• 17 آب 2020
  • ثقافيات


بقلم :  كايد هاشم *

 

من الأمثلة التي تُذكر عند الحديث على التأليف الروائي المشترك في الأدب العربي المعاصر رواية «عالم بلا خرائط» لعبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا، وقبلها «القصر المسحور» لطه حسين وتوفيق الحكيم.

أما رواية «حكايات المقهى العتيق» الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية (2019) فق اشترك في تأليفها تسعة من الكُتَّاب والكاتبات، هم: جلال برجس، وعلي شنينات، وسليمان القبيلات، وإسلام حيدر، ويوسف غيشان، ونوال القصار، وعيسى الحميد، وبلقيس العجارمة، وبكر السواعدة. وهذا أول ما يلفت اهتمام القارئ -ربما قبل عنوان الرواية نفسها- إلى تجربة فنية روائية لا تنقصها الجرأة في الظهور بهذا العدد من المشاركين الذين أرادوا أن يقدموا معاً حصيلة سردية نابعة من رؤية مشتركة، تتقاطع روافدها وتتوالف في النهاية لتشكل جماليات المكان «المادبي» بمكوّناته الجغرافية والبشرية والتاريخية. ويمكن القول إن هذه التجربة تقدم رؤية جامعة لسرديات متنوعة، تخدم فكرة تعدد الأصوات والأطر المرجعية للشخصيات، والامتداد التاريخي لهذا التكوين الروائي الجديد، بحيث يبدو النصّ أشبه ما يكون بخيوط مشدودة ومتوازية على نول تُصنَع منها «الحكايات» بأحداثها ووقائعها نسيجاً بألوان مختلفة، لكنه نسيج متناسق على صفحة التاريخ.

في الصفحات الأولى من الرواية، يستشرف القارئ أنه أمام رحلة مع أصوات متعددة، فبطل الرواية والراوي في الوقت نفسه «مؤاب»، مواطن أميركي من أب أردني الأصل، يعمل على مشروع علمي في استعادة أصوات من الفضاء عاش أصحابها في الماضي، وقد جاء إلى مادبا من أميركا يبحث عن جذوره وأصوله في هذا المشرق، وتحديداً في المكان الذي أنبت والده «سعيد المحمود»، الذي لا يعرف ابنه «مؤاب» شيئاً عن حياته في مادبا قبل أن يهاجر إلى أميركا وينجبه هناك. وهكذا يستحضر «مؤاب» تسعة أصوات من عمق التاريخ في حكايات تُروى لرواد «المقهى العتيق» بمادبا، بعد أن أبحر في هذا التاريخ قراءةً وتنقيباً تمهيداً لرحلة البحث عن سيرة أبيه الأولى المفقودة بالنسبة له!

إنها رحلة البحث عن الجذور وعن الحقيقة المتوارية في مطاوي الحكايات وخوافيها، التي انبعثت الرغبة في نفس «مؤاب» لخوضها من قلق السؤال بعد أن قابل بالصدفة وهو ما يزال في أميركا، شخصاً غريباً غامضاً يسقط تأويلاته في تفسير التاريخ على حقب تاريخية صراعية في البلاد التي جاء منها والد «مؤاب»، فيتحدث عن «احتلالات» تعاقبت عليها محاولاً التشكيك بتاريخها ونفي ملامح شخصيتها التاريخية والحضارية!

كانت تلك المواجهة بداية اشتباك مع العديد من مرويات التاريخ الموغل في القِدم، بما فيها تلك المعروفة والسائدة صورتها في أذهان الناس، وأخرى غائبة لم يروها الرواة ولم يحفل بها أحد، وثالثة رُويت على عواهنها وكُتبت في صفحات التاريخ بنوايا مشكوك في نزاهتها والغايات المخفية في ثناياها.

