• 24 كانون أول 2020
  • ثقافيات

 

بقلم :  د. صلاح جرّار *

 

 ستطيع أن أصرّح بكلّ ثقةٍ واطمئنان أنّ ما يتحلّى به الكاتب كايد هاشم قد انعكس بجلاء على كتابه «الكاتبون بالضوء» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2019،( وذلك من جهات عدة:

أوّلها: أنّ الشخصيات الثقافية والفكرية والأدبيّة التي توقّف عندها في كتابه، تتحلّى بقدْرٍ عالٍ من الوطنية والإخلاص والتهذيب والوفاء وإتقان العمل، ثانياً: السلاسة في أسلوب الكتاب والجاذبية في العرض-

 ثالثاً: تكثيف الفكرة والبعد عن الحشو والثرثرة مع الحرص على الإتيان بالجديد والمفيد ممّا يتّسم به هذا الكتاب.

امّا هذا الكتاب، فهو الثامن عشر من مؤلفات كايد هاشم، وقد سعدت كثيراً بأن اشتركت معه في دراسة وتحقيق ثلاثة منها هي: «أطلال جرش» ليعقوب العودات/ البدوي الملثم (جامعة جرش الأهلية، 2006» ،(المذكّرات والرحلات للشيخ إبراهيم القطّان» (وزارة الثقافة، عمّان، 2007 ،(،و«ذكريات حياتي» لعيسى الناعوري (وزارة الثقافة، عمّان، .(2012

ويتبين للناظر في ما ألّفه ونشره كايد هاشم له عنايته بالثقافة الوطنيّة والعربيّة في عصر النهضة ومرحلة التأسيس والبناء للأردنّ الحديث، فهو من القلائل الذين نذروا جهدهم للكشف عن خبايا هذه الحقبة وكنوزها الفكرية والثقافية.

ومّما يميز كتاب «الكاتبون بالضوء» أنّ مؤلفه يسعى فيه إلى أن يقدّم للقارئ مادّة جديدة تدلّ في مجملها على الإمكانيات الفكرية والإبداعية التي يزخر بها الأردنّ منذ تأسيس دولته الحديثة إلى اليوم، من خلال تسليط الضوء على أعلامٍ لهم مكانتهم ودورهم البارز في الساحة الثقافية الأردنية والعربيّة.

ويتميّز منهج المؤلّف بأنه ينطلق -في وقوفه عند كلّ عَلَمٍ من الأعلامِ التي يتناولها الكتاب- من زاوية اشتهر بها عند الناس وصولاً إلى جوانب وزوايا أخرى مهمّة في سيرته، فعند حديثه عن حسن الكرمي انطلق من موسوعيّته التي اشتهر بها، وعندما كتب عن عقيل أبو الشعر انطلق من مقاومته الثقافية، وعندما كتب عن عيسى الناعوري انطلق من ترجمته للآداب الأجنبية وترجمة أعماله إلى اللغات الأجنبية، وهكذا حتّى آخر الأسماء التي تناولها في كتابه، وجعل عنوان كلّ مبحث دالّاً على هذا التميّز الذي انطلق منه.  

وممّا تميّز به كايد هاشم وهو يسلّط الضوء على هؤلاء الأعلام، أنه احتفى بالوثائق والرسائل والمخطوطات التي حرص كثيراً على اقتنائها ودراستها ونشرها

. ولا يضير أيَّ كاتب أن يجمع بعض ما كان نشره في مجلّاتٍ وصحف حول موضوع محدّد، ففي ذلك إتمامٌ لفائدةٍ لا تكتمل إلّا بالجمع، فأنا ما زلت نصير الكتاب فهو الذي يبقى بعد أن تذهب المقالات في الصحف والمجلات أشتاتا قلما  يسترجعها أحدا اما اذا كانت  مجموعة في كتاب، فإنها تبقى مُتاحة للقراءة في كلّ حين

. إنّ الشخصيات التي اختارها المؤلّف في كتابه هم من الروّاد في مجالات: الرواية، والكتابة الموسوعية، والاستشراق، والترجمة، والرسائل والرحلات، والفلسفة، والتاريخ، والقدس، والمذكّرات، والشعر، والنقد، والإعلام، والمرأة، وقضايا أخرى كثيرة. وأوّل شخصيات هذا الكتاب هو حسن الكرمي (1905-2007 (الموسوعيّ وصاحب المذكّرات، وقد كان لي شرف المشاركة في الندوة التي أُشْهِرَ فيها كتاب مذكراته في منتدى الفكر العربي في أيلول 2015 ،ومن حقّ المؤلف أن يبدأ به، فقد أسهم مع سهام الكرمي في نشر كتابه تحت عنوان «مذكرات سعيد الكرمي 1905-2007 في الحياة والثقافة العربية»، حيث نُشر في منتدى الفكر العربي في عمّان سنة 2015.

