- 25 كانون الثاني 2021
- ثقافيات
بقلم : إبراهيم_نصرالله
في عام 2004، كنت في جولة في خمس مدن ايرلندية، لتقديم قراءات شعرية ومحاضرات (في النهار محاضرة للطلبة مع أساتذتهم، وليلا للجمهور العريض)، وقد كتبت عن هذه التجربة الرائعة في كتابي "السيرة الطائرة، الصادر عام 2006" ومما جاء فيه: "كان الجمهور يفاجأ كثيرًا حين أتحدث له عن (الكتّاب الإيرلنديين: "أوسكار وايلد، وجورج برناردشو، وليام بتلر ييتس، وجيمس جويس، وبيكيت ، وجوناثان سويفت، والأثر العميق الذي تركته رواية وايلد (صورة دوريان جراي) في نفسي حينما قرأت، في الصفوف الإعدادية، طبعتها العربية الأولى المنشورة عام 1956، وما أطلقته (رحلات جوليفر) فينا من خيال وقد كانت بعض فصولها مقررة في كتبنا المدرسية" ص 215.
خانتني الذاكرة يوم الخميس الماضي فكتبت في مقال لي: بدل أوسكار وايلد، أرسكين كالدويل، وبعد ساعات من نشر ذلك المقال، قام "ف ص"، أو لنكن أوضح فخري صالح بكتابة منشور على صفحته في الفيس بوك، عنوانه "يكتبون أكثر مما يقرؤون" مهاجما ذلك الكاتب الجاهل الذي لا يفرق بين أوسكار وايلد، وأرسكين كولدويل.
يكتب فخري: وهذا نص منشوره " تكوَّنت لدي، عبر السنوات، قناعة بأن الغالبية العظمى من الكتاب الذين يكتبون كثيراً، ولا نستطيع أن نتابع إنتاجهم من كثرة الكتب التي ينشرونها في العام الواحد، كتاباً وراء كتاب ورواية وراء رواية، لا يجدون الكثير من الوقت للقراءة، لأن القراءة تتطلب وقتاً، كما هي الكتابة، كما أن الكاتب بحاجة إلى شحن مخيلته وإثراء معرفته، على الدوام، ليكون قادراً على الكتابة والإبداع. والواقع أن هؤلاء الكتاب الذين لا يجدون وقتاً للقراءة يقدّمون الدليل بأنفسهم، على أنهم لا يقرؤون، وأنهم حتى ينسون ما قرأوا من أعمال أدبية كبيرة في صباهم وشبابهم. أحدهم كتب في مقالة له أنه قرأ في الصغر رواية "صورة دوريان غراي" لإرسكين كالدويل. وهي بالطبع للكاتب الإنجليزي العظيم أوسكار وايلد. وهناك بون شاسع يفصل الكاتب الأمريكي (كالدويل)، صاحب "طريق التبغ"، عن الكاتب البريطاني. لم يسعف الوقت الكاتب المُكثر لكي يبحث في شبكة الإنترنت عن مؤلف رواية أحبها وأعجب بها في صغره!كثرة الكتب لا تدل على أهمية الكاتب. قد ينجز كاتب ما عملاً واحداً أو اثنين أو ثلاثة، وتصبح تلك الكتب علامةً على مرحلة معينة، أو عملاً يعبر السنوات والعقود. "متشائل" إميل حبيبي، "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، "الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي، إلخ، إلخ." وهنا ينتهي منشور فخري.
لا أريد أن أدخل في خيانة ذاكرة فخري له، حين قال إن أوسكار وايلد كاتب إنجليزي، وهو ايرلندي، وأعرف، باعتباري زرت إيرلندا كما أشرت، ما هو حجم حساسية أن ينسب وايلد إلى الإنجليز في إيرلندا، وهو ابن "دبلن" أبا عن أمّ عن جدّ، فمن العيب أن أبني حكما على فخري لمجرد أن ذاكرته خانته.
أن تخوننا الذاكرة فهذا أمر طبيعي، أما أن يخوننا العقل، فهذه مسألة أخرى.
كان يمكن أن أتجاوز ما كتبه، لولا أننا نعيش مسألة محزنة أكثر خطورة من مجرّد وضع منشور على صفحة، هي صفحة من بين مئات ملايين الصفحات تحت سماء الفيسبوك، لكن الأمر أبعد من ذلك! ولذا وجدت نفسي أتذكر عنوان مقال جميل لصديقي المُقلّ المبدع فاروق وادي، قبل ربع قرن، عن فخري، وكان عنوانه "خفّة الناقد التي لا تُحتمل". وأنا أتساءل: متى يمكن أن ينضج البشر؟ ومتى "يرْكِزون"؟! وإن كنت أرى أن كثيرا من الناس لا يتغيرّون أبدا! ولهذا سأستعير عنوان مقال فاروق، الذي استعاره من عنوان رواية كونديرا البديعة "خفة الكائن التي لا تحتمل"، أو "كائن لا تحتمل خفته" في ترجمة أخرى، لجواز الاستعارة من المستعير..
