• 31 آذار 2021
  • ثقافيات


ذاكرة الكتابة

 

 يشرفنا في شبكة " أخبار البلد" ان نستمر  بنشر مراسلات الاديب الكبير  "محمود شقير" تزامنا مع نشرها في صفحته الشخصية على الفيسبوك بعنوان "ذاكرة الكتابة ، مراسلات محمود شقير وحزامة حبايب " ونشكر الاديب الرائع على موافقته على هذا النشر. 

 

 

الصديق محمود

تحياتي

أعتقد أنني سعيدة، ليس بالمطلق (وأنا لا أريد بلوغ السعادة بالمطلق حتى وإن كنت أنشدها، فالمتعة يا صديقي هي في الجري وراء السعادة لا في بلوغها أخيراً)، لكن السعادة، حتى وإن كانت جزئية أو مجتزأة، تجعلنا نرى الأشياء والبشر جميلين، فما بالك إذا كان هؤلاء البشر نحبهم أصلاً، في المبتدأ والمنتهى، في اللقاءات الأولى كما في اللقاءات التالية، ربما لأن هؤلاء البشر .. "بشري" محدودون.. تعبت حين وقعت عليهم، تعبت أكثر حين استبقيتهم، وتعبت أكثر كثيراً لأحافظ عليهم. أعتقد أنك أحد هؤلاء الأصدقاء "القلّة" القليلة، لكن قطعاً الأثيرة إلى قلبي وعقلي وروحي.

أتعرف.. أكتشف مع الأيام والمشاعر أنه كلما بَعُد الأصدقاء أصبحوا أجمل وأسمى، ربما لأنهم يرتقون إلى فكرة أكثر منها حقيقة، ليس لأن الحقيقة بغيضة، ولكن لأنها غير منزهة عن البغض تماماً. نحن بشر يا صديقي، فينا شرٌّ مقيم كما أن فينا خيراً مقيماً. في البعد ينحسر الشر لحساب الخير. أنا؟ لست مختلفة بالضرورة! وإلا لما كنت أتمنى أن أقتل أحياناً!! (لا تخش شيئاً، فأنا لا يمكن أن أفكر أبداً بقتلك أو قتل أصدقائي الجميلين المدهشين، على قلّتهم.)

 

أخباري؟ كثيرة وكثيرة! وطبعاً سبقتني إليك! فلنبدأ بلندن. إنها رائعة يا عزيزي، مدهشة بحق، ساحرة وفاتنة. للمرة الأولى في حياتي، ومن بين جميع المدن التي زرتها، أشعر بأنني في مدينة ليست غريبة عني، هي بشكل من الأشكال توأمي الضائع، الشق الآخر من الجوزاء الهاجعة في وعيي ولا وعيي (فأنا جوزاء ضائعة دائماً عن شخصيتي الأخرى). في لندن، كنت لندنية بامتياز. وعلى كبر المدينة واتساعها لم أشعر بالتيه أو الغربة ولو لثانية. الشيء المدهش يا صديقي أن لندن، هذه المدينة الكوزموبوليتانية اللامبالية كانت حنوناً علي بما لا يقاس! أعتقد أنني عشقت لندن، لندن أيضاً أحبتني، وإن لم تشأ أن تصرح لي بذلك، غروراً ربما واستعلاء، من بقايا شعور بالعظمة غابر!

كما لعلّك تعلم، كنت قد تلقيتُ دعوة من المجلس الثقافي البريطاني للمشاركة في ندوة أدبية بمناسبة إطلاق انطولوجيا قصص قصيرة لكاتبات فلسطينيات عن دار "تليغرام" اللندنية للنشر. وكانت الباحثة البريطانية جو غلانفيل قد عملت على الانطولوجيا لأكثر من عام، حيث بذلت جهداً خارقاً كي تصل إلي، فأنت تعرف أنني "صفر" في العلاقات العامة. وعلمت منها أن الكاتب الفلسطيني سمير اليوسف، المقيم في لندن، هو الذي رشحني بقوة. وأعربت لي في النهاية عن سعادتها لمشاركتي في الانطولوجيا، مقرة لي بأن قصتي من بين الأجمل في الانطولوجيا، وهو ما جعلها تختارني للمشاركة في الندوة الأدبية على هامش إطلاق الانطولوجيا في لندن، إلى جانب ثلاث كاتبات أخريات. (بالمناسبة: التقيت سمير اليوسف في لندن، وقضينا نهاراً رائعاً معاً. كانت تلك المرة الأولى التي ألتقيه فيها شخصياً، وفوجئت به متابعاً شغوفاً لكتاباتي، ومعجباً كبيراً بي، عن بعد، حيث كتب عن قصصي عدة مقالات، مختاراً "شكل للغياب" عند ظهورها بوصفها من أهم المجموعات القصصية التي صدرت في الوطن العربي خلال عقد. بالنسبة له، لم أكن امرأة تكتب، أنا أكتب، وهو يراني مبدعاً، بالمفهوم غير الجنسوي، وهو ما أحب أن يراه الجميع في كتاباتي.)

