• 24 آذار 2021
  • ثقافيات

 

ذاكرة الكتابة

 


 يشرفنا في شبكة " أخبار البلد" ان نستمر  بنشر مراسلات الاديب الكبير  "محمود شقير" تزامنا مع نشرها في صفحته الشخصية على الفيسبوك بعنوان "ذاكرة الكتابة ، مراسلات محمود شقير وحزامة حبايب " ونشكر الاديب الرائع على موافقته على هذا النشر

 

 

العزيز محمود

بداية، لم تعجبني آخر صورة لك منشورة في كيكا، فهي تعكس حزناً وكآبة في إطلالتك، كما تظهرك أكبر من عمرك بكثير (اللهم إلا إذا كان عمرك كبيراً بهذا القدر البادي!)

أما بعد، فقد أفرحتني رسالتك الأخيرة (31 يناير 2006). تأخّرت في الرد عليك، ولكن ثمة أشياء بلا معنى، بالتأكيد تعيش ما يشبهها في ظروفك الحياتية وأكثر، أبعدتني عن أشياء كثيرة أحب، منها الكتابة لك وللأصدقاء. لكن المؤلم أنني عشت ثانية في الأسبوعين الماضيين حالة مدمرة من الكآبة، كادت تأتي عليّ والله، حتى أنني لم أنم على مدى ليلتين كاملتين، ولولا أن "حليمو" صادف أن كان في إجازة لمتُّ، فقد حرص على أن يكون إلى جانبي طوال الوقت، ثم أخذني إلى مقهى أحبّه في المدينة وجلسنا فيه أكثر من ساعتين، حيث شجعني على الحديث عن أشياء كثيرة تقلقني، حتى وإن بدت في ظاهرها تافهة أو غبية. وقبل أيام، اصطحبني في عز المطر إلى بار أعشقه اسمه "هيمنغواي" متخصّص في الجاز بكل أنواعه، حيث رقصت بفرح طفلة. أبديت خشيتي من الكتاب، وخفت حقيقة أن أفقد إيماني بما أكتب، ذلك أنه بدأ يسطو على تفكيري معظم اليوم، فالشخصيات يعيشون معي، ينامون ويصحون ويفرحون ويحزنون معي، ولا أملك أن أطردهم من حياتي لوقت، لأي وقت!

أتعرف.. فكرت أن أمزق كل ما كتبت.. أن أقتل الشخوص وأمثّل فيهم، علنى أخلص منهم، لكن حليمو منعني. قال لي إنني لا أستطيع أن أهدر جهد سنوات في لحظة حزن قد أدفع ثمنها طيلة عمري وفكري.

أنجزت الآن سبعين في المئة من الكتاب، والأشياء والناس استقلوا تماماً عنى، خرجوا من إرادتي. أتعتقد أن هذا هو سبب حزني وكآبتي؟ كلا.. أنا اليوم أعيش أكثر فترات حياتي وحدة وعزلة، والعزلة وإن كانت مفيدة للعملية الإبداعية، لكنها مرهقة ومربكة إنسانياً. المشكلة أنني، كما قلت لك في أكثر من رسالة، بدأت أنا نفسي أهرب من الناس، وأحدّ من صداقاتي، لقناعتي المتزايدة، التي تبرهنها الأدلة الكثيرة من حولي يوماً بعد يوم، بأن البشر هم أصل الشر والأذى  في هذا الكون. ما أخشاه يا محمود أنني فقدت قدرتي على التسامح. قلتها لك من قبل، وأقولها اليوم، وأقولها غداً وبعد غد، وكل الأيام القادمة حتى نهاية الزمن!

في أيام الكآبة السابقة كنت أبكي فجأة، ثم أتعْرِف؟ أرتاح بعد نوبات البكاء، كأن شيئاً ثقيلاً يسقط من نفسي المتعبة والمنهكة، ثم أعود فأحزن لتثقل روحي ثانية قبل أن أبكي وهكذا. أنا اليوم أحسن، وإلا لما كتبت لك، إذ قررت ألا أكتب لك أو لأحد إلا حين أتجاوز حزني العنيف، مستبقية قليلاً من الحزن الذي لا بد منه زاداَ لعيشي اليومي ولكتابتي.

