- 13 شباط 2022
- ثقافيات
بقلم : كايد هاشم
القدس - أخبار البلد - نشر الكاتب الصديق ”كايد هاشم“ في مجلة“ افكار“ الصادرة عن وزارة الثقافة الاردنية في العدد ٣٩٦ كانون ثاني ٢٠٢٢ ، مقالة غاية في الاهمية ترصد التحولات في عادات القراءة واثر ذلك على عالم الكتب والنشر، ويشرفنا في شبكة ” أخبار البلد“ المقدسية ان نعيد نشر المقالة كاملة للمساهمة في حركة النشر العربي والافاق المستقبلية لها .
كيف يمكن للتحوّل الرقميّ أن يؤثِّر في تغيير سلوكات القراء وعاداتهم؟ ينطوي هذا السؤال على العديد من الأسئلة المتشعبة بشأن أحوال الثقافة والإنسان في إطار واقع المجتمعات العربية المعاصرة، ويحسُن بنا في محاولة الإجابة عنه التعامل مع القراءة "كمفهوم وقيمة" من منظور يتفق ودورها في عصر الاتصالات التكنولوجية الذي نعيشه، ووظيفتها المُفْتَرضة في مساعدة الإنسان في بلداننا على دخول العصر بمخزون ثقافي يفي بحاجاته، ويحفظ له حقّه في المعرفة وحماية مقوّمات إنسانيته أمام هيمنة التكنولوجيا الحديثة وتغلغلها في حياته، فالثقافة قوته إذا أُحسِنَ توجيهها في المسار الصحيح.
على الرغم من عدم وجود دراسات راصدة بالشكل الكافي على المستوى العربي للتغيّرات في سلوكات القراء وعاداتهم القرائية واتجاهات القراءة ومعدلاتها في إطار التحوّل الرقمي، فإن ما نطالعه من بعض الدراسات والتقارير التي انصبّت على هذه المجالات، وظهرت مؤخراً، نجده يؤشِّر على ظواهر حَريّة بإعادة النظر بشأن ما أوردته منظمات دولية ومنظمات ومؤسسات ثقافية عربية أحياناً، وخلال السنوات الماضية، حول ضعف معدلات القراءة في البلدان العربية التي وصلت إلى ربع صفحة سنوياً للفرد أو ما يساوي 6 دقائق في السنة بينما يقرأ الأوروبي 200 ساعة سنوياً ؛ وقياساً من جهة أخرى إلى أن أعلى نسبة للأميّة في العالم موجودة في الوطن العربي (حوالي 60 مليون مواطن عربي أمّيّ بحسب أرقام اليونسكو)، ووجود ملايين الأطفال خارج المدارس بسبب الفقر والنزاعات المسلحة، في الوقت الذي أصبح فيه التعليم بحاجة قبل نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين وحلول عام تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، إلى إصلاحات هيكلية في بنيته ومناهجه ليغدو ركيزة تنموية تُسهم في التماسك الاجتماعي والتحوّل الرقمي والدخول إلى عصر الثورة الصناعية الرابعة؛ بمعنى المواءمة بين الإنسان والتكنولوجيا والموارد، وتأهيل القوى الإنتاجية في المجتمع بالمعرفة والمهارات اللازمة للتنمية.
وفي الوقت الذي أوضحت إحصاءات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو"، قبل عامين، تباين نِسب نشر الكتب في الوطن العربي مقارنةً بما تصدره دول أوروبا الغربية (كتابان عربيان مقابل 100 كتاب في أوروبا)، ووجود ما نسبته 0,7% مدوّنة عربية من مجمل المدوّنات في العالم، فإن دراسة مسحيّة تحليلية لواقع النشر في الوطن العربي بين عامي 2015-2019 أعدها الدكتور خالد عزب، ونشرها اتحاد الناشرين العرب هذا العام (2021)، أظهرت نموّاً متزايداً في حركة النشر العربية منذ عام 2006 رغم ما تواجهه من صعوبات، وأن مجموع ما نشرته الدول العربية في عام 2019 وحده بلغ 70630 كتاباً جديداً.
كيف انعكس حجم النشر هذا – على سبيل المثال – في الفضاء الافتراضي ودوره في تبيّن مدى التحوّلات في عادات القراء ؟ فهذا يحتاج إلى دراسة من زاوية تعزيز مضمون وانتشار المحتوى العربي على الإنترنت وقدرته على استيعاب هذا النموّ ورفع نسبته إلى أكثر من 3% من المحتوى العالمي، وإيجاد إمكانات من شأنها تذليل الصعوبات أمام رصد اتجاهات القراء في الموضوعات التي تحظى بالأفضلية والاهتمامات، مع تصنيف هذه الاهتمامات والاحتياجات على نحوٍ يُسهم في إظهار المؤشرات الدالّة على نسب تقريبية للقراءة الخاصة بالاحتياجات الأكاديمية والبحثية، ونِسب القراءة العامة وأنواعها، وحجم التفاعلات المترتبة عليها .
