• 11 آذار 2021
  • ثقافيات

ذاكرة الكتابة


 يشرفنا في شبكة " أخبار البلد" الاستمرار بنشر مراسلات الاديب "محمود شقير؛ تزامنا مع نشرها في صفحته الشخصية على الفيسبوك بعنوان "ذاكرة الكتابة ، مراسلات محمود شقير وحزامة حبايب " ونشكر  الاديب على موافقته على هذا النشر. 

 

العزيز محمود..

كيف حالك وأحوالك ومالك؟ (لا تقلق لست طمّاعة في مالك، فهو قليل! أعرف!)

 

تأخرت في التواصل معك، لكن لك أن تتخيل كم كانت الأيام القليلة الماضية غنية بالأحداث، معظمها إيجابي ومدهش ومفاجئ. من أين أبدأ؟ حسناً.. لأبدأ من الآخر؛ فلقد عدت صباح الخميس الماضي (الموافق 6 أكتوبر) من باريس. أجل باريس! كانت رحلة مفاجئة وغير مخطّط لها، وهي رحلة عمل مدتها ثلاثة أيام، حيث أوفدني مدير التحرير  لحضور مؤتمر صحفي لدار كريستيان ديور العالمية للأزياء! هذه هي المرة الأولى التي أقتحم فيها عالم الجمال هذا و"الهوت كوتور"، عالم النخبة العالمية حيث مشاهير العالم والنجوم يحتكون بكتفك. شخصياً، كانت تجربة مثيرة وفريدة بالنسبة لي، وأجمل التجارب كما تعرف هي تلك التي تعيشها أول مرة. كانت ثلاثة أيام، تذوقتُ خلالها أجمل ما في باريس، حيث نزلت في فندق أنيق في الشانزلزيه (في جناح مؤلف من طابقين، صالون وغرفتيّ نوم وثلاث حمامات، وكان يحلو لي أن أقفز وأنطنط على السرير، وأحياناً انتقل للنوم من غرفة لأخرى (لأصعّب الأمر على "الروم سيرفيس".. ولم لا؟)

قطعت الشانزلزيه طولاً وعرضاً سيراً على القدمين، وكنت أقصم أوراق الخريف تحت قدمي بفرح طفولي، وأينما وجدتُ تجمعات للحمام، كنت أقفز وسطها لأفزعها فتطير من حولي، وأنا أضحك.. ولا أحد يقول لك بالطبع ما الذي تفعلينه!

حضرت عرض أزياء لأشهر  مصمم أزياء عالمي، البريطاني جون غاليانو الذي يعمل لدار كريستيان ديور، وهو عرض نظم في قصر "الغراند باليه" الذي أعيد افتتاحه بعد عمليات ترميم استغرقت عشر سنوات، وسط تغطية إعلامية لا نظير لها. كانت ثمة العديد من نجمات السينما والتلفزيون من هوليود وفرنسا، وكانت العارضات يتهادين بالشيفون فقط، مع شيء من التطريز، الذي كشف عن جمالية خاصة لجسد المرأة. (تعجبني جرأة الغرب، وتعجبني جرأة غاليانو تحديداً، فهو "المجنون" الأول والأكثر عبقرية وإبداعاً في عالم الموضة، وكنت أتابع أعماله عبر المجلات، علماً بأنه يتمتع بثقافة عالية، حيث يستوحي تصميماته من لوحات فنية أو أفلام تمثل حقبة معينة أو من الموسيقى.. الخ، لكن هذه المرة الأولى التي أحضر فيها عرضاً حياً له أو لأي مصمم عالمي، وبدعوة رسمية، حيث اعتُبرتُ من المحظوظات).

حضرتُ كذلك في "الغراند باليه" المعرض الفني المنتظر للرسام النمساوي الشهير غوستاف كلميت، الذي لم يكن مفتوحاً للعامّة، حيث تلقيت دعوة على هامش دعوة ديور.

كل شيء في الرحلة كان بمثابة السحر، وثمة الكثير لأستعيده وأكتبه عنها، لكن التجربة التي لن أنساها لقائي بالنجمة الأسطورة شارون ستون، حيث تمكنت في المؤتمر الصحفي الذي حضره أكثر من 200 صحفي، ومن وسط 6 أسئلة طرحتْ عليها، أن أطرح عليها سؤالين استمتعتْ جداً وهي تجيب عنهما، بل إنها كانت تمازحنى وتتحدث معي كما لو أنها تعرفني. يا الله كم هي امرأة فاتنة، كانت الغواية على قدمين، وحين ظهرت على المسرح أمامنا، كانت ثمة لحظة صمت كأننا لا نصدق أنها هنا.. أمامنا، بل إن العديدين جبنوا في حضرتها، وحين طرحت عليها سؤالين، وُصفا بأنهما جريئان، غبطني معظم الصحافيين لأنني تجردتُ من الرهاب الذي أثاره حضورها في الصالة.