لكن، هل يكفي الألم النفسي الذي استشعره «مؤاب» بسبب الاتهامات الماكرة من شخص تحدّث بمفاهيم المحتلين على الجانب الآخر من النهر، لأن يجعله يترك عمله، ويقرأ ويبحث في تاريخ بلاد أبيه وأجداده البعيدة، ثم يصطحب زوجته وابنته إلى مسقط رأس والده مدة شهرين بحثاً عن حقيقة تراكم عليها غبار الدهور وربما ذابت في لجج الأزمان، والتنقيب عن آثار أقوام وأناس اندثروا منذ آلاف السنين؟

من غير المستبعد أن يحدث في واقع الحياة مثل هذا الأمر، فمنطق الأمور لا ينكر ذلك، ونزوع الإنسان إلى الارتباط بوطن وتاريخ وذاكرة وذكريات مسألة بدهية وحاجة وجودية طبيعية. لكن الحدث الروائي لا يكتفي بهذه الحدود، وإنما يضع هذا الإنسان/ «مؤاب» في مواجهة بينه وبين نفسه بحثاً عن إجابات لأسئلة تنهمر داخله، أسئلة تستثير التفكير في انتمائه لبلاد بأقصى الغرب، يترافق وألم دفين في نفسه جراء جهل الجذور الأولى له التي لم يحدّثه والده قبل وفاته بشيءٍ عنها: «كنت أحترم فكرة انتمائي لبلاد تحترم إنسانيتي، وها أنا في المساء أشعر بأسى لأني لا أعرف عن جذوري شيئاً».

هذا الاكتشاف يقود إلى إشكالية سؤال الانتماء لمكان لا يربطه بالبطل سوى كونه ابناً لأب قادم منه، فعملية الانقطاع عن الجذور في أيّ من مستوياتها مؤلمة، لكن محاولة إعادة الاتصال بها ربما تكون أكثر إيلاماً، وليس التاريخ المكتوب هو الجرح والمرهم في آن واحد، «فكُتَّاب التاريخ لا يقولون الحقيقة في معظم الأحيان»، وإنما هو اليقين الداخلي وتداعيات اللاوعي التي تؤكد «أنك لست مبتوراً من شجرة»، كما قال والد «مؤاب» لابنه في المرة الوحيدة التي استبدّ به الحنين فيها وهو يشاهد رجلاً بدوياً على شاشة التلفاز.

أعود إلى موضوع استحضار الأصوات لشخصيات ونماذج بشرية من التاريخ تروي حكايتها بلسان «مؤاب» في المقهى، الذي كشف له رجل مسنّ من أهل مادبا في نهاية رحلة البحث عن الجذور/ نهاية الرواية، أن هذا المقهى ما هو في الأصل إلا المنزل الذي عاش فيه والده «سعيد المحمود»، إذ شاءت المصادفات أن يروي ابنه الحكايات بأصوات لم يكن بينها صوت الأب صاحب المنزل الراحل عن الدنيا، وفيه يكتشف أيضاً أن التاريخ ما هو إلا هذا الإنسان، فالبحث عن الجذور ليس بحثاً عن رابطة بيولوجية بقدر ما هو البحث عن سمات مكانية وزمانية وهوية جسَّدتها في الرواية تاريخياً شخصية «ميشع بن كموشيت»، ملك مؤاب الديبوني الذي حارب العبرانيين وأخرجهم من البلاد، في سردية تاريخية فيها شيء كثير من الإسقاط الحاضر على ماضٍ غائب، لكنه ماضٍ ما تزال أصداؤه حاضرة، واستعادة الصوت هنا لا تعني استعادة تاريخٍ انقطع بقدر ما هي اجتهاد لمقاربة فكرة أن التاريخ ممتد وباقٍ وإنْ تغيّر الناس واختلفت المفاهيم وطرائق التفكير والعيش والمظاهر والظواهر والأحداث!