أما الندوة، فكانت رائعة بحق. قالوا لي إنني "تألقت". كنا معاً ليانة بدر وعدنية شبلي ورندا جرّار وأنا، وكانت هناك قراءات باللغة العربية وأخرى بالإنجليزية، أما النقاش فكان باللغة الإنجليزية، وأعتقد أنهم فوجئوا بقدرتي على التعاطي مع هذه اللغة، التي أحب، بحيوية وسلاسة، جنباً إلى جنب مع التعبير عما أريد بوضوح وعمق. تطرقوا إلى مسألة منع قصتي "خيط ينقطع" في الأردن، عند ظهورها في مجلة "الكاتبة" ثم في مجموعتي "ليل أحلى"، وسئلت ما إذا كنت أخشى المتطرفين، فأجبتهم بأن المتطرفين لا يقرؤون ولو كانوا يقرؤون لأدركوا حجمهم الحقيقي في هذا العالم وقطعاً لأصبحوا أكثر تسامحاً وانفتاحاً على ثقافة الآخر. تطرقت كذلك إلى ما أحاول أن أشدد عليه، ككاتبة وكفلسطينية، وهو أن ثقافتنا هي ثقافة حياة لا ثقافة موت، وإذا كان طريق الحياة الرئيسي، الذي نعرف أو الذي يفترض أن نرتاده دون صعوبات، مغلقاً لسبب أو لآخر، فإننا نبحث عن أزقة أو طرق فرعية لبلوغ الحياة، وفي آخر المطاف نبلغ الحياة. 

في كتاباتي، أحاول أن أقود شخصياتي إلى هذه الأزقة، أزقة الحياة. تطرقت كذلك إلى فكرة المخيم الفلسطيني، كغيتو، "لا تقنعوني بأن المخيم كبيئة يمكن أن يتمخض عنها حياة صحية، بالمعنى السياسي والاجتماعي والنفسي والجنسي. لا تقنعوني أن المخيم الفلسطيني يخرّج أبطالاً؟"

لقد تخللت نقاشاتنا السخرية والفكاهة، وتجاوب الجمهور الكبير والنوعي معنا على نحو مذهل. سئلت عما يعنيه أن تتعرض قصتي للمنع والاضطهاد؟ فقلت لهم، صراحة، إن حياتي لم تكن سهلة، وقطعاً مررت بظروف شعرت فيها باليأس وكدت أتخلى عن كل شيء، "لكن اليوم، وأنا هنا أمامكم، أتحدث إليكم، أقص عليكم حكايتي، أشعر بأن الأمر كان يستحق في النهاية." الشيء اللافت يا صديقي أن هذا الجمهور لم يحضر "ببلاش"، فتذكرة الأمسية بلغت ثمانية جنيهات ونصف الجنيه، الأمر الذي ذكرني بوطننا العربي المجيد، حيث نقيم الندوات، والليالي الملاح ونفتح الباب "ببلاش"، وأحياناً (نبوس بيضات الواحد كي يأتي) ليتحدث الأديب أو الكاتب أمام صفوف طويلة عريضة من المقاعد الفارغة! (اللهم إلا من "أبو محمد" الفرّاش الذي يوزع الشاي، يجلس على كرسي في الصف الأخير، ناظراً إلى ساعته مستعجلاً الوقت كي يمر، ليكنس القاعة على عجل، يطفئ الأنوار، ويذهب إلى بيته، حيث يتعين عليه أن يمر على السوق لشراء ربطتي خبز وبعض الطلبات التي أوصته عليها أم محمد، ويدعو الله شبه يائس أن ينتهي الأديب من ثرثرته بسرعة، قبل أن تغلق محال السوق أبوابها. طبعاً قد تسألني من هو "أبو محمد"، فأجيبك: لا بد وأن يكون هناك فراش اسمه "أبو محمد" في تجمعاتنا الثقافية. ما الأمر؟ هل تعتقد أنني أستخف دمي؟ حسناً.. من الأفضل أن أتوقف هنا!)

