصل جبل ينهض تدريجياً في ارتفاعه حتى يستوي عند القمة ساحة شبه مهدودة تضم عدداً من المباني المتطرفة وقرية الراحلين، ويطل هذا الجبل بخيلاء على الوادي الشرقي".
الا ترى معي تلك الاستعارة الجميلة في جعل الجبل من قاعدته الى قمته انساناً يرتفع به حب استطلاعه على قدميه ليرمق جاره بنظرة تكبر وكأنه يقول: "انا اكثر منك مالاً واعز نفرا!".
ثم انه لم يلق على مسامعنا اللفظ المأثور للمقابر او المدافن او الترب، بل اطلق عليها لفظ القرية، فالراحلون هم فيها سكان متجاورون، وربما كان بعضهم في الماضي يجاور فوق الارض بعضاً، وقد عز عليهم الفراق فتجاوروا تحت الارض ايضاً، وهذا مما يدعو الى ابعاد شبح الخوف عن قرى الراحلين، وجعل امر الرحيل امراً عادياً لا يدعو الى النفور، لانه لم يعد الا انتقالاً من قرية الى قرية.
الياقوت الاحمر والذهب الاسود
واستمع الى قوله في الصفحة الثامنة والسبعين: "ايقاد الكانون مشكلة وتسلية...حتى تهبرج النيران وتتوهج كقطع من الياقوت الاحمر، عندئذ تحمل كانونك ككنز ثمين فخوراً به الى عائلتك المترقبة.وما هي الا لحظات حتى يتكدس الجميع حول الكانون ليتحولوا الى كتلة بشرية مقرورة تنشد دفئاً ضائعاً عبر السنين".
وما الفائدة من الكنز ان لم تتمكن من استعماله! وان حال بينك وبين الانتفاع منه حائل؟ فالتدفئة للمقرور عندها خير من الكنز، الا اذا كان المقرور بخيلاً او شحيحاً. ودفء الكانون ضائع مع مرور الوقت، حتى اذا ما اصبح الجمر كومة من الرماد عاد البرد الى لسعه بعد ذهاب الدفء ضائعاً عبر السنين. اليست تلك صورة جميلة يمكن ان تستعار لتكدس الجميع حول كانون الذهب الاسود ليتحولوا الى كتلة بشرية مفجوعة تنشد منجماً ضائعاً عبر السنين! الا تتسرب تلك الاموال ضياعاً كما يتسرب دفء الكانون ضائعاً عبر السنين؟ والا فأين المجد واين النصر واين العدل واين الخير الذي وصفت فيه هذه الامة بخير امة اخرجت للناس؟ ام ان تسلط البغاة من اهل اللهو والفساد وممالأتهم للاعداء قد حرم هذه الامة من كل خير؟!
نجمة ونجم
وفي قصة «نزهة» يستعرض الكاتب قدرته على تحليل دخائل الشباب رغم صعوبة الظروف المحيطة فيقول في صفحة «١١٢»: رد شاب من معجبيها بوله وهو يرمقها مستعرضاً قدرته على التودد. ويقول في صفحة «١٥١» من قصة صورة تتكرر» لم يكن نجم احد العاملين في مهنة الدقاقة، فهو شاب يعيش مع والديه اللذين لم ينجبا سواه ذكراً اضافة الى اخت وحيدة تدعى نجمة، جميلة الطلعة سوداء الشعر غزيرته، سمراء اللون مع نكهة شهية تخلب اللب وتسحر العيون.
وفي قصة (مملكة الشر) يميز الكاتب بين الاخوة المتحابين وغيرهم الكثير ممن هم ابعد ما يكونون عن مشاعر الاخوة السامية، وهذا امر عادي ينشأ بين الاخوة نتيجة لمثالية الابوين او جهل احدهما او جهلهما معاً، ونتيجة لتأثر كل من الاخوة بالاخلاق الحميدة والصراط المستقيم ايجاباً او سلباً، وإن استمر التباغض بين الاخوة فمرد ذلك شيطنة بعضهم او ان شيطاناً من الجن او الأنس قد تمكن من سفهائهم «وان كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضه على بعض الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم".
كل انسان وعمله.

وفي(الوتر الحزين): القائد رحل، ولم يعد للمطرب الذي وضع كل مستقبله وكرس فنه لفكر الراحل مكان في عالم تغير فيه الخط وارتفع اناس وانخفض سواهم نحو القاع.
وهذا اجزاء المنتفعين المتسلقين على كتف القائد او تحت عباءته، وهم مؤهلون ليكونوا منافقين فينتصر واللعهد الجديد حتى يبقوا على مكاسبهم، مع ان الانسان الصادق يقوم بعمله متجنباً التملق والتزلف للقائد، فكل انسان وعمله، فللمواطن عمله وللقائد عمله، ولا فضل لأحدهما على الآخر الا بقدر ما يقدم من نفع للخلق، فأحبهم الى الله انفعهم لخلقه، ولكن المنافقين لا يفقهون.
وفي (بابيونة) شعر صدقي بالظلم لأنه لم يقترف ذنباً، فلماذا هذا الاعتداء عليه من رجل الأمن؟ واندلعت الحرب العالمية.. مجانين قادوا العالم الى الدمار.
وأما المجانين الذين قادوا العالم وما زالوا يقودونه الى الدمار، فهم اجبن الناس وأعمقهم توحشاً واخسهم نذالة، فلا يعنيهم موت من يموت ولا دمار ما يدمر ما داموا هم في مأمن، ولو اتيحت لك مشاهدة احدهم وقد تعرض لخطر محدق لاقتنعت بصدق هذا القول.وهأنذا قد قرأت هذا الكتاب فوجدته خالياً من الاخطاء النحوية التي تحفل بها كثير من الكتب التي تسمى ادبية زوراً وبهتاناً. وفي الختام نشير إلى عنوان المجموعة القصصية حيث  عاد الكاتب  إلى تلك السنين تلك السنين ليقول إن شاهرا بطل القصة التي يحمل الكتاب عنوانها  رأى "الفراشات الخريفية الحاقدة تتكاثر وتزحف كالجراد لتفترس البراءة والنقاء والاحلام العذبة، وحاول ان يصدها، لكن امواجها كانت طاغية متدفقة". وفي رأيي ان شاهراً كان شيئاً من تلك الامواج الطاغية المتدفقة، وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين.

 

*المحرر الأدبي لصحيفة "القدس" الفلسطينية