- 1 حزيران 2022
- ثقافيات
بقلم : عزام توفيق أبو السعود
حزنت جدا لسماع خبر وفاة الصديق الغالي على القلب الدكتور هشام الخطيب .. الذي ربطته بأخي منذر زمالة وصداقة عمر ، درسا معا في المدرسة الرشيدية حين كان والدي مديرا لهذه المدرسة العريقة، وسافرا معا لاكمال دراستهما في الهندسة، في مصر، ثم في انجلترا، وعادا ليعملا معا في القدس ، في شركة الكهرباء التي دافعا عن منطقة امتيازها لسنوات عديدة، ثم في سلطة الكهرباء الأردنية التي أسساها معا في منتصف السبعينات من القرن المنصرف.. وانتقلت هذه الصداقة من أخي الي، حيث كان بمجرد وصوله الى القدس يتصل بي لأراه وأقضي معه عدة ساعات نتحدث فيها عن القدس التي حافظ على هويته المقدسية رغم أن مركز عمله أصبح في عمان ، وتقلد فيها مناصب وزارية هامة ، ، وكذلك كنت أفعل عندما أزور عمان وكان دوما يجد لي بعض الوقت رغم مشاغله لنتحدث فيها عن القدس يتابع ويسأل عن أوضاعها وعن أبناء أخي منذر الذي سبقه الى جوار ربه بعقدين من الزمن.. وذكرياته مع القدس ومع شقيقي منذر.. كان يتابع ما أكتب ويحرص أن يقرأ كل رواية أو مسرحية أو بحث كتبته، وكان يهديني نسخة من كل كتاب ألفه ، وهي كتب قيمة في تاريخ القدس، وفلسطين والأردن.
نعم ، كانت كتبه قيمة جدا، لما تحتويه من تحليل فني وتاريخي لجميع اللوحات التي رسمت عن مناظر في القدس لأشهر رسامي العالم حين كانوا يزورون القدس في القرون الأربعة الماضية .. ثم الصور الأصلية والصور الليثوجرافية الأصلية مع تطور فن التصوير واختراع الكميرا واختراع الطباعة التي كانت تتم بادىء الأمر بالطرق البدائية.. هذه الرسومات، وهذه المجموعات من الصور كان من أكبر جامعيها في العالم ، وبذل في الحصول عليها كل ما كان يدخر من مال يبحث عنها في المزادات العالمية، وعبر الانترنيت فيما بعد. وقد أسعدني أن أرى هذه المجموعة القيمة والثمينة التي لا يمكن تقدير قيمتها الفنية، وقيمتها المالية أيضا التي أعتقد أن تزيد عن عشرات الملايين من الدولارات الآن لو عرضت في المزادات العالمية
. كلما هممت بأن أكتفي بما كتبته عن الدكتور هشام الخطيب، أجد لدي مادة أكثر لأكتبها عن هذا الرجل .. فخسارته بالوفاة لا تعني خسارته الروحية وخسارته المعنوية، فهو رجل من الندرة التي يمكن أن تجدها في العالم، في سعة الثقافة، وسعة الإطلاع، وكثرة ما في مكتبنه من كتب قرأها، إضافة الى اللوحات الفنية الأثرية والتاريخية، التي تشكل أكبر متحف للقدس، كان يبحث قبل وفاته عن مكان جدير بأن يحفظ ويحافظ ويعرض هذه المجموعة .. وأنا مستعد لأن أحضرها الى القدس حيث مكانها الطبيعي ، وأن أسعى لإقامة متحف دائم يحمل اسم هشام الخطيب
هشام الخطيب كان عالما دوليا في مجال الطاقة، له كتب وأبحاث ودراسات معروفة عالميا، فهو كباحث في مجال الطاقة يعتبر من أهم خبراء الطاقة في العالم ، ولذا لم يكن مستغربا أن يصبح نائبا لرئيس مجلس الطاقة العالمي .. فرغم أن لدية شهادة الدكتوراه في الهندسة، فلديه درجتين علميتين أخريين في الاقتصاد والفلسفة !
رشحني الدكتور هشام الخطيب قبل عشرين عاما لعضوية منتدى الفكر العربي بعمان الذي أسسه الأمير حسن بن طلال، وكان هشام الخطيب عضوا متميزا ونشطا في هذا المنتدى ، وقد شاركت في عدد من جلسات أو مؤتمرات أو نقاشات أو محاضرات كانت تقام في المنتدى .. وكنا في القدس قد أسسنا قبل ذلك بخمسة عشر عاما الملتقى الفكري العربي في القدس، هذا الملتقى الذي كنت عضوا في مجلس إدارته ومجلس أمناءه لأكثر من عشرين عاما .. الملتقى الفكري العربي بالقدس كان أول منتدى فكري في العالم العربي، لكننا لم نتمكن من ايجاد مصادر لتمويل نشاطاته فاضطررنا لإقفال أبوابه وتجميد نشاطاته قبل عدة سنوات ، لكن الأمير حسن، الذي كان صديقا حميما للدكتور هشام استطاع أن يبقي منتدى الفكر العربي بعمان على قيد الحياة، يمارس نشاطاته البحثية ، التي شاركت في بعضها، وخاصة الدراسة البحثية عن الأوقاف العربية في القدس
العين تدمع وأنا أرثي الدكتور هشام، وأستطيع الكتابة أكثر وأكثر عنه، كتبه في مكتبتي، وأحد كتبه كانت صورة غلافها هي رسم بالألوان المائية للقدس تظهر فيه زاوية أبو السعود ( الزاوية الفخرية بالقدس) تظهر صورة لهذه الزاوية في نهاية القرن الثامن عشر، والنسخة الأصلية لهذه الصورة موجودة ضمن مجموعة الدكتور هشام. أحد كتب الدكتور هشام باللغة الإنجليزية أستخدمها بصورة شبه يومية في متحفي الخاص بفن الأرابيسك، الذي أستعيد فيه صورة القدس وزخارف مبانيها قبل عدة قرون، وأحاول محاكاتها لترسخ في ذهن شباب القدس كيف كانت القدس ، ليجملوا الراية بعدنا لنعيد للقدس صورتها الحقيقية كمدينة عربية إسلامية مسيحية.. هذا ما جمعه هشام الخطيب وأحاول السير على خطاه طالما بقي في رمق من حياة . رحم الله هشام الخطيب الحيفاوي الأصل، والمقدسي الروح والإنتماء .. خسرناه وستظل ذكراه في قلوبنا.