ما يثير الاستغراب في ما كتبه فخري، هو شكوى من لا يقرؤون من الذين يكتبون، وفخري يعترف بهذا "لا نستطيع أن نتابع إنتاجهم". ونحن، بل كل النقاد والكتاب والقراء في الحقيقة، لا نستطيع متابعة كل ما ينتجه الكُتّاب، عظاما أو متواضعين، فهناك طاقة بشرية، وعمر محدد، لكننا لا نستطيع أن نقول لأي كاتب توقّف عن الكتابة، فقط، لأننا لا نستطيع أن نقرأ له، فثمة غيرنا ممن يقرؤون له ولا يصيبهم هذا النوع من المغص كلما صدر كتاب جديد لكاتب ما، وثمة نقاد رائعون لا يمكن أن يبنوا أحكامهم النقدية على مثل هذا الوهن المريع الذي يعتمد نسيان اسم ما مرجعا لإصدار أحكام نقدية قاطعة، وهم يرفضون أن ينحدر النقد إلى هذا المستوى.
أما أن يقول في منشوره "حتى أنهم ينسون ما قرأوا من أعمال أدبية كبيرة في صباهم وشبابهم"، فإنني أحب أن أؤكد هنا، أننا ننسى فعلا، ننسى وجوها وأشخاصا، وحوادث، وسننسى أسماء كتّاب ونقاد ومخرجين، وممثلات نحبهنَّ، وأفلاما وكتبا، ومع تقدمنا في العمر سننسى كثيرا مما قرأناه قبل أسبوع، وما أكلْنا قبل يوم، فهذا أمر طبيعي لا يُعاب إنسان عليه.
ما كتبه فخري، على المستوى الإنساني، يجرد البشر من إنسانيتهم دون أن يدري، ويحرمهم منها، أو يحظرها عليهم، وهو يجرِّمهم ويحاكمهم بتهمة النسيان.
لكن ما ينساه فخري حقيقة، وهو يُعدِم من يكتبون كل عام كتابا (أتمنى لو أنني منهم)، أنه نفسه ينتمي لهذه الفئة، وهذا أمر غريب؛ وهناك عديد القصائد، بدءا من "لا تنهَ عن خُلُقٍ.." وكذلك الأمثال الشعبية البليغة التي لخّصت هذه الحالة، لا مجال لذكرها، لأن الأمر ليس له علاقة بالسخرية، بقدر ما له علاقة بالعقل.
من تجربتي في الكتابة، أن الكاتب يمكن أن يجلس معتكفا للكتابة ثماني ساعات في اليوم، ولكنه في الحقيقة لا يستطيع أن يكتب بصورة متواصلة أكثر من ثلاث ساعات! سيكتشف خلالها أن السُّكر بدأ ينخفض في دمه، وأن يديه على وشك أن تشرعا في الارتجاف. أما خارج هذه الساعات، فهناك نهار طويل وليل أطول، والعكس أحيانا، ويمكن أن نفعل خلالهما الكثير، نقرأ ونربّي، ونتبضّع، ونحبّ، ونشاهد فيلما (يوميا)، ونلتقي أصدقاءنا ونزور أمهاتنا؛ من كانت على قيد الحياة ومن رحلت، ونمشي نصف ساعة أو أكثر، ونذهب إلى الحمّام عدة مرات.
فلماذا يعتذر من يعيش ويقرأ ويكتب، لجامع زلاّت لسان لا يقرأ؟!
يرعبني أولئك الذين يقولون إن اليوم قصير، والعمر قصير.
اليوم ليس قصيرا ولا العمر قصير، ولا الدّرب قصير، خطواتنا هي القصيرة وأنفاسنا، وأحيانا أنفسنا.
وأعود لذاكرة فخري القوية، وأستغرب مدى قوتها، وهو يعيب على "بعض الكتاب أنهم يكتبون كتابا في العام أو أكثر"، وأستطيع أن أقول إنه يستثني من هؤلاء أصدقاءه، أو من يظن أنهم أصدقاؤه لمجرد أنه كان يجلس معهم، ويستثني بالطبع نفسه! وعددا آخر حتى لا يُتّهم بشحّ في الموضوعية.