التقيتُ في باريس كذلك بالصديقة، التي كنت أعرفها عن بعد حيث تقرأ لي وأقرأ لها، إنعام كجة جي، وكان لقاؤنا جميلاً حيث أخذتني في جولة في بعض أحياء باريس.. فتوقفت معها عند برج إيفل ونهر السين وسان جيرمان وسان ميشيل والحي اللاتيني، وشربنا القهوة في أحد المقاهي الكثيرة هناك.

 

عدت إلى أبوظبي، لأجد الخادمة التي تعمل لدي بدوام جزئي (ثلاثة أيام في الأسبوع) قد تركتني لبيت دفع لها راتباً أفضل. وجدت "الميكروويف" معطلاً والفرن "خربان" وفلتر الماء مكسوراً والبيت في حالة يرثى لها، وسارة وأمجد يهرعان نحوي: "ماما.. ماما.. شو جبتيلنا معك من باريس. بدنا شوكولاتة!" فأدركت بأنني يجب أن أفيق من سحر باريس، وأن علي أن أحتفظ بـ"تعويذة" المدينة في خزانة الذكريات الجميلة.

والآن.. إلى حقبة ما قبل باريس..

في الأسبوع الأخير من سبتمبر، وردني "إيميل" من صامويل شمعون يقول لي فيها إن ماغي (مارغريت أوبانك، زوجته ورئيسة تحرير دورية "بانيبال") في أبوظبي وأنها تحاول الاتصال بي عبثاً.. (هل قلت لك إنني انضممتُ إلى حزب قليل وشبه منقرض من البشر ممن لا يحملون هاتفاً نقالاً، بعدما سُرق جهازي النقّال في عمان في أغسطس الماضي.. هذه حكاية لوحدها، ذكرني لأرويها لك لاحقاً).

 

بعد جهد، تمكنتُ من الوصول إلى مارغريت التي كانت تبحث عني هي الأخرى. وكان لقاؤنا ممتعاً بحق، حيث تناولنا العشاء واصطحبتها إلى مقهى مطل على البحر مباشرة، قبل أن نقضي ما تبقى من السهرة التي استمرت حتى الواحدة صباحاً في البيت عندي. فرحت مارغريت حين زارت بيتي لترى أين أكتب، وكيف. أقرّت لي بأنها متحمسة لتجربتي، وأكدت بأنها وصامويل، يعتبرانني من أفضل كتّاب القصة في الوطن العربي، وهو أمر أشعرني بالرضا، خاصة حين يأتي الاعتراف إليك، ويجاهد في سبيل الوصول لك، دون أن تذهب أنت إلى هذا الاعتراف، وأعتقد أنك تفهم ما الذي أعنيه تماماً. تطرقنا إلى قضايا أدبية كثيرة، وتحدّثتُ عنك وعن كتاباتك، فسعدتْ حين علمت بالصداقة التي تربط بيني وبينك، وأخبرتني بأنها من أشد المعجبات بكتاباتك وتجربتك القصصية. 

لقد بدا أننا، مارغريت وأنا، كما لو كنّا نعرف بعضنا منذ سنوات، على الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي نلتقي فيها. بحق، تفاجأت شخصياً بغنى وعمق تجربتها الإنسانية والثقافية والسياسية، وكم غبطتُ نفسي على صداقتها، حيث اتفقنا بأن نظل على تواصل. أخبرتني مارغريت كذلك بأنهم يعملون حالياً على عدد الخريف من "بانيبال" الذي سوف يصدر في نوفمبر القادم، حيث ستكون لي فيه قصة جديدة مترجمة تم اختيارها من "ليل أحلى".