والشخصية الثانية في الكتاب هي عقيل أبو الشعر (وُلد في 1890 (الذي هاجر من بلدة الحصن إلى سانتو دومينغو عاصمة الدومينيكان وألف عدداً من الروايات التاريخية التي نشر بعضها بالعربية «الفتاة الأرمنية في قصر يلدز» وبالإسبانية «القدس حرّة»، وبالفرنسية «الانتقام» وبالإسبانية «إرادة االله»... الخ. وقد عملت د.هند أبو الشعر على البحث عن تراث عقيل، وتمكّنت بعد جهود مضنية من الحصول على بعضه، وقد تشرّفت عندما كنت وزيراً للثقافة، بتشجيع د.هند على الحصول على رواياته ونقلها إلى العربية ونشرها، وتولى ترجمتها د.عدنان كاظم ترجمة أدبية متقنة. وقد عقدت وزارة الثقافة يوم 2012/5/21 مؤتمراً صحفياً في دائرة المكتبة الوطنية للحديث عن إطلاق الوزارة مشروعها الثقافي المتعلّق باستعادة الأديب الأردني عقيل أبو الشعر من خلال البحث عن نتاجه الثقافي والإبداعي وترجمته إلى العربية. أ

ما الشخصية الثالثة فهي عيسى الناعوري، وتحدّث المؤلف عنه من زاويتين هما: أدبه بلغات أجنبية، وصلات وأصداء إسبانية، وقد أشار المؤلّف مشكوراً إلى كتابنا المشترك «ذكريات حياتي» لعيسى الناعوري وإلى دراسة لي قدّمتها في ندوة «عيسى الناعوري مبدعاً وباحثاً» نظمها كرسي عرار في جامعة اليرموك بتاريخ 2013/3/20 ،وقدّمتُ فيها دراسة عن رحلتيْ الناعوري إلى الأندلس.

ولأنّ كايد هاشم لا يرى الثقافة العربيّة إلّا ثقافة واحدة لا تفصل بينها الأقطار والبلدان ولا الحدود المصطنعة، فإنه يذهب في كتابه من الأردن إلى السودان ليتحدث عن الطيّب صالح، صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال» و«عرس الزين» الذي التقى به كايد هاشم قبل أكثر من ثلاثة عقود وأجرى نعه مقابلة لصحفية صحافة اليرموك .

ويذهب كايد هاشم كذلك إلى تونس ليتحدث عن أبي القاسم الشابّي، ثم إلى مصر للحديث عن قاسم أمين. ويختار من بين الأعلام الرواد في الأردنّ وفلسطين أسماء مرموقة منهم يعقوب العودات (البدوي الملثم)، وجبرا إبراهيم جبرا، وسليمان موسى، وماجد ذيب غنما، ومفيد نحلة، ود.يوسف بكار، ود.عصام سخنيني، ود.فيصل غرايبة في كتابه «عتبات المستقبل: سيرة كفاح وسيرورة وطن» الذي تشرّفت بكتابة تقديم له، وتيسير سبول، وأمينة العدوان في تجربتها النقدية.

وفي وقوفه عند بعض هؤلاء الأعلام احتفى كايد هاشم بالكشف عن بعض الوثائق والمراسلات والمخطوطات التي تعود لهم وتمكّن من الحصول عليها أو على نسخ منها، كما هو الحال مع يعقوب العودات وعيسى الناعوري وغيرهما، وقد نجح كايد هاشم من خلال ذلك في لفت الأنظار إلى أهمّية ما خلّفه هؤلاء الرواد من وثائق ورسائل ومخطوطات وقُصاصات ورحلات وسير ومذكرات، فهي في مجملها مصدرٌ تاريخي واجتماعي مهمّ. وأودّ أن أشير ها هنا إلى أنّ كثيراً من الأسر الأردنية والفلسطينية ما زالت تحتفظ بقدْرٍ لا بأس به من هذه الوثائق مثل وثائق روكس العزيزي، ومصطفى وهبي التلّ، وعبدالكريم غرايبة، وعبدالحميد أنشاصي الذي تمكنت من الحصول على بعض مراسلاته مع ميخائيل نعيمة وروكس العزيزي وغيرهما، كما وقفت على جزءٍ من مذكراته بخطّ بيده.

وأودّ أن أَلفت النظر إلى أنّ المؤلّف كايد هاشم قد أجرى مقابلاتٍ مع عددٍ ممّن أدركهم من أعلام هذا الكتاب، مثل الطيب صالح وسليمان موسى ود.يوسف بكار. كما أنه حرص على أن يستفيد من أبناء هؤلاء الأعلام في تحصيل مزيد من المعلومات والأخبار والوثائق منهم، وقد نجح في ذلك أيّما نجاح

إنّ كايد هاشم في هذا الكتاب باحثٌ جادٌّ ودقيقٌ جدّاً في أحكامه وتوثيق معلوماته، وللمعلومة عنده مَقَامٌ رفيع ومنزلة عالية، فنراه يبحث عن المعلومة ويضمّها إلى ذخيرته المعرفية كأنّها كنزٌ نفيس. وهذا الكتاب ثمرةٌ طيّبة من ثمرات جهوده في البحث والتحقيق والتدقيق .

*اكاديمي وكاتب اردني

 الراي