"عشت" في لندن ثمانية أيام. نعم كان "عيشاً" جميلاً. لقد غطى المجلس الثقافي، بحسب الدعوة، إقامتنا يومين، شاملة التذكرة والفندق إضافة إلى مصروف جيب، ومكافأة رمزية. انتقلت بعدها للإقامة عند صديق وزوجته في ضاحية ريفية آسرة في طرف لندن مدة يومين، بعدها انتقلت إلى فندق شبه عائلي صغير في ميدان الطرف الأغر، في قلب لندن، مدة أربعة أيام، جبت خلالها المدينة بالطول والعرض، فغزوت متاحفها وشوارعها وميادينها وحاناتها ومقاهيها ومتاحفها، فتجولت في متحف "تيت" للفن المعاصر، كما زرت المتحف الوطني والمتحف البريطاني. لكن المتعة "الألذ" هي المسرح. فلقد حضرت مسرحية Phantom of the Opera، التي تحولت إلى فيلم سينمائي قبل سنوات. صدقني، لم أشاهد في حياتي كلها شيئاً بهذا القدر من العظمة والفخامة والجمال. كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها مسرحية استعراضية نوعية. شعرت ببهجة وإثارة. فتحت عيني على آخرهما، كي لا تفوتني حركة أو إشارة أو تفصيلة صغيرة، لم أشأ أن يغيب عن بصري أي ضوء وأي لون وأي سحر. نعم كنت كالمسحورة. كنت طفلة تختبر الدهشة للمرة الأولى. أجمل شيء يا صديقي أن نُدهش في عالم فقد القدرة على إدهاشنا.

تمنيت لو كان بمقدوري أن أظل في لندن أياماً أخرى لأشاهد أكثر من ثلاثين عرضاً مسرحياً كانت تقدم على مسارحها الكثيرة يومياً. لكنني كنت مضطرة، بحكم الغلاء المعيشي، إلى الاكتفاء بعرض مسرحي آخر، فذهبت إلى مسرحية The Mousetrap، وهي المسرحية الأطول عرضاً في التاريخ، حيث لا تزال تقدم على الخشبة منذ أربعة وخمسين عاماً! تخيل! قيل لي إنه لا يوجد بريطاني لم يشاهدها، فهي أشبه بلقاح أو طعم!

هل مللت؟! لكن هناك الكثير الكثير لأقوله لك عن مدينة تسللت إلى قلبي بحب وبشيء من الخبث، شأنها في ذلك شأن امرأة مغوية؟ ما رأيك؟ سأوفر الباقي لمقالة عن لندن..

وإلى موضوع آخر..

نعم.. أنا قلقة، وقلقة جداً. فروايتي تصدر قريباً. رغم حماسة صديقنا المشترك  الشديدة لها، وحماسة العزيز ماهر، لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الخوف. أعرف أن الخوف أمر صحي، يجعلني أقف على الأرض بدلاً من التحليق في السماء واحتمالات السقوط الواردة، وأعرف أيضاً أن القلق ظاهرة صحية، لكن أريد أن تظهر الرواية وليكن ما يكون، لأتجاوزها وأبدأ بمشروع جديد. لدي يا صديقي أفكار لكتابات عدة. ثمة قصة "تلعب" فكرتها في رأسي. أعترف لك أيضاً بأن ثمة رواية جديدة "تغازلني" وتستدرجني إلى غوايتها. لا أعرف. لم أقرر بعد. أعتقد أن الفكرة حين تنضج هي التي تقرر. والرغبة هي التي تقودنا، رغبة الكتابة، لا العكس. هل قلت لك ما اسم الرواية؟ "أهل الهوى".. هذا هو اسمها، وأتمنى يا محمود حين تقرأها أن تجد فيها شيئاً من هواك، ومن شغفك حتى إذ يهزمك الهوى؟ طبعاً، سأحرص على أن أؤمن لك نسخة. 

علمت أن مجموعتك "احتمالات طفيفة" قد صدرت، (أعجبني العنوان، فأنا من النوع الذي يتوقف أمام العنوان طويلاً) وسوف أسعى إلى أن أحصل على نسختين منها، لي ولعمر شبانة.

عدت من لندن بمجموعة من الروايات التي اشتريتها، سوف أشغل نفسي بقراءاتها. أعتقد أنني في طريقي إلى تجاوز مرحلة الخواء، التي تعقب الانتهاء من مشروع ضخم ومرهق نفسياً وعاطفياً وجسدياً. أشعر بأنني أريد أن أكتب. ثمة شيء يحاول أن يتفلّت مني. لا أظنّ أنني أريد أن أقمعه.