يبدو أن هذا هو موسم الأخبار الجميلة بالنسبة لي، أعتقد يا صديقي أنني أستحق ذلك، فلطالما لازمني الوجع واليأس والخيانات، التي لا أفهم لها سبباً. أتعرف ما الذي حدث أيضاً؟ حين وصلت من باريس (حلوة هذه الجملة، إذ توحي لك بأنني معتادة على الذهاب إلى باريس "خرّي مرّي".. أليس كذلك؟) وجدتُ "إيميلاً" مفاجئاً بانتظاري.. كان من باحث بريطاني، وكعادة الناس الذين يبحثون عني دون كلل أو ملل والذين أحترمهم لإيمانهم وثقتهم بي، قال لي إنه يحاول الاتصال بي منذ شهور قبل أن يحصل على عنواني الإلكتروني من "الجوردان تايمز". فهمت منه أنه يعمل، بتكليف من دار "الساقي" اللبنانية، على أنطولوجيا للأدب النسائي الفلسطيني باللغة الإنجليزية، وطلب مني أن أشارك فيها، بحيث أرسل له كتبي مع القصة أو القصتين التي/ اللتين أرشح ترجمتها/ ترجمتهما إلى الإنجليزية. طبعاً سوف يتولى هو عملية الترجمة (عبر الاتصال بمترجم مناسب) والمتابعة والمراجعة. لقد قال لي يا صديقي ما جعلني أعرف أن ما عملتُ وضحيتُ لأجله منذ سنوات قد لا يكون عبثاً في النهاية: "لا أعتقد أن الأنطولوجيا تكتمل من دونك." وهو أمر قدّرته له. أرسلتُ له نسخة من كتبي واتفقت معه على أن نكون على تواصل، حيث أبدى سعادة أصيلة بتعاوني معه.

وإلى المنغصات.. لماذا لا تكون الحياة جميلة دائماً؟!

جاء رمضان وجاء تعبه. هذا الشهر يقتلني، ويقتلني أكثر "النفاق" البشري الذي يتبدى في أكثر صوره قرفاً. طبعاً لا تستطيع أن تأكل أو تشرب في العمل (بس تتطلع في عيونهم، على رأي سميرة توفيق، ويا ريت في الفرجة ما يسر!!) طبعاً، أنا لست على استعداد للانسجام مع هذا الوضع، حيث أجلب معي "ترموس" القهوة، والكل يشم رائحة القهوة في مكتبي، وتبدأ حفنة من المتلفّعات بالأخلاق الرمضانية المؤقتة بالغمز واللمز، كأنني أنا السبب في انهيار قلاع الأخلاق الصامدة في الأمة العربية!

المشكلة الأخرى أنني لا أستطيع أن أكتب في رمضان كما ينبغي، فابنتي سارة تصوم وأحترم صيامها، وإن كنت أفطر، لكن أضطر إلى دخول المطبخ لإعداد وجبة الإفطار، وكعائلة نأكل معها لأنني لا أستطيع أن أطبخ مرتين، واسألني يا محمود ما أشد ما تمقتينه في هذه الحياة، أقل لك المطبخ ورب المطبخ. ومع "هروب" فاطمة الصغرى، الخادمة التي كانت تعمل لدي ثلاثة أيام في الأسبوع، أشعر بالعجز، فلقد اكتشفت بأنني كنت معتمدة عليها كلياً، وأعترف لك بأن هذا أمر مخجل. (أتذكر واقعة غريبة.. كانت عرّافة أيرلندية قالت لي مرة بأن لكل إنسان حياة سابقة، يحملها في وعيه. قرأتْ لي طالعي، وسافرت بالسحر الذي تزعم أنها تمارسه إلى ماضيّ السحيق،  ورأت بأنني في الحياة السابقة كنت ملكة وأن ثمة خدماً وحشماً كانوا تحت إمرتي ليل نهار. أحببتُ هذه الفكرة، فأن أكون في حياة سابقة ملكة أفضل من أن أكون نعجة مثلاً! على كل حال، عشت مع زماني الساحق فترة من الوقت وحين قلت لحليمو، زوجي الذي يحتمل جنوني بصبر حقيقي، أنني كنت ملكة وأعامل كملكة حرص على ألا أنجرف إلى ذاك الزمان السحري وقال لي : "كلي خرا وقومي جلالتك سوّيلي فنجان قهوة! فلم أنسق وراء أوهامي طويلاً. وبالطبع أعددتُ له القهوة!)

