- 4 آذار 2022
- ثقافيات
بقلم : تحسين يقين
في القصة التي بين أينا، وهي قصة إبداعية موجهة للأطفال حتى سن12 عاما، تواصل الكاتبة هدى الشوا طريقها في كتابة الأدب للأطفال والفتيان، مقدمة نموذجا عربيا رائدا، في الرقي بالطفل/ة والفتى/اة، حيث وجدنا أن قيمة المساواة تحضر بقوة وذكاء في التناول، كما يقتضي أدب الطفل بشكل خاص، فقد حضرت الفرس "عنبر"، كذلك حضر حصان عنترة. إنها تربية لها علاقة بالمنهاج، من خلال المزاوجة في الذكر والأنثى.
بعد هذه المقدمة، سنتناول جوانب المضمون والشكل والرسومات، لأن الإبداع في كل ذلك، هو ما شكل رافعة للفكر المبثوث في النص.
سيسرح الأطفال بعنبر هذا الحصان الأبيض، بصورته وما يحيط به، يقرؤون، تهجئة الحروف فالكلمات، ويغرقون في بهجة الألوان، وما بين جدية نظرة عنترة، ورومانسية نظرة عبلة، يدخلون مشاعر وحالات شعورية متنوعة، تزيدهم تشوقا، وربما يعيدون التصفح والقراءة من جديد.
أعدت قراءة القصة بعينيّ، وعيني طفلتي سارة، وهذا هو الأهم، فكانت قراءتها البصرية غنية، والفضل يعود للكاتبة والفنان البحراني جمال عبد الرحيم.
هي للأطفال من سن 5 سنوات حتى 12، ولكنها جذبتنا بما فيها من تعامل راق مع عالم الطفل، كيف أن الكاتبة تدخله في التاريخ والتراث العربيين بالكلمة والرسومات.
صغار وكبار، كل وما يتوقف عنده، كل وتداعياته وخبراته في التاريخ الأدبي، حيث يشكل الحصان وعنترة وعبلة، ثيمات عربية، تحيلنا إلى عوالم الفروسية والصحراء وقصص الأبطال والحب.
إنه اقتراح جمالي للطفل العربي، لتأسيسه وتربيته على التراث، والمشاعر النبيلة والجمال، من بطولة وعاطفة سامية، ليحملها الطفل في الوعي واللاوعي، لربطه بالمكان والتاريخ وصولا إلى الآن، حيث ما زال عالم الخيول والشعور.
جاءت قصة الأطفال "عنبر"، على شكل مونولوج قدمت فيه عنبر، نفسها، للأطفال، متحدثة عن صفاتها الجسدية والنفسية. خلال ذلك، تحكي قصة عنترة وعبلة، لتعود لإكمال تقديمها، فهي تصف الشكل والفعل معا:
انا فرس اسمي عنبر
أسابق الريح في كل معبر
عسلي اللون لوزي العين
حلو الطباع كطعم السكر
يواصل تقديم نفسه من خلال ربط نفسه بفارسه:
يظن من يركبني
انه فارس من زمن أغبر
وهنا، تكون الفرصة مؤاتية للسرد عن عنترة ذاكرا صفات فارسه:
إنه أبو الفوارس عنترة
البطل المغوار ذو اللون الأسمر
حاملا سيفا ورمحا ودرعا
على حصانه الوفي الأبجر
ثم يأتي على ذكر المحبوبة عبلة وما يقاسي من ألم الفراق:
يذكر عبلة ويشكو لها
مر الفراق والشوق الأكبر
ثم ليصف جمالها:
هي زينة الحياة وغاية المنى
أغلى من الدر والياقوت والجوهر
يخطف الليل من شعرها سواده
والنور من عينيها يتفجر
ينتهي عنبر من عنترة ومحبوبته، ليستأنف تقديم نفسه:
أنا عنبر إن عدوت الصبح
تحوم حولي طيور المهجر
ويعلو صهيلي كناي
في الفلاة، أردد الصدى وبه أفخر
وأثب بين الآس والياسمين
وفوق العشب الندي المعطر
أوشوش الريح في ربيع البوادي
بين شقائق النعمان، عقيق أحمر
أطير من سفح إلى سهل
بلا جناح، بلا لجام، للنجم أعبر
الصفات التي ارتدت الأفعال: عدوت، يعلو، أثب، أوشوش، أطير، ومن قبل في المقدمة: أسابق، تظهر جميعا ما تود عنبر أن تعبّر به عن نفسها. وهي تتزاوج ما بين الفخر بالقوة مثل (عدوت، يعلو، أثب، أسابق) وبين التعبير الجمالي (أوشوش، أطير).
وهنا تشعر الفرس "عنبر" أنها عبرت عن نفسها من خلال هذا التقديم، بما اشتمل من قصة عنترة الفارس، وقصته مع المحبوبة عبلة.
إنها الفروسية، والحب. وثمة علاقة بينهما، خصوصا في احترام عبلة وحبها للفارس، المدافع عن الأوطان.
ثمة ملاحظة في القصة، تتعلق بالمساواة، فهنا تحضر الفرس "عنبر"، كذلك حضر حصان عنترة. إنها تربية لها علاقة بالمنهاج، من خلال المزاوجة في الذكر والأنثى.
أما الرسومات، فقك كانت سردا جماليا لونيا، كأساس وهمود رئيسي للقصة، وثمة ارتباط عضوي بين الرسم والنص؟
أبدع الفنان البحراني جمال عبد الرحيم، في التنقل اللوني ما بين بياض الحصان وسمار الفارس وبيئته، متنقلا بين البني الخفيف الملائم للصحراء، وبين تصوير زرقة السماء. إنها ألوان فروسية، فاحمرار مع ذكر عنترة أبو الفوارس، فجماليات خد عبلة البنفسجي، واصفرار شمس الصباح، وخضرة الأرض، وصفاء الصحراء.
*صدر "عنبر" عن دار قرطاس للنشر