الكتاب؟ إنه يتقدم ويتقدم ويتقدم. أحبه بقدر ما أكرهه، لا أبالي به بقدر ما أهابه وأخاف منه، أنا هو وهو أنا، والحق بقدر ما أكون متشوقة للجلوس على المكتب أفتح شاشة المحمول التي تضيء عتمة الصالون، حيث صومعتي اليومية، بقدر ما تراني أؤجل تلبية نداء الكتابة، خشية وترقباً وحذراً مما قد يخرج من فكري وقلبي على الورق الذي يمتلئ أمامي، ببطء حيناً وبسرعة حيناً آخر.

هل حدثتك عن الشيء الغريب الذي حصل معي؟

حسناً، في أواخر شهر ديسمبر الماضي، وعلى مدى خمسة أو ستة أيام، تلبستني حالة عجيبة، من هياج الفكر والروح، ووجدتني أعكف على نمط من الكتابة موغلة في البعد عني، كما أفترض، أو لا عهد لي بها وبالأحاسيس الداخلة فيها. كنت أجلس على المكتب عشر ساعات متواصلة، وأحياناً أكثر. وحين وضعت الحرف الأخير في الكلمة الأخيرة في الورقة الأخيرة، تنفست الصعداء. ثم عندما قرأتُ ما كتبت خفت، من نفسي بالدرجة الأولى ثم من مشاعري. لم أعرف ماذا أفعل. اتصلت بأحد الأصدقاء، فطلب منّي أن أرسل له المادة، ولا تتخيل كم كانت دهشته عظيمة! قال لي إنها كتابة مذهلة، وهي قريبة من الكتابة الصوفية. بصراحة أخافني كلامه كثيراً، لكنه في الوقت ذاته جعلني أؤمن بأن "الشيطان" المغوي بفتنة آسرة الذي تلبسني طيلة أيام الكتابة لم يكن شريراً بالمطلق، أو لعله لم يكن شريراً على الإطلاق.

وإذن، أصبح لديّ كتاب، نبت في لحظة لم أخطّط لها أو أعمل لها حساباً، لكن كل الأشياء الجميلة تأتي هكذا، ولن أنشره الآن، لأنني لا أريد أن يكون موضع اهتمام (سواء أكان سلبياً أم إيجابياً) قبل أن أفرغ من مشروعي النثري الحالي، الذي أراه أكثر أهمية. سوف أؤجل نشر الكتاب الذي خرج من عباءة الحزن وصفاء التفكير الذي يأتي بعد النحيب لعام وربما أكثر.. ما رأيك؟

أنا أغبطك لنشاطك في العمل على أكثر من مشروع، لكن اسمح لي أن أشدّد على ما أراه يحتل الأولوية المطلقة، ألا وهو مشروعك القصصي. وأتطلع إلى مجموعتك الجديدة منشورة في كتاب، مع أنني قرأت على ما أعتقد معظمها، لكن يظل الكتاب "غير"! (بالمناسبة هل تواصلت مع إنعام كجة جي؟)

فاجأتني روايتك، إذ لم تكن قد حدثتني عنها من قبل. بالطبع، تستطيع أن تعود لها، لكن المشكلة أنك قد تعيد قراءتها في ضوء مستجدات كثيرة، فالرواية سجل حياتي ينطوي على دلالات كثيرة. أقترح عليك أيها الصديق أن تقسو على نفسك قبل أن تفكر في نشرها. 

أتمنّى لك كل النجاح وكل السعادة وكل العطاء وكل الإبداع أيها الصديق

مع مودتي

حزامة حبايب

أبوظبي – 26 فبراير 2006

***

العزيزة حزامة

تحياتي 

أرجو أن تكون الكآبة التي تلبستك قد ذهبت إلى غير رجعة. هذا أمر مقلق فعلاً، وأنا مسرور لأنك استطعت الخروج من هذه المعاناة. ولا شك في أنك محظوظة بزوجك حليم وبسعة صدره وبقدرته على التواصل  الحميم في اللحظات الحاسمة. هذا تعبير عن نفس كريمة طيبة. وأنا لا أنسى أنه محظوظ بك أيضاً، لأنك إنسانة نقية القلب خفيفة الظل، لكنني على قناعة بأن هذه التقلّبات النفسية العاصفة هي نتاج أكيد لمشاعرك المرهفة التي تزيدها القراءة رهافة، كما يزيدها الانهماك في كتابك الجديد تأججاً. 