نعرف أن هناك كتابا كتبوا رواية واحدة، أو ديوانا واحدا، وأصبحوا جزءا من تاريخ الأدب، ونعرف أن هناك من كتبوا كل عام كتابا (أو أكثر)، وأولئك محترمون وهؤلاء أيضا، من شكسبير (39 مسرحية، وقصائد كثيرة، خلال 24 عاما حسب ويكيبيديا)، إلى نجيب محفوظ، إلى جورج أورويل (أكثر من20 كتابا، خلال عشرين عاما)، إلى غسان كنفاني (كتب كتابين في العام تقريبا، وليته كتب أكثر) إلى محمود درويش (40 كتاب تقريبا في ستة وأربعين عاما، وليته كتب أكثر)، وآخرُ إصدارات فخري مختارات من شعر درويش، هذه المختارات التي ستكون بالتأكيد جزءا من قائمة الكتب التي ألّفها فخري، كما سبق له وأن بدأ حياته مؤلفا لكتاب "مختارات من القصة الفلسطينية"، ومختارات من إدوارد سعيد، وكتابا ضخما من كتابات مختارة: (أصوات من ثقافة العالم، 2013)، تجرأ ووضع فيه الفصل الأول من رواية "العمى" للكبير ساراماغو، دون أن يسأل نفسه ما مبرر نشر فصل من رواية صدرت طبعتها العربية قبل 11 عاما من صدور كتابه، الرواية المقروءة بافتتان منذ صدورها عام 2002، ومختاراته من قصائد محمود درويش، وكأنه يريد أن يعرِّف المُعرَّف وهو ينسبه إلى نفسه كإنجاز جديد، أو يريد أن يحببنا في ما أحببناه واختارته قلوبنا وعقولنا منذ زمن طويل.
لكن هذه المختارات ستندرج أيضا ضمن قائمة منجزات فخري الإبداعية، إلى جانب بعض ترجمات فخري التي حقّا نشكره عليها، وهي في ظنّي منجزه الأهم. لكن ما نسيه فخري أنه كان يقدّم أو يجمّع لنا كل عام كتابا تقريبا، ولكن من مؤلفات غيره، أو من مقالاته الصحفية ومراجعاته السريعة، المتسرِّعة غالبا والمُشخصنة (أغلبًا)، للروايات، فهل يضع نفسه بين صفوف فئة الخالدين حين يستثني منجزاته هذه من رذيلة الكثرة والنوعية!
أعرف أن الناس قدرات، والعلم يقول لنا ذلك، بعضهم يحرث الأرض ويزرع القمح ويحصده، وبعضهم، لا شغل له غير التقاط السنابل خلف الحصادين، وفي مجال التربية والتعليم، أول ما تعلمناه مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، فهناك من يستطيع أن يعطيك حاصل أربعة أرقام × أربعة أرقام، وهناك من لا يستطيع إعطاءك حاصل ضرب رقم برقم. لذلك هناك ستيفن هوكينغ، وهناك مدرّس الفيزياء في مدرسة ما، هنا وهناك، مع كل الاحترام لهم، وهناك شكسبير، وغسان كنفاني ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف، ومعهم من كتبوا كتابا أو كتابين رائعين، أو قدموا اختراعا أو اثنين غيّرا وجه الحياة، مع أن الجميع ينطبق عليهم وعلينا قول همنغواي: "منذ وقت طويل وأنا أحاول ببساطة أن أكتب أفضل ما يمكنني كتابته. أحياناً يحالفني الحظ فأكتب أفضل مما أستطيع."
وهذا ما يحدث مع كل من كتبوا، لكن الكتاب، أيا كانت مرتبتهم، سيكونون مجانين إن توقفوا عن الكتابة لأن فخري صالح لا يستطيع أن يتابعهم. وفي ظنّي أن هناك دائما "فخري صالح" في كل عصر.
على الأقل اقرأ الكتب قبل أن تحرقها!
بالنسبة إليّ شخصيا، ككاتب لا يفرّق بين أوسكار وأرسكين! لا أستطيع أن أعتذر لكَ لأنني كتبت "زمن الخيول البيضاء" في 22 عاما، وكتبت شرفة العار في عامين، أو كتبت قصيدة "الحوار الأخير" في أسبوع، كما لا أستطيع أن أعتذر لك لأنني حضّرتُ لثلاثية الأجراس 29 عاما، ولأنني كتبت "أرواح كليمنجارو" بعد أن صعدت الجبل، أو "طيور الحذر" وقد عشت في المخيم عمرا، قبل أن أكتبها، لا أستطيع أن أعتذر لك عن جريمة كتابة "قناديل ملك الجليل"، أو "الحب شرير"، أو "نعمان يسترد لونه"، أو "الملهاة الفلسطينية" إن لم تعش هذه الأعمال خيالا أو بحثا أو قراءة، وإن كنت مُصرَّا على القيام بدور (العدَّاد) وليس القارئ، كما لا يستطيع أي كاتب أن يعتذر لك، فهناك من يقرؤون ويُعاد إصدار الكتب من أجلهم عشرات المرات، وهناك من يَدرُسونها، ويُدرِّسونها، في أماكن كثيرة في هذا العالم، وهناك من ينتظرون الكتب الجديدة بحبّ ولهفة وإنسانية كمصدر للوعي والجمال، وهناك من يجمّعون كتبهم خلف الكتاب، ويصدِرون الأحكام برعونة قاتلة لأتفه الأسباب.
وبعد:
مرعبٌ حجم تصيُّد الخطيئة للأخطاء!

