- 9 آب 2021
- ثقافيات
القدس – أخبار البلد – كتب المحرر الثقافي: لقد اثارت المقالة الجميلة التي نشرها الكاتب " بلال فضل" في صحيفة "القدس العربي" الكثير من الاهتمام في القدس ، خاصة وانها تتحدث عن شخصية تباينت الآراء حولها خاصة وانها ساهمت بتشكيل المجتمع المقدسي اثناء احتلال المدينة من قبل والده "محمد على باشا" ومن بعده ابنه "إبراهيم باشا" ، حيث تحدث الكثيرون من المؤرخين المقدسيين عن تغيره للتركيبة في المجتمع من خلال ترحل العائلات المعروفة عن المدينة وجلب عائلات أخرى وتسليمها زمام الأمور في بيت المقدس بسبب ولائها له، فحتى يومنا هذا لا زالت بعض العائلات تتحدث عن ذلك أبا عن جد عن جد .
ونحن في شبكة "أخبار البلد" نعيد نشر المقالة التي تلقى الضوء على جانب لم نعرفه من هذه الشخصية .
" هل كان أهل مصر والشام سيخافون من بطش إبراهيم باشا ابن حاكمهم محمد علي باشا بالقدر نفسه، لو عرفوا تفاصيل حالته النفسية المزرية التي حرمته من النوم كل ليلة، لأن أشباح الرجال الذين قتلهم تفزع نومه؟
في مذكراته المهمة والممتعة، يروي نوبار باشا أشهر الإداريين في تاريخ الدولة المصرية، أنه فوجئ حين وجد الرجل «الذي يخيف الجميع»، يدعوه كل ليلة ليسهر معه، وحين قام بسؤال عمر عبد إبراهيم الذي كان يسهر معهما: هل يستمر هذا الوضع مدة طويلة؟ أجابه أن إبراهيم باشا لم يعد ينام الليل، وإن نامه يكون نومه متقطعاً بسبب زيارات أشباح الرجال الذين قتلهم، وأنه كان يضطر لشرب النبيذ والشمبانيا ليتمكن من النوم، لكنه بعد كأس أو اثنين كان يقوم «ليلقي خطباً وأشعاراً غريبة، وعيناه تلمعان كالوهج وملامح وجهه تتغير وجبينه يتسع من تأثير الحرارة المتوقدة من جسمه».
في ساعات الصحو، لم يكن إبراهيم باشا يخاف من أشباح قتلاه، بل من غدر أبيه. حين ذهب مرة إلى القصر لتلبية طلب عاجل بمقابلة أبيه، قال لحارسه فجأة: أضرب بسيفك من سيقوم بإعطاء أمر قتلي أياً كان، كانت الخلافات بين الأب والابن قد تزايدت، لدرجة أن إبراهيم حين عاد مرة من الشام منتصراً، تلقى خطاباً مليئاً بالعتاب الظالم من أبيه، فنام واضعاً الخطاب على بطنه، وقال لمن حوله: «أريد أن يدفن هذا الخطاب معي… إنه يحمل لي اتهامات أريد أن أحملها معي إلى القبر».
لم يستطع إبراهيم أن يعلن جنون أبيه على الملأ، كما كان يرغب، لكنه أيضاً لم يستطع الإقرار بسلامة عقل أبيه، وحين أراد في أبريل/نيسان 1848 أن تكون له السلطة الفعلية في حكم البلاد، لا أن يكون مجرد وصي على عرش أبيه، خاف من شفاء والده المفاجئ، لأنه كان يدرك أن والده سيجعله يدفع حياته ثمناً لاغتصابه السلطة.
تعقدت مخاوف إبراهيم باشا وهلاوسه، وأنتجت مرضاً يجعله ينزف باستمرار، فلجأ إلى كلوت بك الطبيب الأشهر وقتها ليداويه، فأعطاه دواء نفعه قليلاً، لكنه عاد لينزف مجدداً، وحين لجأ إلى عرّاف القصر ليستطلع الكواكب عن حالته الصحية، أتاه برد محبط يقرر أنه سيموت قبل ستة أشهر، وكانت تلك النبوءة متفقة مع ما أعلنه طبيبه النمساوي الخاص، الذي أكد أن نزيفه المستمر ناتج عن إصابة خطيرة في الرئة، وبدأ إبراهيم يعاني من خشونة الصوت نتيجة التهاب أحباله الصوتية بسبب القيئ المستمر، لكن أكثر ما كان يخيفه خلال زيارته الأخيرة إلى القسطنطينية، هو أن تتحسن صحة والده قبل أن يعود إلى مصر، ولذلك انتابته نوبات من الاضطراب النفسي، وظل يهذي معبراً عن مخاوفه من بطش أبيه، واستمرت صحته في التردي حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. وحين تم تشييع إبراهيم إلى قبره، رافقته «لا مبالاة مهينة» كما يصفها نوبار، لا تليق بالحاكم الفعلي للبلاد، ولكي تكتمل دراما الأب والابن، أفاق محمد علي من غفلته الذهنية الطويلة، وحين أخبروه بوفاة ابنه، رد قائلاً بلا مبالاة أدهشت الجميع: «كنت أعرف، لقد حبسني، كان قاسياً معي كما كان مع الجميع، لقد عاقبه الله وأماته، لكني أجد نفسي لكوني أباه من الواجب عليّ أن أترحم عليه وأدعو له الله».