من المؤكد أن الانفتاح الذي وفرّته الشبكة العنكبوتية ووسائط التواصل وحجم وتنوّع المعلومات وتنوّع المصادر التي يتعرّض لها المستخدم، وامتلاك الأجهزة المتطوّرة في هذا السياق، كل ذلك لا يغني عن تكثيف الجهد العربي المشترك باتجاه مضامين مدروسة وأساليب ملائمة للخطاب الثقافي، وإمكانية الوصول إلى الجماهير المستهدفة في الفضاء الافتراضي، كما تحمل عناصر التأثير المنشود، والميزة التنافسية إزاء إمكانات متفوقة وأخرى متوسطة أو حتى بسيطة لكن لديها قَدر من التأثير وتملأ ذلك الفضاء الواسع .
وبرأيي أنَّ عدداً من المؤشرات لا تنفي ملامح إيجابية يمكن البناء عليها في تبيُّن الواقع الحقيقي للقراءة وعاداتها في بلداننا عندما يوضح تقرير "بريندان براون" على موقع "غلوبال إنغليش إديتينغ" أن مصر احتلت قبل ثلاثة أعوام المرتبة الخامسة في ساعات القراءة أسبوعياً، وجاءت السعودية في المرتبة الحادية عشرة متقدمتين على دول غربية كالولايات المتحدة وأستراليا وكندا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا واليابان .
أمر آخر تحسُن الإشارة إليه عند إيراد الأرقام المتعلقة بمستخدمي الإنترنت ووسائط التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي التي تتوافر فيها خصائص الانتشار والترويج للكتب وسهولة الاستعمال ووفرة الخيارات وكثافة التدفق المعلوماتي، فمن الموضوعية عدم اعتبار أن كل مستخدم هو قارىء للكتب أو المقالات أو المواد الثقافية تحديداً، فطبيعة هذه الوسائط تشمل أيضاً وظائف واستخدامات أخرى وأنماطاً تفاعلية بصريّة وسمعية وشفاهية يمكن بواسطتها اكتساب الثقافة وتحصيل المعرفة؛ كالفيديوهات Videos، وإمكانات المشاركة في المنتديات والمواقع على الشبكة العنكبوتية المختصة بمراجعة الكتب ومناقشة مضامينها (مثلاً Book Marks) وسائر الأنشطة الاتصالية الثقافية عن بُعد عبر التطبيقات، ثم التطبيقات السمعية - البصرية لتعليم اللغات والتعريف بالثقافات (مثل Duolingo و Cambley) ، والكتب المسموعة Audio books، وبعض مواقع الصور (ومنها موقع Pinterest)، والأفلام، والرسوم المتحركة Animation، والمعارض الفنيّة الإلكترونية (كموقع Google Arts & Culture)، وغير ذلك، وكلها تتسم بتقنيات تُحدَّث باستمرار لتوفير المزيد من مزايا سرعة الوصول إلى محتوياتها، وتيسير تلقي المعلومات منها والتفاعل الإلكتروني مع ما تقدّمه.
هذا يعني أن القراءة كفعل عبر هذه الوسائط الإلكترونية لم تعد تنحصر في دائرة التنافس مع الوسائل الورقية الذي بدأ يصبح ظاهرة من الماضي، وإنما هنالك الجانب المتعلّق بالتحوّل الواضح في مفهوم القراءة نفسه الذي كان يعتمد على البصر وحده وأصبح يرتبط بحاسة السمع والتفاعل المباشر عبر الوسائط، ويتجه في جوهره إلى مفهوم يتجاوز الواجب التعليمي إلى القراءة بوصفها قيمة للاتصال بمصادر المعرفة، وأيضاً أداة للارتقاء المعرفي والفكري، وبالتالي إيجاد قارىء متعدد روافد المعرفة، على سوية ثقافية جيدة، يدرك القيمة المتاحة له في استثمار حرية الحصول على هذه المعرفة وضوابطها، مما تغدو معه المهارة التكنولوجية طريقاً نحو تحقيق البناء الثقافي لهذا الإنسان، مع ضرورة استناد هذا البناء إلى أسسٍ اجتماعية تربوية وتعليمية وإعلامية واضحة منذ مرحلة النشأة، وكذلك ما يعقبها من مراحل، بحيث يُعاد بلورة موجهات التحفيز لتستجيب بكفاءة للحاجات الثقافية المتعلقة ببناء إنسان المستقبل، القادر على التعامل والتكيّف مع الطوابع الجديدة للحياة الاجتماعية ومستجدات التطورات التكنولوجية، والاعتماد على الذات في التثقف وبلوغ مراتب الوعي والتمكن من مهارة الحوار البنّاء، وتنمية مهارات التفكير التحليلي والنقدي، التي تجعله مشاركاً فاعلاً في حركية المجتمع نحو التقدّم .