أفرح أيها الصديق برسائلك، لكن تزعجني فيها بالطبع تلك التفاصيل التي تزعجك والتي تكون على حساب راحتك النفسية والعاطفية والفكرية، وهي كلها شرط لازم لراحتك الإبداعية. أود بداية أن أطمئن على زوجتك، أعرف أن هذا الأمر مخيف لكل النساء. أتمنى أن تكون نتيجة التحاليل مطمئنة. أما بشأن المنغّصات الأخرى، والتي يبدو أنها خانقة فعلياً، فلا يبدو لي أنها ستنقضي بانقضاء الصيف. عليك يا محمود أن تبحث عن حل جذري حتى وإن كان مؤلماً. يجب أن تخصص عدة شهور لك ولكتابتك وتأملك، الذي ليس ترفاً بالتأكيد، تقضيها خارج مدينتك، وإلا قد تخسر أشياء جميلة كثيرة. صدقني أيها الصديق، ثمة أفكار لا تحتمل التأجيل، وإذا لم تجد الفسحة النفسية الأساسية لتجسيد الفكرة في أوانها وفي ذروة حماستك لها في مشروع كتابي فقد تذهب منك دون عودة. هل بحثت مع العائلة فكرة الانتقال إلى عمّان لقضاء بعض شهور السنة فيها؟ تستطيع أن تذهب وحدك، وبالتأكيد الجميع سوف يتفهّمون حاجتك للخلوة الإبداعية.

بالمناسبة سوف ألتقي أمنية أمين خلال أيام، حيث ستزورني لنتناول إفطاراً رمضانياً معاً، وسأسألها عما إذا كانت قد اطلعت على كتبك. لم أنته من "مرور خاطف" بعد، فثمة بعض المراجع التي أعاينها حالياً التي تخص كتابي الذي أعكف عليه، كنت قد استعرتها من مكتبة المجمع الثقافي في أبوظبي ويتعين علي أن أرجعها خلال أسبوع من الآن. سيكون لنا نقاش في "مرور خاطف" قريباً، وسأعطيك بالتأكيد رأياً متأنياً ومخلصاً.

 

هاأنذا أعوض غيابي برسالة طويلة.. إلى لقاء متجدد قريباً

حزامة حبايب

أبو ظبي – الثلاثاء 11 أكتوبر 2005

 

***

العزيزة حزامة

تحية وبعد

قرأت رسالتك غير مرة باستمتاع، وأنا أزداد قناعة مع كل رسالة ترسلينها لي، بأنك قادرة على ممارسة الكتابة الساخرة. بالطبع تتوفر السخرية في قصصك السابقة بشكل أو بآخر، ولكن، يمكن تطوير هذا المنحى ليصبح مؤكداً في كل ما تكتبين. ثمة سخرية محببة خفيفة دم إلى حد بعيد.

مبروك عليك هذا الارتحال إلى باريس. إنها فرصة جيدة للدخول إلى عوالم جديدة، ولملاحظة كيف يعيش أناس الأضواء الدائمة هؤلاء، المنعّمون الذين يلعبون بالمال مثلما يريدون. أعتقد أن لهم حياة خاصة لها تفاصيلها التي نجهلها، ويبدو أن التعرّف إلى بعض أجوائهم والكتابة عنها أمر مناسب من وجوه عديدة.

ولكن لا أدري لم بالغوا إلى هذا الحد في تكريمك في الفندق؟! لماذا خصصوا لك جناحاً بهذا العدد من الغرف؟! ألا تعتقدين أن جرعة السعادة الزائدة قد تسبّب لأمثالنا شيئاً من الفجيعة؟! مع ذلك، فقد أحسنت استثمار المكان وأنت تتقافزين من غرفة إلى أخرى. أجواء الشانزليزيه التي عشتِها تغوي بكتابة قصص قصيرة في زمن قادم، فحاولي أن تسجّلي بعض التفاصيل التي سوف يأتي وقت ملائم لاستعادتها وللكتابة حول ذلك أدباً قصصياً، أو أدب رحلات.

أنت تستحقّين هذه الاهتمام وهذه النجاحات التي تطلّ عليك الآن من عدد من المواقع المختلفة، لأنك كاتبة متميزة بحق وحقيق. تكتبين قصة قصيرة بأسلوب متفرّد، وأرجو أن تكون روايتك التي تكتبينها الآن فتحاً جديداً آخر في باب فتوحاتك الأدبية. وأنا مسرور لأنك التقيت مارغريت أوبانك، واكتشفت أنها امرأة مثقفة. لم ألتقها من قبل، لكنّني كنت طوال الوقت أخمّن أنها مثقفة، وأظنّ أنك التقيت أمنية أمين خلال هذا الوقت الذي انقضى منذ كتبت لي رسالتك السابقة، فأرجو حينما تلتقينها مرة أخرى أن تبلّغيها سلامي.

