• 30 كانون الثاني 2021
  • ثقافيات

 

بقلم: أحمد عبده طرابيك

 

 

    ظلّت فلسطين جزء من الدولة العثمانية طيلة أربعة قرون، ولم تتغير الصورة الإدارية والعسكرية لفلسطين عما كانت عليه أيام حكم المماليك، فقد استطاع ظاهر العمر شيخ صفد أن يضم إليه طبرية ونابلس والناصرة وعكا عام 1750، إلى أن قام أحمد باشا الجزار بضم سوريا كلها، واستطاع أن يرد حملة نابليون بونابرت عن عكا عام 1799، ثم حكم إبراهيم باشا "ابن محمد علي باشا" فلسطين عشر سنوات إلى أن استعادتها الدولة العثمانية، وفي السنوات الأخيرة من العهد العثماني كانت فلسطين من الناحية الإدارية تقع في قسمين إداريين:

الأول: هو متصرفية القدس المستقلة المرتبطة بوزارة الداخلية في اسطنبول، وكانت أقضية بئر السبع والخليل وغزة ويافا تابعة لها بالإضافة إلى بيت لحم.  

الثاني: شمال فلسطين الذي كان يتبع لواءين: لواء نابلس ومن أعماله طولكرم وجنين وطوباس وبيسان، ولواء عكا، ومن أعماله صفد وطبرية والناصرة وحيفا.  

     أما من الناحية العسكرية، فكانت فلسطين جزءاً من القيادة العسكرية العامة لسوريا. 

     واليوم، وبعد مرور نحو خمسة قرون، لم يستطع التاريخ أو الاحتلال الإسرائيلي محو آثار العهد العثماني في مدينة القدس الفلسطينية، أحد أشهر المدن في العالم، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وتظل الآثار العثمانية بالمدينة العتيقة شاهدة علي حقبة زمنية هامة في تاريخها المجيد.    

     تعد أسوار القدس القديمة التي تم تشييدها عام 1542، من أهم الآثار العثمانية في مدينة القدس الشريف، وهي الآن تمثل الأسوار الفاصلة لمدينة القدس القديمة والمنطقة الخاضعة لسيطرة جيش الإحتلال الإسرائيلي، حيث تفوح من شوارع القدس القديمة وأزقتها الضيقة عبق الفترة العثمانية التي شهدت خلالها رواجاً وانتعاشاً علي المستوي الاقتصادي والمعماري والحضاري. 

     وقف المسجد الأقصى هو الآخر شامخاً أمام العبث الصهيوني، ولا تزال المنشآت التي تم إضافتها خلال الفترة العثمانية شاهدة علي انتماء هذا المسجد ومحيطه إلي عالمه الإسلامي، ويأبي كل الإجراءات التهويدية من قبل سلطات الاحتلال.  

     تعتبر "قبة الأرواح" من الآثار العثمانية الهامة في المسجد الأقصي، حيث تقع في الجهة الشمالية الغربية من صحن الصخرة المشرفة، مقابلة للبائكة الغربية الشمالية. أمام الخلوة الشمالية، ويعود تسميتها بهذا الاسم نسبة إلي الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت في فضل بيت المقدس، وأنها أرض المحشر والمنشر، وأن أرواح العباد تحشر فيها، وقد تم إعادة بناء القبة بصورة متقنة مرة علي شكل مثمن مفتوح، وترتكز القبة على أعمدة رخامية تعلوها قبة رصاصية وهي مفتوحة من جميع جوانبها، ويمكن الصلاة فيها.  

    توجد غرفة الترجمة في الشمال الشرقي لفناء قبة الصخرة، وهي الآن تستخدم كغرفة لترجمة الكتب، حيث كانت مخصصة للعبادة والعلوم، إلي جانب غرفة المعلمين المقامة في الجهة الشرقية من الفناء الشرقي لقبة الصخرة، والتي كانت مخصصة للعبادة والخلوة.