يا الله! لم أدع لك شيئاً. كل هذه الثرثرة عن نفسي؟! للأسف، لم أتمكن من الحصول على  نسخة من "كتاب في جريدة" الذي يضم قصصك. عزائي أن لدي معظم قصصك. ماذا عن مشاريعك الحالية بعد "احتمالات طفيفة"؟ هل ثمة ردود فعل نقدية على المجموعة؟ أعرف أن الوقت لم يزل مبكراً، لكن أتمنى أن يكون هذا العمل إضافة نوعية إلى أعمالك؟ أنا واثقة من ذلك. (أتعرف يا محمود؟ لقد كنت من أوائل المؤثرين، بالمعنى الإيجابي، على مسيرتي الكتابية؟ كنتُ قد تخرجت حديثاً من الجامعة حين قرأت لك في "صوت الوطن" في الكويت. أعتقد أنني أحببت القصة من خلالك. أذكر بأن صديقاً لي أبدى إعجابه بقصصك، فقلت: شو يعني؟ سأكتب أحسن منه! ضحكنا يومها. لقد كنت أمزح. لم أكن أفكر بالكتابة بصورة جدية. لم أفكر بأنني قد أصبح كاتبة. (اليوم، بعد كل هذه السنوات، ما تزال يا صديقي مع حفنة كتاب قليلين "مثالي" الأجمل، أقرأ لكم فأستمتع وأعرف أن خياري في الحياة، كما في الكتابة، لم يكن خاطئاً.)

 

فلنواصل تواصلنا، ولتظل رسائلنا تصنع بهجة، وإن كانت متباعدة، في حياتنا.

شكراً لك يا صديقي. وإلى رسالة أخرى ولقاء متجدد، وحكايات لا تنتهي.

لك كل مودة

حزامة حبايب

الجمعة – 6 أكتوبر 2006 

أبوظبي

***

العزيزة حزامة

تحياتي ومودتي

سررت لرسالتك التي تتدفقين فيها مثل ماء جدول رقراق. هذا مؤشر على انفتاح القريحة حتى الثمالة من أجل التواصل والبوح وتبادل البهجة وتقليب الكلام على كل أوجهه. وهذه بشارة تألق أرجو أن تستمر وأن تعطي أعمالاً إبداعية متتابعة.

أعتذر عن التأخر في الرد على الرسالة، لأنني عدت من مانشستر وتعرضت لانفلونزا بسبب تغيرات الطقس، وما زلت حتى هذه اللحظة أعاني من احتقان في الحنجرة وفي القصبة الهوائية، لكنني أفضل حالاً الآن. 

أعجبتني مانشستر، وأظن أنني زرتها زيارة خاطفة في زمن سابق،  ضمن عدد من  المدن البريطانية التي زرتها العام 1989 لإلقاء مجموعة من المحاضرات السياسية، ولم أعد أذكر من تفاصيل الرحلة السابقة شيئاً. هذه المرة أقمت في المدينة عشرة أيام. ثلاثة منها على حساب اللجنة المنظمة لمهرجان الجامعة الأدبي، وسبعة على حسابي. والحياة في المدينة غالية، لكنني استطعت تدبر أمري. أقمت في فندق أقل تكلفة من فندق الضيافة، وتناولت طعاماً بسيطاً في الصباح وفي المساء، وأما وجبة الغداء فكنت أتناولها في أحد المطاعم التي تقدم أسماكاً طازجة.

قرأت في الوقت المخصص لي أثناء المهرجان، ست قصص قصيرة جداً وقرأت قصة "صورة شاكيرا" التي أثارت ضحك المستمعين وإعجابهم. عموماً، كانت كل القراءات الأدبية الفلسطينية في  المهرجان على قدر من  الجودة. جاء سمير اليوسف، والتقينا للمرة الأولى. كنت أقرأ له بإعجاب، وكان يقرأ لي بإعجاب. هذه المرة التقينا وتبادلنا أحاديث سريعة بقدر ما كان يسمح به الوقت، وأهداني كتابين وأهديته أربعة كتب، وتحدثنا عنك بإعجاب ونقلت له تحياتك، فتقبّلها بسرور، ثم افترقنا على أمل اللقاء من جديد.