كنت قرأت عن كاتب أميركي لم أقرأ له سوى القليل، اسمه على ما أعتقد سالينجر، الذي اعتزل الناس والحياة سنوات طويلة، ولم يعد يرى أحداً أو يقابل أحداً. أعتقد أن الأمر حينما يصل إلى هذا المستوى من العزلة فهو شديد الوطأة. وقد أكون مخطئاً، ربما كان هذا الكاتب مغتبطاً بعزلته. ولست أدري في ما إذا كان ما زال حياً أم إنه مات.

في الظروف التي تربّينا عليها ونشأنا فيها، تبدو العزلة بالنسبة لنا مربكة كما جاء في رسالتك، لأن مجتمعنا لا يستسيغ العزلة التي نمارسها وقد يستغربها. أنا أمارس العزلة منذ سنة على نحو مستمر، لكنني أخرج إلى المجتمع في اللحظات التي تتطلب ذلك. أخرج إلى الجنازات والأعراس، وأقوم بزيارة حجاج بيت الله لدى عودتهم من الديار الحجازية، وغير ذلك من المناسبات الاجتماعية. (أحياناً، أعبّر عن تذمّري من كثرة المناسبات الاجتماعية بالقول لأبنائي: صدّقوني، سيأتي زمن نذهب فيه للسلام على كل من ذهب إلى القدس في الصباح وعاد منها في المساء!) وأنا أدرك أن عدم المشاركة في المناسبات يعني الخروج من حياة الجماعة، وهذا أمر صعب  في ظروفنا التي نحياها.

وأنا أتفق معك إلى حدّ كبير في أن بعض البشر مقرفون إلى درجة قصوى. ولأنه من غير المجدي الدخول في صراعات بدائية مع أوباش لن تخلو منهم مجتمعاتنا المتخلّفة، فالأجدى أن نحوّل القرف الذي نشعر به بسبب هؤلاء الأوباش، إلى طاقة حيوية تصبّ في ساحة الكتابة والإبداع. يُروى عن برنارد شو أنه كان لا يتمكن من الكتابة إلا إذا استفزّه شخصٌ ما. لذلك كان حينما تتعسر عليه الكتابة، يسعى إلى استفزاز الحثالات من البشر لكي يستفزوه بدورهم فتأتيه الكتابة.

ضحكت باستمتاع وأنا أقرأ تعليقك على صورتي المنشورة في كيكا. كنت قد لاحظت التكشيرة منذ البداية وقلت لزوج ابنتي، تبدو نظرتي في الصورة مثل نظرة جميل عازار مذيع الأخبار في قناة الجزيرة، جميل عازر شخص محترم وقور لكنّه عابس دائماً. مع ذلك، لم أجد حرجاً في إرسالها إلى كيكا، لأن هذا هو الموجود؛ أولاً: أشعر وأنا في استوديو التصوير بعدم وجود سبب كاف للابتسام. ثانياً: أنا أصبحت كبيراً في السنّ فعلاً ولم تعد تنفعني المكابرة والمناورة. 

مبارك عليك هذا التفجّر الإبداعي الذي جاء في شكل كتابة مفاجئة. هذا أمر مبشّر بتفجّرات أخرى مشابهة. وأنا أعتقد أن تأجيل نشر هذا الكتاب الطارئ أفضل لك، وذلك لإعطاء كتابك النثري؛ على حدّ وصفك إياه، فرصته الكاملة. إن القلق الذي يساورك بخصوص الكتاب ومعايشتك له ولشخوصه باستمرار وتمرد هؤلاء الشخوص عليك هو دلالة على ظاهرة صحية، ستثمر في اعتقادي كتاباً له مستواه. لكن، عليك ألا تقلقي كثيراً. تعاملي مع ولادة هذا الكتاب من دون هزّات عاطفية عنيفة ومن دون خوف من المجهول. ومع ذلك، فإن هذه  المعاناة لن تذهب عبثاً بأي حال.