دأب محمد علي في أواخر أيامه على الطواف في شوارع القاهرة في حراسة مماليكه، وأخذت الجموع تنظر إليه باحترام وتوقير، بعد أن اكتسب لدى كثيرين صفة المجذوب الملهم من الله، الذي سبق أن رأى رؤيا عن وفاة ابنه بعد عودته من السفر، قبل أن يسافر ابنه إلى القسطنطينية بوقت مبكر، ولم يعرف أحد منهم أن الباشا عاد ثانية إلى غفلته الذهنية، وظلت تطارده بدون هوادة فكرة أنه ما زال محبوساً على يد ابنه إبراهيم. يحكي نوبار أنه كان في قصر محمد علي في شبرا يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1848، حين أتى عباس حلمي حفيد محمد علي ليقبل يد جده قبل السفر إلى القسطنطينية، فقال له جده: «لقد لعنت إبراهيم لأنه حبسني، ولذا قبض الله روحه فلا تتصرف نحوي مثله، إذا كنت تريد ألا ألعنك أنت أيضا»، فطمأنه عباس وقال له وهو يقبل يده مرة أخرى: «أنت سيدنا وستظل كذلك دائما»، ليبدأ محمد علي بعدها في الهذيان، ويتخيل نفسه على رأس جيشه وهو يدحر جنود القيصر من على أسوار القسطنطينية، وتكون تلك الهذيانات المستمرة آخر عهده في الدنيا.
حين جاء عباس ليخلف محمد علي في حكم البلاد، ورث من محمد علي وإبراهيم شكهما المستمر في كل من حولهما، فاقتنع بوجود مؤامرة دائمة عليه، ولذلك اختار العيش في عزلة تامة داخل قصره الذي أنشأه لنفسه في صحراء العباسية، والذي تم تأثيثه بذوق مرهف على أيدي كبار الفنانين، لكنه كان على حد وصف نوبار كئيباً ومغلفاً بالسكون، «ويُهيأ لك في أي لحظة أنه يمكنك سماع ذبابة وهي تطير، كنت في بعض الأحيان أحس بالانقباض وأنا أسير داخل القصر وبداخلي إحساس بالبرودة العارمة التي لا نهاية لها».
إذا لم تكن ممن يعتقدون بأن الناس على دين ملوكهم، ستعتبر نوبار مبالغاً حين يقول، إن مصر ظلت على مدار أربع سنين من حكم عباس تشبه قصر عباس، «حيث لم يكن الناس يتزاورون أو حتى يدعون بعضهم بعضا، وكان كل فرد يعيش منطوياً ومنعزلاً»، ورغم أن خليفة إبراهيم كانت لديه أفكار اقتصادية جيدة، وكان يفكر في عدم فرض مصاريف باهظة على الشعب، إلا أنه كان قاسياً إلى حد التوحش مع الجميع، حتى أنه أمر بحياكة فم إحدى وصيفاته لأنها تجرأت على مخالفة أوامره ودخنت في جناح الحريم، وحين رأى نوبار يلتمس العذر لأحد معاونيه قال غاضباً: «إنني قادر على فعل أي شيء وكل من حولي يجب أن يكونوا مثلي قادرين على فعل أي شيء».
لم تنجح عزلة عباس الدائمة واحتياطاته الأمنية الصارمة في إطالة عمره، فقد تم اغتياله في قصره في بنها، بعد أن طعنه أربعة من مماليكه أثناء نومه، وكما يروي نوبار، يقال إن نازلي هانم أغرت اثنين منهم بجسدها لينفذا الاغتيال، ومع ذلك فقد أعلن طبيب القصر رسمياً أن وفاته كانت لأسباب طبيعية، وتم كتمان خبر مقتله لمدة 48 ساعة، نُقل خلالها جثمان عباس من بنها إلى قصره في العباسية في وضح النهار بعد أن تم إجلاسه بثيابه الرسمية في عربة تجرها أربعة خيول، كما لو كان على قيد الحياة وجلس إلى جانبه ألفي بك وهو أحد عبيده ومندوبه الخاص للمراسم، لينساه كل حلفائه فور وفاته، حتى أنهم باتوا يتصرفون كأنه لم يكن موجوداً من الأصل، لينتهي سريعاً النظام الصارم الذي وضعه لإدارة البلاد، لأنه كان نظاماً فوقياً مفروضاً بقوة القهر، ولذلك كان من السهل أن يتبدل بنظام فوضوي متسيب، وأن ينسى الناس قدرات عباس الإدارية ونظامه في الحكم، لتبقى منه فقط صورة الشخص المنطوي المنعزل في قصره وسط حراسة مماليكه، وحتى هذه لم يعد يتذكرها أحد، «ففي مصر يُنسى كل شيء بعد حين»....
«مذكـــرات نوبــار باشـــا» ـ ترجــمة جارو روبير طبقيان ـ دار الشروق