زرت متحفاً للتاريخ الطبيعي في مانشستر، وزرت معرضاً دائماً للفن التشكيلي. لم يبهرني المتحف ولا المعرض، إذ سبق لي أن زرت متاحف ومعارض في مدن أوروبية، في لندن مثلاً، أهم وأغنى بشكل ملحوظ. أغبطك على أيامك الحافلة في لندن. أغبطك على قدرتك على الاندهاش. أعتقد أنني لم أعد قادراً على الاندهاش إلى هذا الحد، بأية مدينة، وهذا مؤشر كما يبدو على هرم أو تعب أو ملل، أو سميه ما شئت من الأسماء. 

أكثرتُ في الأيام العشرة من الجلوس في المقاهي. مقاهٍ متنوعة المزايا والسمات. وفيها كنت أطلق العنان لنفسي كي تتأملني وكي تتأمل الناس والأشياء من حولي. وكنت أدوّن بعض ملاحظات قد تنفعني لاحقاً في كتابة ما.

أترقب صدور روايتك باهتمام. قبل أيام سألت صديقنا المشترك إن كانت الرواية صدرت. قال إنها كما يبدو لم تصدر بعد. التقيته في رام الله. تحدثنا عنك بما يليق بك من كلام، أهديته نسخة من كتابي الجديد، ثم ذهبنا إلى مطعم شعبي وأكلنا ساندويتشين. مشينا في الشارع الرئيس، اشتريت دواء من صيدلية، تبادلنا الهموم حول الصحة وحول ضرورة المشي، ثم افترقنا.

هاتفت صلاح حزين، وسألته عن أخبار ابنه غسّان. الأخبار محزنة وهذا الشاب ألمعي. كنت أقرأ بعض كتاباته في "الحياة". اقترحت على صلاح أن يذهب إلى المؤسسة العربية لاستلام نسخة من كتابي الجديد؛ "احتمالات طفيفة". وكنت طلبت من العزيز ماهر أن يستبقي لك خمس نسخ. عرفت في ما بعد أن النسخ الخمس قد استلمها صلاح، ربّما بطلب منك أو باجتهاد منه لا أدري.

بدأت تصلني ردود فعل إيجابية على الكتاب. زينب عساف كتبت عنه في النهار، وقد التبس عليّ مقالها حتى إنني أرسلت لها رسالة على الإيميل أشكرها على المقالة رغم قسوتها، فأرسلت لي رداً تقول فيه إنها أعجبت جداً بالكتاب، وهي لم تقصد أن تكون قاسية، وإذا كانت لم تستطع التعبير عن نفسها فهي ستقوم بالاعتذار لي. فأرسلت لها رسالة أخرى أشكرها فيها على رسالتها. 

هذا المساء، هاتفني الشاعر علي الخليلي، وقال إنه قرأ الكتاب وأعجب به ووجد فيه تجديداً في الأسلوب وقال إنه سيكتب عنه. سمعت ثناء من أصدقاء آخرين فأصبحت أقل قلقاً، والمهم عندي رأيك حينما يصلك الكتاب، خصوصاً أن بعض ما كتبته أنت عن "مرور خاطف" دفعني إلى التفكير جدياً بضرورة خلق حالة من التواصل والتناغم بين القصص كي لا أثقل على القارئ وأشتته، وكي لا أتعبه وهو يتنقل من مناخٍ ما في قصة إلى مناخ آخر في قصة أخرى. 

حالياً، أعيد النظر بمخطوطة روائية للفتيات والفتيان وبمخطوطة عن أحبّائي الأموات، وأظن أنني ذكرت ذلك من قبل، لكنني مصر على إعادة النظر حتى أصل إلى قناعة راسخة حولهما. وأقرأ دائماً. أقرأ هذه الأيام أورهان باموك، كما أقرأ كتباً أخرى عديدة في وقت واحد. ولم أعد أكتب مقالة أسبوعية لجريدة القدس! هل أخبرتك بذلك من قبل؟ ذاكرتي لم تعد كما ينبغي لها أن تكون. 

وأنا مسرور لأنك على وشك الدخول في تجربة كتابية جديدة. هذا أمر مفرح. وأرجو ألا تترددي. اكتبي؛ وبعد الكتابة يأتي وقت إعادة النظر والتنقيح والحذف والإضافة. ولا تبخلي على الطفلة التي في داخلك بكل ما يتيح لها فرص الشيطنة والمشاغبة والاندهاش، ففي ذلك ضمانة للإحساس الطازج بالحياة ولدوام الكتابة بشكل مبدع خلاق.

مع تقديري واحترامي

محمود شقير

 04 / تشرين الثاني / 2006