أنصحك، حينما تداهمك الكآبة أو أي شعور بالحزن، أن تنهمكي في الكتابة. ليس شرطاً أن تشتغلي على كتابك الموعود في مثل هذه الحالة إذا شعرت بأنك غير قادرة على الاشتغال عليه. حاولي أن تكتبي أي شيء آخر. وفي لحظات الاستراحة، افتحي التلفاز على أكثر البرامج سخافة وتسطيحاً.  أجد راحة وأنا أشاهد بعض البرامج السخيفة وما أكثرها في محطّات التلفزة. أنشغل أيضاً في متابعة مباريات كرة القدم. وأنشغل في الكتابين الآخرين اللذين حدّثتك عنهما. أضيف فقرة هنا أو هناك. أحذف شيئاً وهكذا. لست مستعجلاً على إرسالهما للنشر. وسأمرّرهما على بعض الأصدقاء قبل التفكير في نشرهما. وسأمرّر كتاب القصص القصيرة جداً على صديقين أو ثلاثة خلال الأيام القادمة ليقولوا رأيهم فيه. وكان من المفروض ألا أنشر شيئاً من قصص هذا الكتاب، لأن ثمة إشارات في الكتاب تلمّح إلى المصادر التي أستقي منها الشخصيات والأحداث، كما أن القصص يكمل بعضها بعضاً. لكنني مضطر إلى المجازفة وإلى نشر القصص ومن ثم نزعها من سياقها الذي يؤطر أبعادها ودلالاتها. هذا النشر المجتزأ قد يقلّل من قيمة القصص وقد يوقع القارئ في بلبلة حول بعض الشخصيات، لكنني  مضطر إليه لكي أواصل حضوري لدى قرّاء تأتيني رسائل منهم، من المغرب ومن السعودية ومن لبنان وغيرها. وأغلب الذين يكتبون هذه الرسائل هم كتّاب وكاتبات؛ لبعضهم ولبعضهن حضور بارز في الثقافة العربية المعاصرة، ونادراً ما يكتب قرّاء عاديون رسائل لي. والرسائل في الأغلب تحمل إطراء وإعجاباً، وهذا أمر يريحني ويقلقني في  الوقت نفسه.

عدت إلى الكتابة في شكل منتظم تقريباً للرأي. ومنذ أسبوعين رحت أكتب مقالة أسبوعية في صحيفة القدس المقدسية، بناء على رغبة أبداها مديرها الإداري هاني العباسي الذي كان أحد تلاميذي في وقت سابق، وقد تعززت هذه الرغبة بموافقة فورية واضحة من  المحرر المسؤول في الصحيفة د. مروان أبو الزلف. أكتب في القدس عن حالة التفكك والتشرذم وعن الفوضى والنزاعات التي تسود في مجتمعنا، وسأكتب في الثقافة، وسوف أستمر في ذلك لأن هذه الجريدة مقروءة، ولها جمهور من الناس البسطاء ومن التجار والطلاب والمعلمين الذين فقدوا علاقتهم بالثقافة منذ زمن طويل.

ماذا أيضاً؟ أنا مغتبط بالعزلة التي أمارسها بوعي وانتباه. مغتبط بما أقرأ كل يوم، وبما أكتبه أو أفكر في كتابته. طبعاً ثمة منغّصات بين حين وآخر وعلى فترات متقاربة، وثمة انشغالات مفاجئة. إنما أكثر ما يزعجني: الخوف من التباس غير مقصود تجرّه عليّ تناقضات وضعنا الاجتماعي، التباس لا علاقة له بأفكاري وبموقفي المناهض للاحتلال، وكذلك الخوف من زلزال يأتي في اللحظة التي أذهب فيها إلى النوم، فيقلب هدوئي ويزعزع عيشي. وأكثر ما يزعجني، جلطة دماغية تبقيني على قيد الحياة، إنما من دون قدرة على الحركة وعلى العيش مثلما يعيش الأحياء الأصحاء. 

أتمنى لك الصحة والسعادة ومزيداً من العطاء الإبداعي المتميز.

مع تقديري واحترامي

محمود شقير/ القدس

09/ آذار / 2006