      تقع قبة يوسف جنوبي صحن الصخرة الواقعة في قلب المسجد الأقصي المبارك، بين منبر برهان الدين والقبة النحوية، وقد بناها الوالي العثماني يوسف أغا، عام 1092 هـ/ 1681 م، وتوجد روايتان حول تسمية القبة بهذا الاسم، الأول: يرجح أنها سميت بهذا الاسم تيمنا بنبي الله يوسف "عليه الصلاة والسلام"، والثاني: ويرجحه وجود النقش الأيوبي الذي وضعه الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في جدار مدينة القدس في هذه القبة، والذي يرجح أن يكون بناؤها بهدف حفظ هذا النقش، وذلك بعد أن أعيد بناء السور على يد العثمانيين، لذلك قد تكون القبة سميت بهذا الاسم نسبة إلي صلاح الدين يوسف.

      والقبة عبارة عن بناء مربع مفتوح الجوانب باستثناء الجانب الجنوبي الذي يرتكز على الحائط الجنوبي لصحن قبّة الصخرة وعلى هذا الحائط المغلق، وضع النقش بداخل القبّة وفوقه المحراب. والمبنى الذي يشبه المصلى الصغير تعلوه قبة محمولة على أربعة أعمدة، وهي ضحلة يعلوها هلال على النمط العثماني. 

    أما غرفة المؤذنين، والتي توجد في الجهة الغربية من قبة الصخرة بالقرب من الأقواس الجنوبية والشمالية، فهي تستخدم كمكان يرفع منه الآذان، بالإضافة إلي غرفة السدنة التي تقع على محيط صحن الصخرة الغربي وشمالي البائكة الوسطى وبمحاذاتها، وهي عثمانية البناء واستخدمت سابقا للعبادة وهي الآن غرفة لرئيس السدنة في المسجد الأقصى المبارك. 

      اهتم العثمانيون ببناء الأسبلة اهتماماً كبيراً، خاصة في طرق الحج، وفي الأسواق والمساجد، ومما تركه العثمانيون في هذا المجال بمدينة القدس، سبيل القاتباي، وهو سبيل يقع مقابل باب المطهرة، بينه وبين الطرف الغربي لصحن الصخرة، في الساحات الغربية للمسجد الأقصى المبارك، وبني السبيل فوق الطوق الشمالي الغربي لمصطبة واسعة تحمل الإسم، وقد بناها أبو النصر إينال وجددها قاتباي عام 887 هـ/ 1482 م، وأعاد ترميمها السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1830 م، إلي جانب سبيل باب المغاربة في الشرق من باب المغاربة، وقد شُيدت في الفترة العثمانية، بالإضافة إلي سبيل الشيخ بدير، ويوجد في الطرف الشمالي الغربي، وقد بناه والي القدس العثماني مصطفى أغا بأمر من السلطان محمود، ويوجد نقوش محفورة على الحائط الشرقي من السبيل وهي عبارة عن أشعار محفورة.  

     مسجد سبيل شالان، وهو مسجد بالقرب من سبيل شالان، في الغرب من قبة الصخرة وأنشئ بأمر من السلطان محمد الرابع في عام 1651م، كما توجد قبة عشاق النبي، والتي أنشئت في فترة السلطان محمود الثاني عام 1808 م، في الجنوب الشرقي لباب فيصل، إلي جانب باب الرحمة والتوبة، والتي توجد في القسم الشرقي لسور الأقصى، وقد مُد  لها أدراج طويلة ومستقيمة، وهذه الأبواب حاليا مغلقة، كما توجد مدرسة السردية في الطرف الجنوبي الشرقي، والتي أُنشئت في نهاية الحقبة العثمانية للمدينة، بالإضافة إلي المدرسة العثمانية المقامة بين باب المطهرة والمدرسة الأشرفية وهي عبارة عن طابقين، وقد أوقفت هذا البناء ابنة محمود بك أصفهان شاه هاتو، إلي جانب خلوة محمد أغا، والتي توجد في شمال صحن قبة الصخرة، وقد أسقط اسم "خلوة محمد أغا في عام 1587، واستخدمت مكاناً للعبادة والخلوة.

     أينما رحلت وتجولت في أي بقعة من الأرض الفلسطينية العربية، تشاهد من الآثار والمعالم العثمانية التي تظل شاهداً علي ما كان يربط بين تركيا والعالم العربي من علاقات، تحكي للأجيال علي مر العصور قصص وحكايات جمعت بين الشعبين العربي والتركي، ونسجت روابط تاريخه مشتركة، وصنعت تاريخاً وحضارة يتوق إليها الشعبين العربي والتركي شغفاً وأملاً في إحياء ما كان يجمع بين الشعبين العربي والتركي من روابط وعلاقات تاريخية.