- 2 آيار 2020
- ثقافيات
بقلم: سعيد الغزالي
قد يسألني سائل: كيف تكتب؟ اجيب: عندما تومض في ذهني فكرة حول التغيرات المناخية والطقس، في منطقة محددة، مثلا، أراها كعصفور جميل، يختبأ من الجو العاصف والماطر، ويختفي إذا كانت الرياح نشطة ويطير في السماء إن كانت الريح ساكنة. وأشير إلى تأثير عوامل الانحباس الحراري، أو اجتثاث الغابات أو انتشار الملوثات الصناعية والكيماوية على حياة الانسان أو بيئته.
أكتب وفق معلومات مدققة مأخوذة من أكثر من مصدر، مشيرا إلى آراء الخبراء، أي أنني اتبع قواعد محددة، وإن رغبت بكتابة بحث، أطلق نسرا فاردا جناحية ينقض على المعلومات من المصادر المتنوعة، فيجمعها ويطير إلى الميادين باحثا مستقصيا ومستعينا بالإحصاءات والاستطلاعات وأتوصل إلى استنتاجات جديدة، وعندما أكتب أتحلى بالأمانة وأدعم كل فكرة بذكر مصدرها، وإن رغبت بكتابة تحليل، أتخيل مشية البطريق على الشاطئ، احلل كيف يمشي؟ وإلى أين يمضي؟ وأدعم ذلك بآراء الخبراء والعلماء.
اشاهد العصفور والنسر والبطريق والهدهد في بعض المواضيع عندما أتصفح موقع شبكة أخبار البلد، او أي موقع آخر في فلسطين، وأضيع في بعضها الآخر في متاهة غابة أو صحراء. وأجد، للأسف أن المقالات المكتوبة من قبل فلسطينيين أو أجانب يعيشون خارج الوطن، أكثر حِرفية من تلك المقالات التي يكتبها بعض الفلسطينيين في داخل الوطن.
فلماذا لا تميز المواقع بين الغث والسمين؟
عندما ينشر موقع اخباري أو ثقافي قصصا صحفية دون تحرير، فإنه يعطل شبكة الأعصاب في الدماغ ، معظم المواقع تدار من قبل شخص أو شخصين على الأكثر، يساعدهما عامل فني، وقد لا يتوفر للموقع مصور محترف، فتلجأ هذه المواقع الى استخدام صور مأخوذة من الانترنيت، وقد لا تخدم هذه الصور كمرآة للموضوع، ضمن هذا السياق من الامكانات الضعيفة، تقوم المواقع بنشر المواضيع المتنوعة، دون اخضاعها لمعايير تحريرية محددة، كالمقدمة المغناطيس والحكاية، وترابط الأفكار والصور البصرية والنهاية القوية في إطار عدد محدود من الكلمات – عندما أكتب أتخيل أنني أرسم إنسانا بعقل وقلب وعينين وشفتين.
تفقد المواقع شبكاتها العصبية، وتتحول إلى أرشيف غير متجانس لجمع أفكار بعضها رديء ومهزول وفيه غثاثة، وبعضها ضلوع وفيه سمانة وشحم. فلا يكفي أن تكون الفكرة منسجمة في سياق الثيمات التي يتبناها الموقع، بل يجب أن يتم التعامل مع كل فكرة وكأنها بذرة تنمو وتتحول إلى شجرة، وفق معايير وحدة الموضوع وقدرته على جذب الانتباه والتأثير على القارئ. إن أي موضوع مهما كان مكتنزا بالأفكار، يفشل في جذب القراء إليه، لا يستحق أن يُنشر، بل يجب أن يعاد إلى كاتبه ليتقيد بالصياغات الفنية والمضمون المتماسك.
لا أحد يُنكر الفوائد الجمة التي يمكن أن تجنيها المواقع من الانتشار السريع للأفكار والمعلومات على مدار الأربعة والعشرين ساعة، ولكن يصاحبها أيضا مضار كثيرة، إن كان الموقع لا يمتلك قسما تحريريا قويا ينقي المواد الواردة.
ومن ناحية تحديد التوجهات، يجب أن يفهم المحررون طبيعة العالم حولنا، فهو عالم متنوع جغرافيا، وفكريا واقتصاديا وحضاريا. فهل نفتح نوافذ المواقع على كل هذا التنوع؟ أم نرفضه ونتقوقع داخل جحر ثقافتنا، التي تحمل كثيرا من المؤثرات من الشرق والغرب، مرتبطة بحنين طفولي إلى الماضي، واستياء من بؤس الحاضر وضبابية في رؤية المستقبل. ثقافتنا كائن حي وجزء لا يتجزأ من حضارة العالم، تؤثر وتتأثر، تأخذ وتعطي.
هنا يصبح لزاما على المحررين أن يجيبوا على سؤال مهم: ماذا نريد؟ لماذا هذا الموقع؟ وما هي رسالته؟ ولمن تُوجه؟ هل توجه للشباب، للكبار، للأطفال، للناس المحليين، للناطقين بلغة محددة، للبشر في كل مكان؟ وبناءً على اجاباتهم يجب أن توضع سياسة تحريرية، فلكل موقع شبكته العصبية، التي تعمل وفق آلية مناسبة ومتطورة.
والمقصود بالآلية المناسبة والمتطورة، هي استخدام الوسائل العصرية التي تمكن النسر من التحليق بجناحين مفرودتين. فكما لا ينفع الآن استخدام السيف والحربة والرمح والخنجر والمقلاع في المعركة في أيامنا، كذلك لا يقبل العصر استخدام أساليب الكتابة القديمة التي مارسها اجدادنا، بالتركيز على كتابة مقدمات طويلة، واستعمال اللغة البلاغية، والمحسنات البديعية اللغوية، على حساب الفكرة والمضمون. وأنا لا ادعو إلى استخدام لغة ركيكة، بل انادي باستخدام لغة ذكية وبصرية، لغة تحلق بأجنحة وتصل إلى مبتغاها بسرعة الصاروخ.
يريد القارئ أن يلتقط الفكرة بسرعة كبيرة، وافتتان، كما يشاهد عصفورا جميلا يحط على غصن في حديقة منزله. فكلما كان التعبير عنها بكلمات أقل، أو بصور أو صوتيات في حيز زمني أقل، كلما كانت الفكرة أسرع وصولا إلى ذهن القارئ او المشاهد. إنني أقوم أحيانا بكتابة ١٥٠٠ كلمة، فأتركها لساعة أو أكثر ثم أقرأها كمحرر وليس ككاتب، وأبدأ بالشطب، اشطب أي فكرة مكررة، أو أي فكرة لا علاقة لها بالموضوع، وأي كلمة زائدة، فأحذف أحيانا ثلثي المقالة.
ضمن هذا المنظور، أجد أن كثيرا من المواضيع في المواقع المحلية لا تصل رسالتها إلى القراء، لكثرة اللغو فيها، وغياب الشبكة العصبية، هناك مقالات أقرأها فأشعر بأنها مصابة بأمراض بعضها فتاك وبعضها بسيط. كان عدد كلمات هذه المقالة ٢١٥٧ كلمة، واختصرتها بعد تحريرها إلى ٧٦٤ كلمة، فعلت ذلك كي لا يضيع القارئ في متاهات الصحراء والغابة. إنني أكتب عن أفكار أتصورها، وكأنها طيور ونسور وأشجار كستناء وسنديان خلال أربعة عقود من تجربة الكتابة، باللغتين العربية والانجليزية. إنني احترم عقل قارئي وخياله.