تلقيت دعوة من جامعة في هونغ كونغ للسفر إلى هناك أواسط شهر تشرين الثاني القادم، وللإقامة في السكن الخاص بالجامعة مدّة شهر، للمشاركة في ورشة ثقافية شبيهة بورشة جامعة أيوا، (ستكون هناك زيارة جماعية أيضاً لجامعة في مدينة بكين، وإقامة هناك مدّة خمسة أيام). سيكون هناك في الورشة تسعة كتّاب وكاتبات. هذه الورشة ابتدأت العام الماضي، وسوف تُعقد كل سنة، فإن رغبت في الذهاب في المستقبل إلى هونغ كونغ، فسوف أرشّح اسمك لكي يكون حاضراً في أذهان المسؤولين عن هذه الورشة، وسأقوم في حال موافقتكِ على ذلك، بإعطائهم عنوانك. وفي هذه الحالة يصبح مناسباً أن ترسلي لي نصّين قصصيّين آخرين علاوة على النص الموجود لديّ باللغة الانجليزية لأسلم هذه النصوص للمعنيّين هناك.

ستكون هذه الرحلة فرصة مواتية لي للتجدّد وللتأمّل وللخروج  من المحيط الضيق الذي أعيش داخل قضبانه. وستكون أيضاً فرصة للتفكير في كيفية التصرّف إزاء المكان، وكيف أغادره بين الحين والآخر، علماً بأن أحوالي الصحية باتت تضغط عليّ بضرورة التواضع وعدم رفع طموحاتي إلى سقوف عالية أكثر مما ينبغي. مؤخراً بدت فحوصاتي الطبية غير مطمئنة أبداً، ويوم أمس راجعت طبيباً مختصاً في المسالك البولية، فأكّد أن لديّ تضخّماً في غدّة البروستات، واقترح عليّ أن أؤجّل أخذ عيّنة للتأكّد من طبيعة هذا التضخّم حتى أعود من السفر. وقد راق لي هذا التأجيل، لأنني لا أريد أن أُصدم بنتيجة غير مطمئنة، مما قد يفسد عليّ هذا السفر. (علماً بأنني لا أشعر بأيّ وسواس، ولتكن النتيجة ما  تكون. فقد كنت طوال الوقت منتبهاً إلى صحّتي، ومع ذلك فإن أمرنا مع المرض كأمر المقامر أو الذي يسحب اليانصيب. لي أصدقاء يدخّنون ويسكرون ويأكلون طعاماً دسماً باستمرار، ولا يصابون بالأمراض. أنا لا أدخّن ولا أسكر ولا أتناول طعاماً دسماً، وعلى رغم ذلك أصبح عرضة للمرض! فأين هي العدالة في ذلك؟ طبعاً أتمنى لأصدقائي الصحة والسعادة وأتمنّى أن يظلّوا في منأى عن الأمراض).

أتذكّر الآن كلامك على الكتابة المنتظمة في الصحف وإمكانات تأثيرها سلباً على فاعلية المبدع. وأعتبره كلاماً صحيحاً، وأنا الآن أشعر بالتعب من الكتابة الأسبوعية. تظل أعصابي مستنفرة بحثاً عن موضوع مناسب، موضوع يروق لي وأرغب في الكتابة حوله. لذلك، سأفكّر مع اقتراب موعد سفري بالاعتذار للزميلة سميحة خريس عن عدم  الاستمرار في الكتابة المنتظمة، وسأتحوّل إلى الكتابة غير المنتظمة في الرأي، الكتابة التي أختار أنا زمانها كما أريد، وسأركّز على كتابة ونشر القصص، وسأبتعد عن كتابة المقالات.

أرجو أن تكوني قد انتهيت من قراءة "مرور خاطف" لكي أقرأ رأيك فيه، لأنني مهتمٌّ بكل كلمة ستقولينها حوله لجهة السلب ولجهة الإيجاب. كتبت بضع قصص قصيرة جداً خلال الأسبوعين الماضيين، لكنني طامح إلى كتابة شيء جديد في هذا المضمار، وإلا لماذا أكرر نفسي إذا لم أكتب شيئاً جديداً؟!

والآن أيتها الملكة! (مسألة ممتعة ويمكن استثمارها في كتابة للصغار وللكبار كذلك) سأتركك في ظلّ الراحة التي توفّرها لك أسرتك الصغيرة، وسأنهي رسالتي وأنا راغب في كتابة المزيد، لكن آلام رقبتي وكتفي تلحّ عليّ بالتوقّف عن الكتابة، فالمعذرة.

مع التقدير 

محمود شقير 

القدس/ 20 / تشرين الأول / 2005