تتمحور فصول الرواية حول التجارب الإنسانية في أوعيتها الزمانية والمكانية، فهنالك أنموذج الإنسان الذي عاش مرارة الصراع بين الحب/ الحياة، والموت/ الفناء، كما في حكاية «أسبيناز» الآشوري ابن نينوى ومغامرته في الهروب من جيش «نبوخذ نصر» وحبّه للفتاة المادبية «آنيولا». ولا يقتصر استحضار الأصوات على شخصيات من التاريخ، فهنالك أصوات معاصرة تستحضر التاريخَ لدواعٍ أخرى، مثلما جاء على لسان «سليمان» الشاب الذي انخرط ببعثة للتنقيب عن الآثار في مادبا وأحبّ الشقراء رئيسة البعثة وعالِمة الآثار في حكاية «قصة حب نبطية». يقول «سليمان» إنه انخرط في البعثة الآثارية لشغفه بمعرفة كيف عاش أجداده الأوائل، أو ربما كان السببُ ارتداداً نفسياً للماضي جراء فقدان الثقة بالحاضر! وعندما يتصل شعور الحزن المتأصل داخله بحكاية الكاهن الطيّب «أراس» في معبد ذي الشرى بذيبان والمصير الذي آل إليه هذا الكاهن، نجد «سليمان» يجعل من هذا الكاهن جَدّاً له يرتبط به برابطة الحزن تعويضاً عن شعور اليتم الذي يسيطر عليه.

إنّ روح أنسنة التاريخ تجعل من السرد الروائي حيزاً يعيش القارئ فيه اللحظات التاريخية، يشهد الماضي، ويحاور الأصوات، ويتنقل بخفة بين عصور هذا التاريخ. وتعمل الانتقائية لزوايا هذا التاريخ على تركيز الوعي واستثارة اللاوعي للاتصال بالزمن الماضي والتفاعل معه، دون قطع الصلة بالحاضر والاستغراق في ما مضى، وإنما ضمن مجال رحب من الامتداد الإنساني والزماني-المكاني، وهو ما نجحت فيه الرواية كما تمثلها حوارية فنان الفسيفساء المادبي «سلمانيوس» والثري المغرور «أغسطس» الباحث عن الوردة السماوية، وجبل الخطيئة. وكذلك في الحكاية التي كشف فيها صوت «سالومي» ما نالته من ظلم أمام نزعة الشر عند أمها، ونزعة الظلم والغرائزية المتوحشة لدى الحاكم «هيرودس» في مأساة قطع رأس «يوحنا المعمدان». وإنطاق «سالومي» روائياً هنا يقدم رواية مختلفة عنها، بوصفها ضحية للأم والحاكم لا محرّضة على الجناية كما في القصة التاريخية المعروفة.

تلتقط باقي حكايات الرواية المختلفَ والطريفَ والمنسيَّ، حتى نصل إلى الحكاية الأخيرة التي قدم فيها الرجل المسنّ روايته ليعثر «مؤاب» من خلالها على مفاتيح لغز حكاية والده وسبب هجرته إلى أميركا بعد أن شارك والرجل المسنّ في حرب فلسطين 1948، وانتهى به الأمر في ذلك الزمان إلى الهجرة هروباً من صدمة الهزيمة القاسية في تلك الحرب.

تبدو الرواية في حركتها الدائرية بين الملك «ميشع» والحرب مع العبرانيين وما حدث على ضفة نهر الأردن الغربية في هذا العصر، تحمل كمّاً من الأبعاد والدلالات التي تتجاوز المعرفة التاريخية إلى محاولة استخلاص قيمة التاريخ وقيمه لإنسان صنعته المعاناة والتجارب، وأرض حافظت على الجذور وظلت حيّة بها، وتاريخ يجسده رمز الإنسان الأردني في وعيه التاريخي، وامتداده، وإيمانه المتأصل بجذوره كما بهويته ومستقبله.

 *كاتب ردني له العديد من المؤلفات

-الراي الاردنية