إنَّ القرّاء الذين يتخيّرون قراءاتهم لجني الفائدة الثقافية سواء من الوسائل الورقية أو الإلكترونية لم ينقرضوا، وإن كانوا الأقلّ عدداً اليوم بين شرائح القراء وما تزال لهم عاداتهم الفردية في تنظيم القراءات وترتيب عملية استقاء المعارف . وهؤلاء ينبغي مساعدتهم في المحافظة على مهاراتهم تلك ومحاولة نقل تجاربهم إلى غيرهم من القراء، وعلى وجه الخصوص استهداف أولئك الذين يتهدد رغبتهم بالقراءة التدفق الهائل للمعلومات والمواد الأخرى فلا هم يمتلكون نظاماً يعينهم على الوصول إلى الفائدة والإثراء المعلوماتي، ولا هم يستطيعون مع كثرة المعلومات وتعدد الخيارات أن يجدوا من الضوابط ما يجنبهم التشتت، والوقوع في شِرك التشتت هذا يفضي إلى تعطُّل عقولهم إلا عن التلقّي السلبي أو غير المجدي على الأقل، الذي لن يكون إلا ما يرضي الغرائز الدُنيا وأفكاراً ضارة لا يلزمها الجهد العقلي في الاستقبال، ويسهُل عليها التأثير في المفاهيم والنزعات ضد مصالح الإنسان نفسه ومجتمعه. وهذه الفئة من القراء غالباً ما تنجذب إلى الإثارة والفضائحية في الأخبار والصور والتعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي، والقراءة لديها أشبه بالتصيّد الذي يرضي فضولاً يتحول إلى ما يشبه الشره نحو مالا ينفع ولا يبقى ولا يُبقي على النافع، ويلاحظ أن سلوك القراءة في هذه الحالات يقتصر غالباً على التصفح السريع، و"القراءة" غير المستوعبة للسياقات التي تكون نتيجتها التشويه العقلي والعاطفي والذوقي واضطراب الفهم .
لقد وفَّرت الفترة التي اجتاح فيها فيروس "كوفيد – 19" العالم ومنه منطقتنا العربية فرصة لاختبار استخدام الوسائط التكنولوجية في تلبية جانب كبير من الحاجات الحياتية، ومنها التواصل والتعلّم والتوعية والإعلام الصحي، وساعد الانتشار الذي حازته هذه الوسائط على الإقبال نوعاً ما على القراءة في ظلّ الأوقات الطويلة للالتزام بالمنازل التي فرضتها الإغلاقات . وهذه فرصة لتثمير الجانب التثقيفي وتحسين مستويات الإقبال على القراءة النافعة لدى الناشئة والكبار على السواء، مما يقتضي أن تتناول الدراسات كيفياته والتخطيط له بشكلٍ يحقِّق الطموحات والآمال المنشودة .
وتثبت التجربة التاريخية العربية أن القراءة المرتبطة في الذهنية الثقافية والدينية بمعاني العلم والتفكُّر والتدبُّر كما جاءت في الأمر الإلهي بمحكم التنزيل (إقرأ باسم ربك الذي خلق) "العلق: 1"، هي قيمة حضارية إنسانية ما تزال راسخة، وقد انعكست في الرغبة المستمرة بالعلم لدى الإنسان في بلداننا على مَرّ التاريخ، سواء ظهرت جليّة أو ظلَّت كامنة بسبب ظروف اجتماعية أو اقتصادية قاهرة أو سواها مما يفتقد معه الإنسان أسباب العيش والأمان ولا سيما في أثناء الحروب والنزاعات. لكنها تظلّ جزءاً من تراثه القيمي وتكوينه الاجتماعي، وتدعو هذه البذرة المتأصلة فيه إلى إعادة الثقة بجوهر هذا الإنسان تطلُعاً إلى مستقبل أفضل على مختلف الصُّعد، وخاصة على الصعيد الثقافي والحضاري الذي لا يتم دونه التحديث والتجديد والتطور الحقيقي .

